الديوان » مصر » محمود سامي البارودي » طربت ولولا الحلم أدركني الجهل

حلل القصيدة بواسطة BAYAN AI

طَرِبْتُ وَلَوْلا الْحِلْمُ أَدْرَكَنِي الْجَهْلُ

وَعَاوَدَنِي مَا كَانَ مِنْ شِرّتِي قَبْلُ

فَرُحْتُ كَأَنِّي خَامَرَتْنِي سَبِيئَةٌ

مِنَ الرَّاحِ مَنْ يَعْلَقْ بِهَا الدَّهْرَ لا يَسْلُو

سَلِيلَةُ كَرْمٍ شَابَ فِي الْمَهْدِ رَأْسُهَا

وَدَبَّ لَهَا نَسْلٌ وَمَا مَسَّهَا بَعْلُ

إِذَا وَلَجَتْ بَيْتَ الضَّمِيرِ رَأَيْتَهَا

وَرَاءَ بَنَاتِ الصَّدْرِ تَسْفُلُ أَوْ تَعْلُو

كَأَنَّ لَهَا ضِغْناً عَلَى الْعَقَلِ كَامِناً

فَإِنْ هِيَ حَلَّتْ مَنْزِلاً رَحَلَ الْعَقْلُ

تُعَبِّرُ عَنْ سِرِّ الضَّمِيرِ بِأَلْسُنٍ

مِنَ السُّكْرِ مَقْرُونٍ بِصِحَّتِهَا النَّقْلُ

مُحَبَّبَةٌ لِلْنَّفْسِ وَهْيَ بَلاؤُها

كَمَا حُبِّبَتْ فِي فَتْكِهَا الأَعْيُنُ النُّجْلُ

يَكَادُ يَذُودُ اللَّيْثَ عَنْ مُسْتَقَرِّهِ

إِذَا مَا تَحَسَّى كَأْسَهَا الْعَاجِزُ الْوَغْلُ

تَرَى لِخَوَابِيهَا أَزِيزاً كَأَنَّهَا

خَلايَا تَغَنَّتْ فِي جَوَانِبِهَا النَّحْلُ

سَوَاكِنُ آطَامٍ زَفَتْهَا مَعَ الضُّحَى

يَدَا عَاسِلٍ يَشْتَارُ أَوْ خَابِطٍ يَفْلُو

دَنَا ثُمَّ أَلْقَى النَّارَ بَيْنَ بُيُوتِهَا

فَطَارَتْ شَعَاعاً لا يَقِرُّ لَهَا رَحْلُ

مُرَوَّعَةٌ هِيجَتْ فَضَلَّتْ سَبِيلَهَا

فَسَارَتْ عَلَى الدُّنْيَا كَمَا انْتَشَرَ الرِّجْلُ

فَبِتُّ أُدَارِي الْقَلْبَ بَعْضَ شُجُونِهِ

وَأَزْجُرُ نَفْسِي أَنْ يُلِمَّ بِهَا الْهَزْلُ

وَمَا كُنْتُ أَدْرِي وَالشَّبَابُ مَطِيَّةٌ

إِلَى الْجَهْلِ أَنَّ الْعِشْقَ يَعْقُبُهُ الْخَبْلُ

رَمَى اللَّهُ هَاتِيكَ الْعُيُونَ بِمَا رَمَتْ

وَحَاسَبَهَا حُسْبَانَ مَنْ حُكْمُهُ الْعَدْلُ

فَقَدْ تَرَكَتْنِي سَاهِيَ الْعَقْلِ سَادِراً

إِلَى الْغَيِّ لا عَقْدٌ لَدَيَّ وَلا حَلُّ

أَسِيرُ وَمَا أَدْرِي إِلَى أَيْنَ يَنْتَهِي

بِيَ السَّيْرُ لَكِنِّي تَلَقَّفُنِي السُّبْلُ

فَلا تَسْأَلَنِّي عَنْ هَوَايَ فَإِنَّنِي

وَرَبِّكَ أَدْرِي كَيْفَ زَلَّتْ بِيَ النَّعْلُ

