الديوان » العصر العباسي » ابن الرومي »

ألا نسيا نفسي حديث البلابلِ

عدد الأبيات : 87

طباعة مفضلتي

ألا نَسّيا نفسي حديثَ البلابلِ

بمشمولةٍ صفراءَ من خَمرِ بابلِ

فما العيش إلا في ندامِ سُلافةٍ

تنادَمها العصران غير ثَمائِلِ

نضا الدهرُ عن أسآرها جُلَّ لونها

فغادرها من لونها في غلائلِ

سرابيةً آليةً تصرع الشذا

وترفع من شخص القذى المتضائلِ

ثوت تصطلي شمس الظهائر برهةً

إلى أن أفادت لونَ شمس الأصائلِ

إذا ما تمشت في عِظام ابن كبرةٍ

مشى ليّنَ الأوصال رِخو المفاصلِ

ترد له غصنَ الشباب وقد ذوى

رطيباً كغصن البانة المتمايلِ

إذا نزلت بالهمِّ في دار أهلهِ

شكى الضيم شكوى آهلٍ ضيم نَازلِ

بماءٍ جَلتْ عن حُرّ صفحته القذى

حريقَ لها ذيل كَميش الذلاذلِ

إذا اطَّردت أنفاسُها في سَراته

تَسلسل عاري المتن جعد السلاسلِ

قرتْهُ السواري بين أكناف روضةٍ

تَراعَى بها عينُ النعاج المطَافلِ

به عبَقٌ كالمسك مما تسحَّبت

عليه الصَّبا تَفْلى خُزامى الخمائلِ

إذا ساورته الراح في الصحن لألأتْ

وجوهُ الندامى بالبروق العواملِ

كأنهما شوبان ذوبُ سبائكٍ

من التبر معلولٌ بذَوب وذائلِ

شربتُ على صحو المشيب وطال ما

شربت على سُكرِ الشباب المخايلِ

وأعذرُ شُرَّاب المُدامة شاربٌ

لتقصير أيام المشيب الأَطاولِ

وللكأس أخرى أن تكون تعلَّةً

لذي الشيب عن ذكر الشباب المزايلِ

إذا ما تذكرتُ الشباب جعلتها

رقوءاً لأسراب الدموع الهواملِ

أدرتُ على لهو الحديث كؤوسها

ونادمتُها الخُلّانَ بين الخلائلِ

طلبتُ بها سلمَ الهموم وربما

طلبتُ بها جَرَّ الذيول الذوائلِ

وحدثتُ نُدماني أحاديثَ ما مضى

من العيشِ أقْفُوها بأنَّةِ ثاكلِ

أعاذلتي في الراح أشيهت فارعوِي

لشأنك إني لا أدينُ لعاذلِ

فلو أسمحتْ عنها القرينةُ أسمحت

لشيبٍ كنُوّار الثُّغامة شاملِ

وقالت دع الشبانَ والكأس إنها

حِمىً بعد مرّ الأربعين الكواملِ

ألم يكفِها أن المشيبَ أفاتني

نصيبيَ من وصل الحسانِ العطائلِ

إلى أن غدت باللوم لا درَّ درُّها

لتمنعني درَّ الكؤوس الحوافلِ

فتشفع لي حرمان حظ بمثله

رماها عن اللَّوماء رام بشاغلِ

أأترك عَفْو الكأس حرّانَ صادياً

لعلّانَ من ريق الكواعب ثاملِ

خليٍّ من الأحزان في ظل جنةٍ

قريبٍ جَناها من يد المتناولِ

يروح ويغدو في الغواني مُساعفاً

بحاجات موموقٍ حظِيِّ الوسائلِ

يميد به مأدُ الشباب فترعوي

إلى جانبيه كالظباء العواطلِ

مُسقّىً بأفواهٍ كأنَّ رُضابَها

جَنى النحل شارتْ أرْيَه كفُّ عاسلِ

لَذاكَ عن الصهباء أبردُ علةً

وأجدرُ أن يغْنى بتلك المناهلِ

إليك فإنا للهوينا وشأنِها

وآلُ زريق للأمورِ الجلائلِ

ألم تعلمي أنْ قد كفونا شؤوننا

فلم يطرقوا منهنّ أوْلى لآيلِ

همُ أهملونا في مُصاب غُيوثِهم

سُدىً ورعوْنا بالقنا والقنابلِ

فأصبحَ شملُ الناسِ شملَ رعيةٍ

وسِربهُمُ في العيش سربَ الهوامِلِ

وهم حمَّلونا مِنةً بعد منةٍ

على أننا منها خفافُ الكواهلِ

سأنْثُو نثا آلائكُم آل مصعب

نثا الروضِ آلاء السحاب الهواطلِ

وما نفحاتُ الروض تثنِي على الحيا

بأطيبَ من ذكراكمُ في المحافلِ

أكفُّكُمُ في الأرضِ أعينُ مائِها

وأقدامُكم فيها مِراس الزلازلِ

أقولُ عليماً لا محيطاً بفضلكم

ولا خابطاً في القول عشوة جاهلِ

إذا شئتُ جاريتُ القوافيَ فيكمُ

مداها وما كثَّرتُ حقاً بباطلِ

وما يتناهى القولُ فيكم لغايةٍ

تناهيَ ذاتٍ بل تناهِيَ قائلِ

ألا أيها المُجري ليدركَ شأوهم

