كن قريبًا من الديوان عبر

الديوان » مصر » محمود سامي البارودي » قلدت جيد المعالي حلية الغزل

بصوت : عبد الفتاح الطنطاوي
حلل القصيدة بواسطة BAYAN AI

قَلَّدْتُ جِيدَ الْمَعَالِي حِلْيَةَ الْغَزَلِ

وَقُلْتُ فِي الْجِدِّ مَا أَغْنَى عَنِ الْهَزَلِ

يَأْبَى لِيَ الْغَيَّ قَلْبٌ لا يَمِيلُ بِهِ

عَنْ شَرْعَةِ الْمَجْدِ سِحْرُ الأَعْيُنِ النُجُلِ

أَهِيمُ بِالْبِيضِ فِي الأَغْمَادِ بَاسِمَةً

عَنْ غُرَّةِ النَّصْرِ لا بِالْبِيضِ فِي الْكِلَلِ

لَمْ تُلْهِنِي عَنْ طِلابِ الْمَجْدِ غَانِيَةٌ

فِي لَذَّةِ الصَّحْوِ مَا يُغْنِي عَنِ الثَّمَلِ

كَمْ بَيْنَ مُنْتَدِبٍ يَدْعُو لِمَكْرُمَةٍ

وَبَيْنَ مُعْتَكِفٍ يَبْكِي عَلَى طَلَلِ

لَوَلا التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْخَلْقِ مَا ظَهَرَتْ

مَزِيَّةُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحَلْيِ وَالْعَطَلِ

فَانْهَضْ إِلَى صَهَوَاتِ الْمَجْدِ مُعْتَلِياً

فَالْبَازُ لَمْ يَأْوِ إِلَّا عَالِيَ الْقُلَلِ

وَدَعْ مِنَ الأَمْرِ أَدْنَاهُ لأَبْعَدِهِ

فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ مَا يُغْنِي عَنِ الْوَشَلِ