فَمَا هِيَ إِلَّا أَنْ نَظَرْتُ فُجَاءَةً

بِحُلْوانَ حَيْثُ انْهَارَ وَانْعَقَدَ الرَّمْلُ

إِلَى نِسْوَةٍ مِثْلِ الْجُمَانِ تَنَاسَقَتْ

فَرَائِدُهُ حُسْنَاً وَأَلَّفَهُ الشَّمْلُ

مِنَ الْمَاطِلاتِ الْمَرْءَ مَا قَدْ وَعَدْنَهُ

كِذَابَاً فَلا عَهْدٌ لَهُنَّ وَلا إِلُّ

تَكَنَّفْنَ تِمْثَالاً مِنَ الْحُسْنِ رَائِعاً

يُجَنُّ جُنُونَاً عِنْدَ رُؤْيَتِهِ الْعَقْلُ

فَكَانَ الَّذِي لَوْلاهُ مَا دُرْتُ هَائِمَاً

أَرُودُ الْفَيَافِي لا صَدِيقٌ وَلا خِلُّ

فَوَيْلُمِّهَا مِنْ نَظْرَةٍ مَضْرَحِيَّةٍ

رُمِيتُ بِهَا مِنْ حَيْثُ وَاجَهَنِي الأَثْلُ

رُمِيتُ بِهَا وَالْقَلْبُ خِلْوٌ مِنَ الْهَوَى

فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى اسْتَقَلَّ بِهِ شُغْلُ

لَقَدْ عَلِقَتْ مَا لَيْسَ لِلنَّفْسِ دُونَهَا

غَنَاءٌ وَلا مِنْهَا لِذِي صَبْوَةٍ وَصْلُ

فَتَاةٌ يَحَارُ الطَّرْفُ فِي قَسَمَاتِهَا

لَهَا مَنْظَرٌ مِنْ رَائِدِ الْعَيْنِ لا يَخْلُو

لَطِيفَةُ مَجْرَى الرُّوحِ لَوْ أَنَّهَا مَشَتْ

عَلَى سَارِبَاتِ الذَّرِّ مَا آدَهُ الْحِمْلُ

لَهَا نَظْرَةٌ سَكْرَى إِذَا أَرْسَلَتْ بِهَا

إِلَى كَبِدٍ فَالْوَيْلُ مِنْ ذَاكَ وَالثُكْلُ

تُريقُ دِمَاءٌ حَرَّمَ اللَّهُ سَفْكَهَا

وَتَخْرُجُ مِنْهَا لا قِصَاصٌ وَلا عَقْلُ

لَنَا كُلّ يَوْمٍ فِي هَوَاهَا مَصَارِعٌ

يَهِيجُ الرَّدَى فِيهَا وَيَلْتَهِبُ الْقَتْلُ

مَصَارِعُ شَوْقٍ لَيْسَ يَجْرِي بِهَا دَمٌ

وَمَرْمَى نُفُوسٍ لا يَطِيرُ بِهِ نَبْلُ

هَنِيئاً لَهَا نَفْسِي عَلَى أَنَّ دُونَهَا

فَوَارِسَ لا خُرْسُ الصِّفَاحِ وَلا عُزْلُ

مِنَ الْقَوْمِ ضَرَّابِي الْعَرَاقِيبِ وَالطُّلَى

إِذَا اسْتَنَّتِ الْغَارَاتُ أَوْ فَغَرَ الْمَحْلُ

إِذَا نَامَتِ الأَضْغَانُ عَنْ وَتَرَاتِهَا

فَقَوْمِيَ قَوْمٌ لا يَنَامُ لَهُمْ ذَحْلُ

رِجَالٌ أُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَنَجْدَةٍ

فَقَوْلُهُمُ قَوْلٌ وَفِعْلُهُمُ فِعْلُ

إِذَا غَضِبُوا رَدُّوا إِلَى الأُفْقِ شَمْسَهُ

وَسَالَ بِدُفَّاعِ الْقَنَا الْحَزْنُ وَالسَّهْلُ