لهنَّك أيمُ اللَّهِ أنصبُ عاملِ

إذا القول أعيا القائلين بُلوغُه

فكيف به لا كيف ذاك لفاعلِ

فقِفْ خاسِئاً عنهم حسيراً فإنما

طلبتَ منيعاً من حَويل المحاولِ

أصمُّ عن الفحشاءِ والعذلِ في الندى

طويلُ التمادي في شقاقِ العواذلِ

يجودُ فيعطي ماله في حقوقه

على منهجٍ بين السبيلين عادلِ

وإن هاجَه هيجٌ من العذلِ أصبحتْ

فواضلهُ مشفوعةً بفواضلِ

كدجلةَ يجري ماؤُها في سبيله

فلا ينتحي عن قصده للمعادلِ

فإن كفكفتْه الريحُ من شطرِ وجهه

طما فاغتدى آذيُّه في السواحلِ

إذا حالَ بدءٌ دون عُرفٍ فبدؤه

إلى عودهِ المأمولِ أحظى الوسائلِ

ولا بِدْعَ منه بدؤه أريحيةٌ

تحطّ الولايا عن ظهور الرواحلِ

وحيدٌ فريدٌ في المكارم آنسٌ

بوحدتِه مستأثرٌ بالفضائلِ

يُمرّ العطايا والمنايا لأهلها

بأخفضِ بالَيْه مُجدّاً كهازِلِ

إذا ما جلتْه الحربُ عارضَ رُمْحَهُ

على لاحقِ الآطالِ نهدِ المآكلِ

وقد شمّرتْ عن ساقها غير أنها

تركّضُ في ذيلٍ من النفعِ ذائلِ

تهاتفت الأبطالُ هَدَّك فارساً

شهدْنا لقد صدَّقتَ بشرى القوابلِ

فإنْ طاعَنوه كان أولَ طاعنٍ

وإنْ نازلوه كان أولَ نازلِ

وَصولُ الخُطى بالسيف والسيف بالخطى

إذا الطعن حُشَّتْ نارهُ بالسوافلِ

يشيِّعُهُ قلبٌ رواعٌ وصارمٌ

صقيلٌ قديمٌ عهدهُ بالصياقلِ

يشيم بُروقَ الموتِ من صفحاتِه

وفي حدّهِ مصداقُ تلك المخايلِ

إذا كان سلماً فالمَقاتِلُ كالشَّوى

وإن كان حرباً فالشوى كالمَقاتلِ

ويوم عصيب ظلُّه مثلُ ضِحّه

بل الضحُّ أعفى من ظلالِ المناصلِ

تباذلَ أعلاقَ المضنّةِ تحتَهُ

رجالٌ عِدىً يا للعدوّ المباذلِ

إلى أن تظل المضرحياتُ بينهم

تدفّ بطاناً دُلَّحاً بالحواصلِ

قضى بين جمعَيه وكم من كريهةٍ

قضى بين جمعيها بإحدى الفواصلِ

ألا هَبَلتْ أمُّ المعادِيه نفسهُ

وأين امرؤ عاداه إلا ابن هابلِ

وما أعجلتْه الحربُ إبرامَ أمرهِ

إذا أعجل المنخوبَ جولُ الجوائلِ

ولا فاته طولُ الأناةِ بفرصةٍ

إذا ضاع أمر العاجز المتخاذلِ

فلا تحسبوا تعجيله نقماتِه

لأعدائه تعجيله رفدَ سائلِ

هو المرءُ ذو الوعد المعجَّل نُجْحُه

كما قد عهدتم والوعيدِ المماطلِ

دعوا الحربَ تستكمل لهم أدواتها

ولا تُعجلوها أن تَعضّ ببازلِ

فليس ابنُ عبدِ الله عنهم بنائمٍ

ولا الله عما يعملونَ بغافلِ

وحوشٌ رعاها حَيْنها حول غابةٍ

أُسامةُ فيها مُلبدٌ بالكلاكلِ

فضمَّ إليه جأْشه ثم راعها

بشدةِ مكروهِ الفجاءة باسلِ

وما زال في عُرضِ الأناةِ وكيدُهُ

بكل سبيل مُرصِدٌ بالغوائلِ

ولو عدَّهم قِرناً كفِيّاً لبأسهِ

إذن ما أتاهم من وجوه المخاتِلِ

ولكنه كالليثِ يختلُ صيده

ويبرز للأقرانِ غيرَ مخاتلِ

وما نزل الإصحارَ إلا كقانصٍ

أريبٍ توارى عند بثّ الحبائلِ

أراهم هوينا المستخفّ بشأنهم

وربّ مجدٍّ في الأمور كهازِلِ

فغرَّتهُمُ منه الغرورُ فأصبحتْ

مقاتلُهُم نُصْبَ المنايا القواتِلِ

ولو أنهم ساموا مخايلَ جِدَّةٍ

إذن لنجوا منها نجاءَ الموائلِ

تدانتْ لك الأقطارُ ضبطاً وخبرةً

فأضحتْ لَدَيْكَ الأرضُ كِفّة حابلِ

فلو شئتَ إشرافاً عليها وقدرةً

قبضتَ على أطرافها بالأناملِ

لك الفضلُ لا تلقاء آخرَ ناقصٍ

ولكنه تلقاء آخر فاضلِ

معلومات عن ابن الرومي

ابن الرومي

ابن الرومي

علي ابن العباس بن جريج، أو جورجيس، الرومي، أبو الحسن. شاعر كبير، من طبقة بشار والمتنبي. روميّ الأصل، كان جده من موالي بني العباس. ولد ونشأ ببغداد، ومات فيها مسموماً، قيل:..

المزيد عن ابن الرومي

تصنيفات القصيدة