الديوان » مصر » أحمد زكي أبو شادي »

أفى العرس تنعى يالها قسوة القدر

عدد الأبيات : 75

طباعة مفضلتي

أفى العرسِ تُنعى يالها قسوةَ القدر

ولكن هي الدنيا تُعَّلمُ من غَدر

ولم ترحم الُّدولاتِ يوماً فهل لها

بأن تُنقذَ الفردَ العظيمَ من الغير

وكنتُ على وعدٍ لألقاكَ مثلما

ألاقي بشاشاتِ الصبَّاحةِ والزَّهر

لأنعمَ بالحلوِ الحديثِ مُرنَّقاً

وبالحبِّ موفوراً وبالرّاحِ والثمر

وأقتبسَ المعنى الثمينَ ذخيرةً

إذا شحَّ ودُ الناسِ أو خاطري افتقر

وأشهدَ أوراقَ الخريف مجانياً

من الجَّنة الفيحاءِ لا ذابلِ الشجر

وما كنتُ أدرى أن موتكَ سابقي

وإن كنتَ لم تَبرحَ على الوعدِ تنتظر

وما رخُصت يوماً بقربك لحظةٌ

بذلتَ لإسعادي ولا مَسَّها الضجر

فها أنا من يلقاكَ والدمعُ خانقي

وما لي ابتسامٌ كابتسامكَ مدُخُّر

تجَّلى على الوجهِ الحبيبِ بوَسنةٍ

هي الرَّاحةُ الكبرىِ لمن كَّدهُ السفر

نَداماكَ جاؤا جازعين وطالما

بِشعرِكَ كانوا الطائفينَ على السمر

يطوفون سكرَى حول نعشكَ في الأَسى

وبالأمس كنتَ الشعرَ يُسكرُ من سكر

رأيتَ بعين الرُّوحِ عُقباكَ إنَّما

أَبيتَ عزيزاً أن تكون على حَذرَ

وَخَلفتناَ لم نفقد الفنَّ وحدَه

بل الرجلَ الفذَّ الذي قلبهُ انفطر

وفي هيكلِ الحبِّ السماوىِّ نَفحهُ

وُشعلتهُ الُمثلىَ تَضئُ لمن عَبرَّ

وفي ذّمةِ الرحمنِ نورٌ أذابه

على الطِّرسِ أو نورٌ على العالم ابتكر

وما كان بالتهويلِ والرَّوعِ فَنُّهُ

ولكنَّه نبعٌ تَسلسلَ وازدهر

وكل الذي أسدى سَجيِّةٌ نفسهِ

وليس مُعاراً من فَلاة ولا حَضر

أَبيتُ الربا إلاَّ ربا الوقتِ عنده

فمن زاره يَغنىَ ومن فَاتَهُ خَسر

كانَّ السنينَ الخمسَ خمسون حجَّةً

بصحبتهِ أو كالخضمِ إذا غَمر

عرفتُ بها الانسانَ في ملكوتة

مَلاكاً وقد عادَى الصغائرَ واحتقر

وأَنشقنيِ عَرفَ التسامي إباؤهُ

وأشعرني بالجاهِ ما صاغ من درُر

لقد عبدوا الأصنامَ وهي سواخرٌ

لغفلتهم أضعافَ ما عبدوا البقر

وَعُّجوا بشكواهم وهم من بِذلِّهم

جحيمٌ اعُّدوه وفي جُبنهمِ سقر

وما ندرةٌ إلا هديةُ رحمةٍ

إلى الخلقِ فاغتيلَ الحنانُ الذي نَدرَ

وقد بَذرَ الحبَّ المصفىَّ لعالمٍ

شقىٍ كأنَّ الله من قلبه بَذَر

ولم يصطحب إلاّ السُّهادَ ببحثه

كذاك النجوم الزُّهرُ تصطحبُ السَّهر

لئن لم يَنل من عمره غيرَ ذكره

فإنَّ أَجلَّ العمرِ ما شَعَّ بالذِّكر

يُصلى عليه المسلمون كأنّه

ولُّى وفي بُرديهِ عثمانُ أو عمر

وتبكى له الصُّلبانُ حتىّ كأنّما

بذبحته كان الفداءَ لمن كَفر

ويعرفه الانسانَ من كل مِلَّةٍ

أخاه فِمن وجدانِه ذاقَ واعتصره

ولم يشرح الانجيلَ إلا خلالُه

ولا كُتب الأديانِ دونَ الذي سَطر

وما قيمةٌ الانسانِ إلاّ بقلبه

فينبضُ بعد الموت في كلّ ما خطر

كذلك غَنَّتنا القرونُ التي مضت

وغنت لنا الافلاكُ إن ليلنا اعتكر

فكيفَ بِمن لمَ يعرف الموتَ طبعهُ

وعاشَ جمالاً للحياة بما نَشر

وكيف بِمن أنفاسُه علويَّةٌ

تَشرَّبها من حولنا كل ما نَضر

إذا قيل يوم الذكر هذا فإنَّه

تضمَّخَ أضعافاً بذكركَ لِلعصر

وما الفاتحُ الغلاّبُ بالنارِ ذكرهُ

بأخلد من لحنٍ تأجَّجَ وانتصر