قَدْ يَظْفَرُ الْفَاتِكُ الأَلْوَى بِحَاجَتِهِ

وَيَقْعُدُ الْعَجْزُ بِالْهَيَّابَةِ الْوَكَلِ

وَكُنْ عَلَى حَذَرٍ تَسْلَمْ فَرُبَّ فَتىً

أَلْقَى بِهِ الأَمْنُ بَيْنَ الْيَأْسِ وَالْوَجَلِ

وَلا يَغُرَّنْكَ بِشْرٌ مِنْ أَخِي مَلَقٍ

فَرَوْنَقُ الآلِ لا يَشْفِي مِنَ الْغَلَلِ

لَوْ يَعْلَمُ الْمَرْءُ مَا فِي النَّاسِ مِنْ دَخَنٍ

لَبَاتَ مِنْ وُدِّ ذِي الْقُرْبَى عَلَى دَخَلِ

فَلا تَثِقْ بِوَدَادٍ قَبْلَ مَعْرِفَةٍ

فَالْكُحْلُ أَشْبَهُ فِي الْعَيْنَيْنِ بِالْكَحَلِ

وَاخْشَ النَّمِيمَةَ وَاعْلَمْ أَنَّ قَائِلَهَا

يُصْلِيكَ مِنْ حَرِّهَا نَاراً بِلا شُعَلِ

كَمْ فِرْيَةٍ صَدَعَتْ أَرْكَانَ مَمْلَكَةٍ

وَمَزَّقَتْ شَمْلَ وُدٍّ غَيْرِ مُنْفَصِلِ

فَاقْبَلْ وَصَاتِي وَلا تَصْرِفْكَ لاغِيَةٌ

عَنِّي فَمَا كُلُّ رَامٍ مِنْ بَنِي ثُعَلِ

إِنِّي امْرُؤٌ كَفَّنِي حِلْمِي وَأَدَّبَنِي

كَرُّ الْجَدِيدَيْنِ مِنْ مَاضٍ وَمُقْتَبَلِ

فَمَا سَرَيْتُ قِنَاعَ الْحِلْمِ عَنْ سَفَهٍ

وَلا مَسَحْتُ جَبِينَ الْعِزِّ مِنْ خَجَلِ

حَلَبْتُ أَشْطُرَ هَذَا الدَّهْرِ تَجْرِبَةً

وَذُقْتُ مَا فِيهِ مِنْ صَابٍ وَمِنْ عَسَلِ

فَمَا وَجَدْتُ عَلَى الأَيَّامِ بَاقِيَةً

أَشْهَى إِلَى النَّفْسِ مِنْ حُرِّيَّةِ الْعَمَلِ

لَكِنَّنَا غَرَضٌ لِلشَّرِّ فِي زَمَنٍ

أَهْلُ الْعُقُولِ بِهِ فِي طَاعَةِ الْخَمَلِ

قَامَتْ بِهِ مِنْ رِجَالِ السُّوءِ طَائِفَةٌ

أَدْهَى عَلَى الْنَّفْسِ مِنْ بِؤْسٍ عَلَى ثَكَلِ

مِنْ كُلِّ وَغْدٍ يَكَادُ الدَّسْتُ يَدْفَعُهُ

بُغْضاً وَيَلْفِظُهُ الدِّيوانُ مِنْ مَلَلِ

ذَلَّتْ بِهِمْ مِصْرُ بَعْدَ الْعِزِّ وَاضْطَرَبَتْ

قَوَاعِدُ الْمُلْكِ حَتَّى ظَلَّ فِي خَلَلِ

وَأَصْبَحَتْ دَوْلَةُ الْفُسْطَاطِ خَاضِعَةً

بَعْدَ الإِبَاءِ وَكَانَتْ زَهْرَةَ الدُّوَلِ

قَوْمٌ إِذَا أَبْصَرُونِي مُقْبِلاً وَجَمُوا

غَيْظاً وَأَكْبَادُهُمْ تَنْقَدُّ مِنْ دَغَلِ

فَإِنْ يَكُنْ سَاءَهُمْ فَضْلِي فَلا عَجَبٌ

فَالشَّمْسُ وَهيَ ضِيَاءٌ آفَةُ الْمُقَلِ

نَزَّهْتُ نَفْسِيَ عَمَّا يَدْنَسُونَ بِهِ

وَنَخْلَةُ الرَّوْضِ تَأْبَى شِيمَةَ الْجُعَلِ

بِئْسَ الْعَشِيرُ وَبِئْسَتْ مِصْرُ مِنْ بَلَدٍ

أَضْحَتْ مُنَاخاً لأَهْلِ الزُّورِ وَالْخَطَلِ

أَرْضٌ تَأَثَّلَ فِيهَا الظُّلْمُ وَانْقَذَفَتْ

صَوَاعِقُ الْغَدْرِ بَيْنَ السَّهْلِ وَالْجَبَلِ

