الديوان » العصر العباسي » البحتري »

متى لاح برق أو بدا طلل قفر

عدد الأبيات : 40

طباعة مفضلتي

مَتى لاحَ بَرقٌ أَو بَدا طَلَلٌ قَفرُ

جَرى مُستَهِلٌّ لا بَكِيٌّ وَلا نَزرُ

وَما الشَوقُ إِلّا لَوعَةٌ إِثرَ لَوعَةٍ

وَغَزرٌ مِنَ الآماقِ يَتبَعُها غُزرُ

فَلا تَذكُرا عَهدَ التَصابي فَإِنَّهُ

تَقَضّى وَلَم نَشعُر بِهِ ذَلِكَ العَصرُ

سَقى اللَهُ عَهداً مِن أُناسٍ تَصَرَّمَت

مَوَدَّتُهُم إِلّا التَوَهُّمُ وَالذِكرُ

وَفاؤُن مِنَ الأَيامِ رَجعُ حُدوجِهِم

كَما أَنَّ تَشريدَ الزَمانِ بِهِم غَدرُ

هَلِ العَيشُ إِلّا أَن تُساعِفُنا النَوى

بِوَصلِ سُعادٍ أَو يُساعِدَنا الدَهرُ

عَلى أَنَّها ما عِندَها لِمُواصِلٍ

وِصالٌ وَلا عَنها لِمُصطَبِرٍ صَبرُ

إِذا ما نَهى الناهي فَلَجَّ بِيَ الهَوى

أَصاخَت إِلى الواشي فَلَجَّ بِها الهَجرُ

وَيَومَ تَثَنَّت لِلوَداعِ وَسَلَّمَت

بِعَينَينِ مَوصولٌ بِلَحظِهِما السِحرُ

تَوَهَّمتُها أَلوي بِأَجفانِها الكَرى

كَرى النَومِ أَو مالَت بِأَعطافِها الخَمرُ

لَعَمرُكَ ما الدُنيا بِناقِصَةِ الجَدى

إِذا بَقِيَ الفَتحُ بنُ خاقانَ وَالقَطرُ

فَتىً لايَزالُ الدَهرُ حَولَ رِباعِهِ

إِيادٍ لَهُ بيضٌ وَأَفنِيَةٌ خُضرُ

أَضاءَ لَنا أُفقَ البِلادِ وَكَشَّفَت

مَشاهِدُهُ ما لا يُكَشِّفُهُ الفَجرُ

بِوَجهٍ هُوَ البَدرُ المُنيرُ نَفى الدُجى

سَناهُ وَأَخلاقٍ هِيَ الأَنجُمُ الزُهرُ

غَمامُ سَماحٍ ما يَغَبُّ لَهُ حَياً

وَمِسعَرُ حَربٍ ما يَضيعُ لَهُ وِترُ

وَحارِسُ مُلكٍ مايَزالُ عَتادَهُ

مُهَنَّدَةٌ بيضٌ وَخَطِّيَةٌ سُمرُ

يَصونُ بَنو العَبّاسِ سَطوَةَ بَأسِهِ

لَشَغبِ عِداً يَعتادَ أَو حادِثٍ يَعرو

يَبيتُ لَهُم حَيثُ الأَمانَةُ وَالتَقى

وَيَغدو لَهُم حَيثُ الكِفايَةُ وَالنَصرُ

يَعُدُّ اِنتِفاضاً أَن تُطاوِلُهُم يَدٌ

وَيَعتَدُّ وِزراً أَن يَغُشَّهُمُ صَدرُ

تَواضَعَ مِن مَجدٍ فَإِن هُوَ لَم يَكُن

لَهُ الكُبرُ في أَكفائِهِ فَلَهُ الكِبرُ

وَذو رِعَةٍ لا يَقبَلُ الدَهرَ خُطَّةً

إِذا الحَمدُ لَم يَدلُل عَليها وَلا الأَجرُ

فَداكَ رِجالٌ باعَدَ المَنعُ رِفدَهُم

فَلا الخِمسُ وِردٌ مِن نَداهُم وَلا العِشرُ

أَلامَت سَجاياهُم وَضَنَّت أَكُفُّهُم

فَإِحسانُهُم سوءٌ وَمَعروفُهُم نُكرُ

يَكونُ وَفورُ العِرضِ هَمَّكَ دونَهُم

إِذا كانَ هَمُّ القَومِ أَن يَفِرَ الوَفرُ

وَلَو ضَرَبوا في المَكرُماتِ بِسُهمَةٍ

لَكانَ لَهُم فيها اللَفا وَلَكَ الكُثرُ

بَقاءُ المَساعي أَن تُمِدَّ لَكَ البَقا

وَعُمرُ المَعالي أَن يَطولَ لَكَ العُمرُ

لَقَد كانَ يَومُ النَهرِ يَومَ عَظيمَةٍ

أَطَلَّت وَنَعماءٍ جَرى بِهِما النَهرُ

أَجَزتَ عَلَيهِ عابِراً فَتَساجَلَت

أَواذِيِّهُ لَمّا طَما فَوقَهُ البَحرُ

وَزالَت أَواخي الجِسرِ وَاِنهَدَمَت بِهِ

قَواعِدُهُ العُظمى وَما ظَلَمَ الجِسرُ

تَحَمَّلَ حِلماً مِثلَ قُدسٍ وَهِمَّةٍ

كَرَضوى وَقَدراً لَيسَ يَعدِلُهُ قَدرُ

وَلَو لا دِفاعُ اللَهِ عَنكَ وَمَنُّهُ

عَلَيكَ وَفَضلٌ مِن مَواهِبِهِ غَمرُ

لَأَظلَمَتِ الدُنيا وَلَاِنقَضَّ حُسنُها

وَلَاِنحَتَّ مِن أَفنانِها الوَرَقُ الخُضرُ

وَلَمّا رَأَيتُ الخَطبَ ضَنكاً سَبيلُهُ

وَقَد عَظُمَ المَكروهُ وَاِستَفظَعَ الأَمرُ

صَرَمتَ فَلَم تَقعُد بِحَزمِكَ حيرَةُ ال

مَروعِ وَلَم يَسدُد مَذاهِبَكَ الذُعرُ

وَما كانَ ذاكَ الهَولُ إِلّا غَيابَةً

بَدا طالِعاً مِن تَحتِ ظُلمَتِها البَدرُ

فَإِن نَنسى نُعمى اللَهِ فيكَ فَحَظَّنا

أَضَعنا وَإِن نَشكُر فَقَد وَجَبَ الشُكرُ

أَراكَ بِعَينِ المُكتَسي وَرَقَ الغِنى

بِآلائِكَ اللاتي يُعَدِّدُها الشِعرُ

وَيُعجِبُني فَقري إِلَيكَ وَلَم يَكُن

لَيُعجِبُني لَولا مَحَبَّتُكَ الفَقرُ

وَوَاللَهِ ما ضاعَت أَيادٍ أَتَيتَها

إِلَيَّ وَلا أَزرى بِمَعروفِها الكُفرُ

وَما لِيَ عُذرٌ في جُحودِكَ نِعمَةً

وَلَو كانَ لي عُذرُن لَما حَسُنَ العُذرُ

معلومات عن البحتري

البحتري

البحتري

الوليد بن عبيد بن يحيى الطائي, أبو عبادة البحتري شاعر كبير، يقال لشعره (سلاسل الذهب). وهو أحد الثلاثة الذين كانوا أشعر أبناء عصرهم: المتنبي، وأبو تمام، والبحتري. قيل لأبي العلاء..

المزيد عن البحتري

تصنيفات القصيدة