الديوان » العصر الأندلسي » ابن وهبون »

محل ألبس الدنيا جمالا

عدد الأبيات : 51

طباعة مفضلتي

محلٌّ ألبسَ الدنيا جمالاً

وإن فَضَحَ المقاصرَ والخلالا

بناهُ كما بنى العلياء بانٍ

يشيدُ مآثراً ويبيدُ مالا

وللزاهي الكمالُ سناً وحسناً

كما وسٍعَ الجلالةَ والكمالا

يحاطُ بشكلِهِ عرضاً وطولاً

ولكن لا يُحاطُ به جمالا

تواصلتٍ المحاسنُ فيه شتّى

فوفدُ اللحظِ ينتقلُ انتقالا

وقورٌ مثلُ ركنِ الطَود ثَبتٌ

ومختالٌ من الحُسنِ اختيالا

تدافَعَ من جوانِبِهِ ائتلافاً

فكاد المستبينُ يقولُ مالا

فلو أدنوا حرامَ السِّحرِ منه

لأضحى يعبدُ السحرَ الحلالا

سماءٌ ترتمي بعُبابِ بحرٍ

كأنَّ بها إكاماً او تلالا

فقد كاد اللبيبُ يُهالُ منه

ويحسبُ أنَّ بحرَ الجوِّ سالا

فما أبقى شهاباً لم يصوَّب

ولا شمساً تنيرُ ولا هلالا

وللبهو البهيِّ سماءُ نورٍ

تمثّلَ شكلها حَلَقَاً دِخالا

مزخرفةٌ كأنَّ الوشي ألقى

عليها من طرائِقِه خيالا

وما خلتُ الهواءَ يكونُ روضاً

ولا سقفاً يكونُ كذاك آلا

بلى حققتُ أنَّ النارَ كانَت

له ظئراً وعنصرهُ زلالا

فلم أعدِل بجامده مذاباً

ولم أنكر لِنَدوَتِهِ اشتعالا

وكلّ مصوّرٍ حيّ جماد

تبيّنَ فيه زهواً أو دلالا

له عملٌ وليس له حراكٌ

وافهامٌ وما أدّى مقالا

ويُفرغُ فيه مثلَ النصلِ بدعٌ

من الأفيالِ لا يشكو ملالا

رعى رَطبَ اللجين فجاء صلداً

وقاحاً قلّما يخشى هزالا

كأنَّ به على الحيوانِ عَتباً

فلم يرفع لرؤيتها قذالا

وأوصى بالرياحينِ غتراساً

همامٌ طالما اغترس الرجالا

وكان الغرسُ والاثمارُ وقفاً

لمن جعل النّدى والوعدَ حالا

وقامت يومَ قمنا منشداتٍ

فغضّت من رويتنا ارتجالا

براعةُ مصنعٍ جُلِبَت فاضحت

براعةُ منطقيِ منها مثالا

فكم طلب العويصَ فما تأبّى

وكم قلبَ العيانَ فما استحالا

ولكنَّ المؤيَد عزَّ وصفاً

وأعيتني حقيقتُهُ منالا

إذا استوضحتَهُ أبصرتَ دهراً

لو أنَّ الدهر لم يُنسَخ فَعالا

أقامَ لها معاليها شموساً

ومدَّ لنا مساعيَهُ ظلالا

وآراءً يُنَتِّجها رزاناً

فيرسلهنَّ أقداراً عجالا

وفيه أناةُ مقتدرٍ حليمٍ

تكاد تغر بالأُسدِ النمالا

ويبطشُ بطشةُ تُنبي الأعادي

أكفّهُمُ وما حملوا اعتقالا

من البيض الذين إذا تولّوا

صنيعاً لم تجد فيهم شمالا

وبينا نجتلي منهم بدوراً

إذا بهمُ قد اعترضوا جبالا

تألّقَ وجهُهُ وزكت نهاهُ

فقلتُ مثالُهُ محق الضلالا

وما يومُ العَروبةِ يومُ سرّ

لقد نطق الزمانُ به فقالا

عجزنا أن نحقِّقَ منه وصفاً

وما عجز الرشيدُ له امتثالا

يعارضُهُ بكلِّ سبيلِ مجدٍ

فتحسبه ينافسُهُ خلالا

ولمّا لم يُطق يَثني صباه

أحالَ على شمائله اكتهالا

وكاد يكونُهُ حتى تراه

يجاذبُهُ ولا يقوى انفصالا

وأبهَجَنَا طلوعهما بدستٍ

طلوعَ الأصلِ والفرعِ اتصالا

فلم أرَ قبله بدراً كساه

جوارُ الشمسِ تمّاً واكتمالا

أتتك على خلائقها جيادي

وإن كان الضياعُ لها شكالا

وما يبليك ذهنٌ أحوذيٌّ

إذا أصحبته جَدّاً تفالى

تزاحمتِ الهمومُ خلالَ صدري

فما تركت لأنفاسي مجالا

وما خلتُ النسيمَ يكون ثِقلاً

ولا نَفَحاتِهِ تأتي وبالا

كأنِّي كلما استنشقتُ منه

أردُّ به إلى كبدي نصالا

وكيف يصحُّ ذو قلبٍ أبيٍّ

إذا كان الإباءُ له نكالا

مضى ماءُ الشبيبةِ في الأماني

ومن ولّى فما يرجو اقتبالا

وكنتم خَيرَ مَن يُرجى فما لي

وجدتُ يقينَ آمالي محالا

ولم أحمل ودادكمُ ادِّعاءً

ولا أظهرتُ مدحكمُ انتحالا

معلومات عن ابن وهبون

ابن وهبون

ابن وهبون

عبد الجليل بن وهبون، الملقب بالدمعة المرسي، أبو محمد. أحد الشعراء الأدباء الفحول المجيدين في الأندلس، قال ابن بسام في ترجمته: شمس الزمان وبدره، وسر الإحسان وجهره، ومستودع البيان ومستقره، أحد..

المزيد عن ابن وهبون

تصنيفات القصيدة