وَأَصْبَحَ النَّاسُ فِي عَمْيَاءَ مُظْلِمَةٍ

لَمْ يَخْطُ فِيهَا امْرُؤٌ إِلَّا عَلَى زَلَلِ

لَمْ أَدْرِ مَا حَلَّ بِالأَبْطَالِ مِنْ خَوَرٍ

بَعْدَ الْمِرَاسِ وَبِالأَسْيَافِ مِنْ فَلَلِ

أَصَوَّحَتْ شَجَرَاتُ الْمَجْدِ أَمْ نَضَبَتْ

غُدْرُ الْحَمِيَّةِ حَتَّى لَيْسَ مِنْ رَجُلِ

لا يَدْفَعُونَ يَداً عَنْهُمْ وَلَوْ بَلَغَتْ

مَسَّ الْعَفَافَةِ مِنْ جُبْنٍ وَمِنْ خَزَلِ

خَافُوا الْمَنِيَّةَ فَاحْتَالُوا وَمَا عَلِمُوا

أَنَّ الْمَنِيَّةَ لا تَرْتَدُّ بِالْحِيَلِ

فَفِيمَ يَتَّهِمُ الإِنْسَانُ خَالِقَهُ

وَكُلُّ نَفْسٍ لَهَا قَيْدٌ مِنَ الأَجَلِ

هَيْهَاتَ يَلْقَى الْفَتَى أَمْناً يَلَذُّ بِهِ

مَا لَمْ يَخُضْ نَحْوَهُ بَحْراً مِنَ الْوَهَلِ

فَمَا لَكُمْ لا تَعَافُ الضَّيْمَ أَنْفُسُكُمْ

وَلا تَزُولُ غَوَاشِيكُمُ مِنَ الْكَسَلِ

وَتِلْكَ مِصْرُ الَّتِي أَفْنَى الْجِلادُ بِهَا

لَفِيفَ أَسْلافِكُمْ فِي الأَعْصُرِ الأُوَلِ

قَوْمٌ أَقَرُّوا عِمَادَ الْحَقِّ وَامْتَلَكُوا

أَزِمَّةَ الْخَلْقِ مِنْ حَافٍ وَمُنْتَعِلِ

جَنَوْا ثِمَارَ الْعُلا بِالْبِيضِ وَاقْتَطَفُوا

مِنْ بَيْنِ شَوْكِ الْعَوَالِي زَهْرَةَ الأَمَلِ

فَأَصْبَحَتْ مِصْرُ تَزْهُو بَعْدَ كُدْرَتِهَا

فِي يَانِعٍ مِنْ أَسَاكِيبِ النَّدَى خَضِلِ

لَمْ تَنْبُتِ الأَرْضُ إِلَّا بَعْدَمَا اخْتَمَرَتْ

أَقْطَارُهَا بِدَمِ الأَعْنَاقِ وَالْقُلَلِ

شَنُّوا بِهَا غَارَةً أَلْقَتْ بِرَوْعَتِهَا

أَمْناً يُؤَلِّفُ بَيْنَ الذِّئْبِ وَالْحَمَلِ

حَتَّى إِذَا أَصْبَحَتْ فِي مَعْقِلٍ أَشِبٍ

يَرُدُّ عَنْهَا يَدَ الْعَادِي مِنَ الْمِلَلِ

أَخْنَى الزَّمَانُ عَلَى فُرْسَانِها فَغَدَتْ

مِنْ بَعْدِ مَنْعَتِهَا مَطْرُوقَةَ السُّبُلِ

فَأَيَّ عَارٍ جَلَبْتُمْ بِالْخُمُولِ عَلَى

مَا شَادَهُ السَّيْفُ مِنْ فَخْرٍ عَلَى زُحَلِ

إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْفَتَى عَقْلٌ يَعِيشُ بِهِ

فَإِنَّمَا هُوَ مَعْدُودٌ مِنَ الْهَمَلِ

فَبَادِرُوا الأَمْرَ قَبْلَ الْفَوْتِ وَانْتَزِعُوا

شِكَالَةَ الرَّيْثِ فَالدُّنْيَا مَعَ الْعَجَلِ

وَقَلِّدُوا أَمْرَكُمْ شَهْماً أَخَا ثِقَةٍ

يَكُونُ رِدْءاً لَكُمْ فِي الْحَادِثِ الْجَلَلِ

مَاضِي الْبَصِيرَةِ غَلَّابٌ إِذَا اشْتَبَهَتْ

مَسَالِكُ الرَّأْيِ صَادَ الْبَازَ بِالْحَجَلِ

إِنْ قَالَ بَرَّ وَإِنْ نَادَاهُ مُنْتَصِرٌ

لَبَّى وَإِنْ هَمَّ لَمْ يَرْجِعْ بِلا نَفَلِ

