الديوان » العصر العباسي » ابن الرومي »

ذاد عن مقلتي لذيذ المنام

عدد الأبيات : 86

طباعة مفضلتي

ذادَ عن مُقْلِتي لذيذَ المنامِ

شُغلها عنهُ بالدموعِ السجامِ

أيُّ نومِ من بعد ما حل بالبصْ

رَةِ من تلكمُ الهناتِ العظام

أيُّ نومٍ من بعد ما انتهك الزّنْ

جُ جهاراً محارمَ الإسلام

إنَّ هذا من الأمورِ لأمْرٌ

كاد أن لا يقومَ في الأوهام

لرأينا مُسْتَيْقظين أموراً

حسبُنا أن تكونَ رُؤيا منام

أقدم الخائنُ اللعينُ عليها

وعلى الله أيَّما إقدام

وتسمَّى بغير حقٍّ إماماً

لا هدى اللَّهُ سعيَه من إمام

لهفَ نفسي عليكِ أيَّتُها البص

رةُ لهفاً كمثل لفحِ الضِّرام

لهف نفسي عليك يا معدن الخي

رات لهْفاً يُعضُّني إبهامي

لهف نفسي يا قُبَّةَ الإس

لام لهفاً يطولُ منه غرامي

لهف نفسي عليكِ يا فُرضةَ البل

دانِ لهفاً يبْقى على الأعوام

لهف نفسي لجمعكِ المتفاني

لهف نفسي لِعِزِّكِ المُستضام

بينما أهلُها بأحسنِ حالٍ

إذ رماهمْ عبيدُهمْ باصطلامِ

دخلوها كأنهم قِطع اللْي

لِ إذا راحَ مُدْلَهِمَّ الظلام

طلعُوا بالمُهَنَّداتِ جِهْراً فألقتْ

حملها الحاملات قبل التَّمام

وحقيقٌ بأن يُراع أناسٌ

غوفصوا من عدوهم باقتحام

أيَّ هَوْل رأوْا بهمْ أيّ هَوْلٍ

حُقَّ منه تشيبُ رأسُ الغلام

إذ رموْهُمْ بنارهم من يمينٍ

وشِمال وخلفِهمْ وأمام

كم أغصُّوا من شاربٍ بشراب

كم أغصُّوا من طاعمٍ بطعام

كم ضنينٍ بنفسهِ رامَ مَنْجىً

فتلقّوا جبينه بالحسام

كم أخٍ قد رأى أخاهُ صريعاً

ترِبَ الخَدِّ بينَ صَرْعى كرامِ

كم أبٍ قد رأى عزيزَ بنيه

وهْوَ يُعلَى بصارمٍ صمصام

كم مُفدّىً في أهلهِ أسْلمُوه

حين لم يحْمِه هنالك حامي

كم رضيع هناكَ قد فطموه

بشبا السيف قبل حينِ الفطام

كم فتاةٍ بخاتِم الله بِكرٍ

فضحوها جَهْراً بغير اكتتام

كم فتاةٍ مصونة قد سبوْها

بارزاً وجهها بغير لثام

صبحوهُمْ فكابدَ القومُ منهم

طولَ يومٍ كأنه ألفُ عامِ

ألفُ ألفٍ في ساعةٍ قتلوهُمْ

ثم ساقوا السِّباءَ كالأغنام

من رآهُنَّ في المساقِ سبايا

دامياتِ الوجوهِ للأقدام

من رآهنَّ في المقاسم وسْطَ ال

زنج يُقسَمْنَ بينهم بالسِّهام

من رآهُنَّ يُتّخذنَ إماءً

بعد ملْكِ الإماء والخُدَّام

ما تذكرتُ ما أتى الزنج إلا

أُضرم القلب أيّما إضرام

ما تذكرتُ ما أتى الزنج إلا

أوجعَتْني مرارةُ الإرغام

رُبَّ بيعٍ هناك قد أرخصُوهُ

طال ما قدْ غلا على السُّوَّام

رُبَّ بيتٍ هناك قد أخرجُوهُ

كان مأوى الضِّعافِ والأيتام

رُبَّ قصْرٍ هناك قدْ دخلوه

كان من قبلِ ذاك صَعْبَ المرام

رُبَّ ذي نعمةٍ هناك ومالٍ

تركوه مُحالفَ الإعدام

رُبَّ قوم باتوا بأجمعِ شَمْلٍ

تركوا شملَهُمْ بغير نظام

عرِّجا صاحبيَّ بالبصرةِ الزَّهْ

راء تعريج مُدنفٍ ذي سقام

فاسْألاها ولا جوابَ لديها

لسؤال ومن لها بالكلام

أين ضوضاءُ ذلك الخلقِ فيها

أين أسواقُها ذواتُ الزِّحام

أين فُلْكٌ فيها وفُلْكٌ إليها

مُنشآتٌ في البحر كالأعلام

أين تلك القصورُ والدورُ فيها

أين ذاكَ البنيانُ ذو الإحكام

بدِّلتْ تِلكُمُ القصورِ تِلالا

من رمادٍ ومن تُراب رُكامِ

سُلِّطَ البَثْقُ والحريقُ عليهم

فتداعت أركانُها بانهدامِ