مَسَاعِيرُ حَرْبٍ لا يَخَافُونَ ذِلَّةً

أَلا إِنَّ تَهْيَابَ الْحُرُوبِ هُوَ الذُّلُّ

إِذَا أَطْرَقُوا أَبْصَرْتَ بِالْقَوْمِ خِيفَةً

لإِطْرَاقِهِمْ أَوْ بَيَّنُوا رَكَدَ الْحَفْلُ

وَإِنْ زَلَّتِ الأَقْدَامُ فِي دَرْكِ غَايَةٍ

تَحَارُ بِهَا الأَلْبَابُ كَانَ لَهَا الْخَصْلُ

أُولَئِكَ قَوْمِي أَيَّ قَوْمٍ وَعُدَّةٍ

فَلا رَبْعُهُمْ مَحْلٌ وَلا مَاؤُهُمْ ضَحْلُ

يَفِيضُونَ بِالْمَعْرُوفِ فَيْضَاً فَلَيْسَ فِي

عَطَائِهِمْ وَعْدٌ وَلا بَعْدَهُ مَطْلُ

فَزُرْهُمْ تَجِدْ مَعْرُوفَهُم دَانِيَ الْجَنَى

عَلَيْكَ وَبَابَ الْخَيْرِ لَيْسَ لَهُ قُفْلُ

تَرَى كُلَّ مَشْبُوبِ الْحَمِيَّةِ لَمْ يَسِرْ

إِلَى فِئَةٍ إِلَّا وَطَائِرُهُ يَعْلُو

بَعِيدُ الْهَوَى لا يَغْلِبُ الظَّنُّ رَأْيَهُ

وَلا يَتَهَادَى بَيْنَ تَسْرَاعِهِ الْمَهْلُ

تَصِيحُ الْقَنَا مِمَّا يَدُقُّ صُدُورَهَا

طِعَانَاً وَيَشْكُو فِعْلَ سَاعِدِهِ النَّصْلُ

إِذَا صَالَ رَوَّى السَّيْفُ حَرَّ غَلِيلِهِ

وَإِنْ قَالَ أَوْرَى زَنْدَهُ الْمَنْطِقُ الْفَصْلُ

لَهُ بَيْنَ مَجْرَى الْقَوْلِ آيَاتُ حِكْمَةٍ

يَدُورُ عَلَى آدَابِهَا الْجِدُّ وَالْهَزْلُ

تَلُوحُ عَلَيْهِ مِنْ أَبِيهِ وَجَدِّهِ

مَخَايِلُ سَاوَى بَيْنَهَا الْفَرْعُ وَالأَصْلُ

فَأَشْيَبُنَا فِي مُلْتَقَى الْخَيْلِ أَمْرَد

وَأَمْرَدُنَا فِي كُلِّ مُعْضِلَةٍ كَهْلُ

لَنَا الْفَضْلُ فِيمَا قَدْ مَضَى وَهْوَ قَائِمٌ

لَدَيْنَا وَفِيمَا بَعْد ذَاكَ لَنَا الْفَضْلُ

نبذة عن القصيدة

المساهمات


خَامَرَتْنِي

اصيب بما يصاب به شارب الخمر من صداع وسكر

تم اضافة هذه المساهمة من العضو عمر الديب


avatar

محمود سامي البارودي

مصر

poet-mahmoud-samial-baroudi@

374

قصيدة

8

الاقتباسات

2715

متابعين

محمود سامي باشا بن حسن حسين بن عبد الله البارودي المصري (1839–1904)، أحد أبرز روّاد النهضة الشعرية في العصر الحديث، وأول من أعاد للشعر العربي ألقه بعد فترة من الركود. ...

المزيد عن محمود سامي البارودي

اقتراحات المتابعة

أضف شرح او معلومة