يَجْلُو الْبَدِيهَةَ بِاللَّفْظِ الْوَجِيزِ إِذَا

عَزَّ الْخِطَابُ وَطَاشَتْ أَسْهُمُ الْجَدَلِ

وَلا تَلجُّوا إِذَا مَا الرَّأْيُ لاحَ لَكُمْ

إِنَّ اللَّجَاجَةَ مَدْعَاةٌ إِلَى الْفَشَلِ

قَدْ يُدْرِكُ الْمَرْءُ بِالتَّدْبِيرِ مَا عَجَزَتْ

عَنْهُ الْكُمَاةُ وَلَمْ يَحْمِلْ عَلَى بَطَلِ

هَيْهَاتَ مَا النَّصْرُ فِي حَدِّ الأَسِنَّةِ بَلْ

بِقُوَّةِ الرَّأْيِ تَمْضِي شَوْكَةُ الأَسَلِ

وَطَالِبُوا بِحُقُوقٍ أَصْبَحَتْ غَرَضاً

لِكُلِّ مُنْتَزِعٍ سَهْماً وَمُخْتَتِلِ

وَلا تَخَافُوا نَكَالاً فِيهِ مَنْشَؤُكُمْ

فَالْحُوتُ فِي الْيَمِّ لا يَخْشَى مِنَ الْبَلَلِ

عَيْشُ الْفَتَى فِي فَنَاءِ الذُّلِّ مَنْقَصَةٌ

وَالْمَوْتُ فِي الْعِزِّ فَخْرُ السَّادَةِ النَّبَلِ

لا تَتْرُكُوا الْجِدَّ أَوْ يَبْدُو الْيَقِينُ لَكُمْ

فَالْجِدُّ مِفْتَاحُ بَابِ الْمَطْلَبِ الْعَضِلِ

طَوْراً عِرَاكاً وَأَحْيَاناً مُيَاسَرَةً

رِيَاضَةُ الْمُهْرِ بَيْنَ الْعُنْفِ وَالْمَهَلِ

حَتَّى تَعُودَ سَمَاءُ الأَمْنِ ضَاحِيَةً

وَيَرْفُلَ الْعَدْلُ فِي ضَافٍ مِنَ الْحُلَلِ

هَذِي نَصِيحَةُ مَنْ لا يَبْتَغِي بَدَلاً

بِكُمْ وَهَلْ بَعْدَ قَوْمِ الْمَرْءِ مِنْ بَدَلِ

أَسْهَرْتُ جَفْنِي لَكُمْ فِي نَظْمِ قَافِيَةٍ

مَا إِنْ لَهَا فِي قَدِيمِ الشِّعْرِ مِنْ مَثَلِ

كَالْبَرْقِ فِي عَجَلٍ وَالرَّعْدِ فِي زَجَلٍ

وَالْغَيْثِ فِي هَلَلٍ وَالسَّيْلِ فِي هَمَلِ

غَرَّاءُ تَعْلَقُهَا الأَسْمَاع مِنْ طَرَبٍ

وَتَسْتَطِيرُ بِهَا الأَلْبَابُ مِنْ جَذَلِ

حَوْلِيَّةٌ صَاغَهَا فِكْرٌ أَقَرَّ لَهُ

بِالْمُعْجِزَاتِ قَبِيلُ الإِنْسِ وَالْخَبَلِ

تَلُوحُ أَبْيَاتُهَا شَطْرَيْنِ فِي نَسَقٍ

كَالْمَشْرَفِيَّةِ قَدْ سُلَّتْ مِنَ الْخِلَلِ

إِنْ أَخْلَقَتْ جِدَّةُ الأَشْعَارِ أَثَّلَهَا

لَفْظٌ أَصِيلٌ وَمَعْنىً غَيْرُ مُنْتَحَلِ

تَفْنَى النُّفُوسُ وَتَبْقَى وَهْيَ نَاضِرَةٌ

عَلَى الدُّهُورِ بَقَاءَ السَّبْعَةِ الطُوَلِ

نبذة عن القصيدة

المساهمات


avatar

محمود سامي البارودي

مصر

@poet-mahmoud-samial-baroudi

374

قصيدة

8

الاقتباسات

3682

متابعين

محمود سامي باشا بن حسن حسين بن عبد الله البارودي المصري (1839–1904)، أحد أبرز روّاد النهضة الشعرية في العصر الحديث، وأول من أعاد للشعر العربي ألقه بعد فترة من الركود. ...

المزيد عن محمود سامي البارودي

أضف شرح او معلومة