صديقي الُمسَّجى أي رُزءٍ لعالمٍ

سيبقى على الآباد يَشقىَ ويحتضر

وَيَفنىَ مراراً حين يُبنىَ مكَّرراً

وقد خُلطت فيه الخرائبُ والصُّور

وكان وما زالت معاليه هُوةص

وكان ولم يبرح إذا اكتملَ اندثر

وكان ولم ينفكَّ ماساةَ مسرحٍ

يُهدّمه الباني وتملؤهُ العبر

وهلَ ثمَّ معنىً للنبوغ بأَوِجهِ

يُساقُ إلى الموتِ المحَّتم والحفر

أم الموتُ ميلادُ الحياةِ غنيةً

بما كسبتهُ من تُراثٍ ومن فِكر

وأنك أنتَ العبقري بروِحه

تُحدِّثُ من نَاجَى وُتلهم من شعر

ومنبركُ الحُّر المطل على الُّدَنا

تَفَّردَ لم تحجبه شمسٌ ولا قَمر

عجائبُ ضاقَ العقلُ عنها ببحثه

وَزلَّ خيالُ الشعر فانبتَّ وانكسر

أِجبنيِ كما عوّدتني في صراحةٍ

وفي نظرةٍ نفاذةٍ حلفَ ما استتر

فما كان هذا الصمتُ صمتاً لخاطري

أذا شئت أن تُوحى وتُصدَقني الخبر

وإلاَّ فوا حُزني المضاعفَ عندما

يُرَدِ نجائي كالجريحِ الذي عثر

ويا وحشتي في غُربتيَّ وقلما

أرى غير من باهىَ على الشرِّ وابتدر

عزاء بنى حدَّادِ والخطبُ خطبنا

جميعاً وخطب الألمعيةِ والبشر

ومن ذا يُعزّى في النبيين آلهم

وينسى شعوباً حُّظها اليأسُ والخطر

فما كان هذا النبل ملكاً لأمةٍ

ولا لغةٍ عزّت ولا مرسلٍ ظهر

ولكنه ملكٌ لآفاق نفسه

ومن بعضها أسنى العواطفِ والوتر

غفرنا ذنوبَ الدهر إلاَّ ذنوَبه

على المبدعِ الفنانِ لو أنه غفر

عزاءً لنا جمعاً عراءً فإنما

إذا الشعب لم يُنصف نوابغه انتحر

وما كانت الُقربى الوشيجةَ وحدَها

فبين دموعِ الناسِ ما خَلقَ المطر

وليست دموعٌ تُبذل اليوم حوله

دموعكمو بل ِ من معانيه ما انتثر

ومن ذا الذي منا يؤبن فضله

بأبلغَ من نفحِ الخمائلِ والنَّهر

ومن خطراتِ النور تُضفى حَنانَها

فيلثمها في بِرَّها التربُ والحجر

ومن كلِّ حسنٍ في الوجودُ مؤصلٍ

يجاوبُه بالرُّوح والسمعِ والبصر

ولم أَلقهُ يوماً وكلي حيالَه

خُشوعٌ كحالي اليومَ لا أملكُ النظر

وليس جلالُ الموتِ ما هو قاهري

ولكن جلالٌ في تساميه ما قَهر

لمن رَقرقَ الشعرَ العصىَّ جداولاً

من السحر والآىَ الطهورةِ في سُور

ومن كان أدنى فضله يَبهرُ النُّهى

ويُخفى حياءً منه أضعافَ ما بهر

ومن دمعةُ العاصي عليه كدمعتي

كأني جزءُ منه بد بُتَّ فانشطر

أراني صديقي في وقوفي مؤبناً

أخادعُ نفسي في صفاتك والأثر

وإلاّ فما عذري ومثلكَ من أتى

إلى هذه الأطلال من سدُمٍ أَخر

وليس رثائي غيرَ رمزٍ لوحشتي

فشأنُك بين العبقريةِ والقدر

ومن كان من نورٍ وعطرٍ حياتُه

فغايته التخليدُ في نوره العطر

تعالى على الشكر الحميم بعيشهِ

وفي الموت لا يعينهِ تأبينُ من شَكر

ولكنما يعنيه ثأرٌ على المدى

من الظلم والُّظلامِ والبطشِ والبطر

لئن جادَ بالشعر الرقيقِ أغانياً

فمن خلفها الآلام تقدح بالشرر

لقد عاش عيش التضحياتِ وموته

حياةٌ لمن يحيا وإلهامُ من ثأر

معلومات عن أحمد زكي أبو شادي

أحمد زكي أبو شادي

أحمد زكي أبو شادي

أحمد زكي بن محمد بن مصطفى أبي شادي. طبيب جراثيمي، أديب، نحال، له نظم كثير. ولد بالقاهرة وتعلم بها وبجامعة لندن. وعمل في وزارة الصحة، بمصر، متنقلا بين معاملها "البكترويولوجية"..

المزيد عن أحمد زكي أبو شادي

تصنيفات القصيدة