وخلتْ من حُلولها فهْي قَفْرٌ

لا ترى العين بين تلك الأكام

غيرَ أيْدٍ وأرْجُلِ بائناتٍ

نُبذَتْ بينهنَّ أفلاقُ هام

ووجوهٍ قد رمَّلتْها دماءٌ

بأبي تلكمُ الوجوه الدوامي

وطِئتْ بالهوانِ والذُّلِّ قسراً

بعد طولِ التبجيلِ والإعظام

فتراها تَسْفي الرياحُ عليها

جارياتٍ بهبوة وقتام

خاشعاتٍ كأنَّها باكياتٌ

بادياتِ الثغور لا لابتسام

بل ألِمَّا بساحةِ المسجدِ الجا

مع إنْ كُنْتُما ذَوِي إلمام

فاسألاهُ ولا جوابَ لدْيهِ

أين عُبَّادُهُ الطوالُ القيام

أينَ عُمَّاره الأُلى عمَروهُ

دَهْرَهُمْ في تلاوة وصيام

أين فِتيانه الحِسانُ وجُوهاً

أين أشياخُهُ أولو الأحلام

أيُّ خَطْبٍ وأيُّ رُزْء جليلٍ

نالنا في أولئكَ الأعمام

كم خذلنا من ناسكٍ ذي اجتهادٍ

وفقيهٍ في دينهِ علَّام

وا ندامي على التَّخلُّفِ عنهمْ

وقليلٌ عنهُم غَناء نِدامي

وا حيائي منهُمْ إذا ما التقينا

وهُمُ عند حاكم الحُكّام

أيُّ عُذْرٍ لنا وأيُّ جوابٍ

حين نُدْعَى على رؤوسِ الأنامِ

يا عبادي أما غَضِبْتُم لوجهي

ذي الجلال العظيم والإكرام

أخذلتُمْ إخوانَكُم وقعدْتُمْ

عنهُمُ ويحَكُم قُعودَ اللئام

كيف لم تعطفوا على أخواتٍ

في حِبال العبيدِ من آل حامِ

لم تغاروا لغَيْرتي فتركْتُمْ

حُرماتِي لمَنْ أحَلَّ حرامي

إنَّ من لم يَغَرْ على حُرُماتي

غيرُ كُفْءٍ لقاصراتِ الخيام

كيف ترضى الحَوراء بالمرءِ بَعْلاً

وهو من دونِ حُرمة لا يُحامي

وا حيائي من النَّبيِّ إذا ما

لامني فيهم أشدَّ الملام

وانقطاعي إذا هُمُ خاصموني

وتولَّى النبيُّ عنهُمْ خصامي

مثِّلُوا قولهُ لكُمْ أيُّها النَّا

سُ إذا لامكُمْ مع اللُّوَّام

أُمَّتي أينَ كُنْتُمُ إذْ دَعتْني

حُرَّةٌ من كرائمِ الأقوامِ

صرختْ يا مُحمّداهُ فهلّا

قام فيها رعاةُ حقي مقامي

لم أجبْها إذ كنتُ مَيْتاً فلولا

كان حيٌّ أجابها عن عِظامي

بأبي تلكُمُ العِظامُ عظاماً

وسقَتْها السماءُ صوْبَ الغمام

وعليها من المليك صلاةٌ

وسلامٌ مؤكَّدٌ بسلام

انفرُوا أيها الكرامُ خِفافاً

وثِقالاً إلى العبيدِ الطَّغام

أبْرَمُوا أمرَهُمْ وأنتُمْ نِيامٌ

سوءةً سوءةً لنوْمِ النيام

صدِّقوا ظنَّ إخوة أمَّلوكم

ورجوْكُمْ لنبوةِ الأيامِ

أدْرِكوا ثأْرَهُمْ فذاك لديْهِم

مثلُ ردِّ الأرواحِ في الأجسامِ

لم تُقِرُّوا العيونَ منهم بِنَصْرٍ

فأقِرُّوا عيونهمْ بانتقام

أنقِذُوا سَبْيَهُمْ وقلَّ لهُمْ ذا

ك حفاظاً ورعْيَةً للذِّمام

عارُهُمْ لازمٌ لكُمْ أيُّها النَّا

سُ لأنَّ الأديانَ كالأرحام

إن قعدتُمْ عن اللعينِ فأنْتُمْ

شركاءُ اللَّعينِ في الآثامِ

بادروهُ قبلَ الرويَّةِ بالعَزْ

م وقبل الإسراج بالإلجام

من غدا سرجُهُ على ظهرِ طِرفٍ

فحرامٌ عليه شدُّ الحزام

لا تطيلوا المقام عن جنَّة الخل

دِ فأنتمْ في غير دار مُقام

فاشتروا الباقيات بالعرَضِ الأد

نى وبِيعوا انقطاعه بالدَّوام

معلومات عن ابن الرومي

ابن الرومي

ابن الرومي

علي ابن العباس بن جريج، أو جورجيس، الرومي، أبو الحسن. شاعر كبير، من طبقة بشار والمتنبي. روميّ الأصل، كان جده من موالي بني العباس. ولد ونشأ ببغداد، ومات فيها مسموماً،..

المزيد عن ابن الرومي