الديوان » العصر العباسي » ابن الرومي »

ومدامة أغنت عن المصباح

ومُدامةٍ أغنَتْ عن المصباحِ

يلقى المساءَ إناؤُها بِصَبَاحِ

لطفتْ مسالكها وخُصَّ مَحَلُّها

فكأنها انْشَقَّتْ من الأرواحِ

تجلو السرور على الفتى في قلبه

والحسنَ في الكاساتِ والأقداحِ

أَعَليُّ لا أخطأْتَ قصدَ سبيلها

ورُزِقْتَ فيها طاعة النُّصَّاحِ

أَعَليُّ لا فارقْتَ ظلَّ سعادةٍ

أبداً ولا أخطأتَ بابَ فلاحِ

بَكَر الشَّبابُ على الحياة وليتَهُ

بعْدَ البُكُور مُسَاعِفٌ برواحِ

هيهات إلا بالشَّمُول فإنها

نَافي الهُمُوم وجالِبُ الأفراحِ

فامزج غِنَاءَ المحْسِنَاتِ لكأْسِهَا

بغناء عُجْم في الجنَانِ فِصَاحِ

تَهْتزُّ من طَرَبٍ إذا ما هَزَّها

فوقَ الغُصُونِ الخُضْرِ نفْحُ رياحِ

خُذْهَا ولا تخسَرْ لذيذ مَذَاقِهَا

ونسيمها يا طالب الأرْباحِ

بِكْراً تَردُّ على الكبير شبَابَه

فتراه بين صَبَابَةٍ ومرَاحِ

حسناءَ تكْسو من محاسنها الفتى

فتراه أحْمَرَ أزْهَرَ المِصْبَاحِ

مِنْ كَرْمَةٍ تَهَبُ المكارمَ للفتى

فتراهُ بين شجاعةٍ وسَمَاحِ

وتُعِيرُ نَكْهَتَهَا نَدِيمَ أَحِبَّةٍ

فَيُقَبِّلُ التُّفَّاحَ بالتُّفَّاحِ

تاللَّهِ ما أدري لأيَّة عِلَّة

يدعونها في الرَّاحِ باسْم الرَّاحِ

ألريحِها ولروحها تَحْتَ الحشى

أم لارْتِيَاحِ نديمها المرتاحِ

شاهدتُ منها مشْهَداً فرأيتُه

حسناً مليحاً بين سِرْبِ مِلاَحِ

حَسَدَتْ قياناً كالظِّباءِ ونرجساً

غَضّاً على صُوَرٍ هناك صِبَاحِ

فتَغَلَّلَتْ من تِبْرها بِغُلالةٍ

وتوشَّحت مِنْ دُرِّهَا بوشاح

فإذا بها محْسودةٌ معْبودَةٌ

بين الضرائر جمّة المُدّاحِ

عَدَلَ المحَلِّلُ والمحرِّمُ شُرْبَهَا

ولِذِي المقالِ مَذَاهِبٌ في الرَّاحِ

إن حُرِّمَتْ فَبِحقِّهَا من حُرَّةٍ

ما كانَ مثْلُ حريمها بمباحِ

أو حُلِّلَتْ فَبِحقِّهَا من نُشْرَة

تَنْفِي سَقَامَ قلوبنا بِصحاحِ

أَوَ لاَ يحرِّمُها الحليمُ لأنَّها

تدعُ القباح لديه غير قباحِ

أَوَ لاَ يحلِّلها الكريمُ لأنَّها

تَحْذِي الهِدَانَ سجيِّةَ المرتاحِ

دعْ ذا وقلْ في آل شيْخٍ إنَّهم

أقصى مَطامح هِمَّةِ الطمَّاحِ

لا تَعْدِلَنَّ بآل شيخٍ معشراً

فهمُ الشفاءُ لغُلّةِ الملتاحِ

أعْدِدْهُمُ للنائبات فإنَّهُمْ

حَسْبُ المُعِدِّ غداة كلِّ شِيَاحِ

وافتح مغاليق الأمور بأَيْدِهِمْ

أو كيْدِهم فكفاك من مفتاحِ

قوم يَرَوْن النُّصحَ في أموالهم

غِشَّاً فقد سَخِطُوا على النُّصَّاحِ

زُرْهم على ثقةٍ مَزَارَ مُحَصِّلٍ

مالاً فلستَ كَضَارِبٍ بِقداحِ

واعلم بأن سَنِيحَهُمْ لك سانحٌ

أبداً وليس بريحُهُم بِمُتاحِ

فمتى أطرتَ لهم بريح عداوةٍ

فَلَك البَريحُ وأبرحُ الأبراحِ

من معشرٍ قُرِنَ الثَّناءُ لديهُمُ

بالجودِ والملكاتُ بالأسجاحِ

لم يمنعوا الشاكين ريْبَ زمانهم

أُذُناً ولا سمعوا ملامةَ لاحي

يا ليت شعري حين يُمدَح مثلُهُم

ماذا تَرَاه يُراد بالتَمْداحِ

لكنهم كالمسك طاب لعينه

ويزيد حين يُخَاضُ بالمِجْدَاحِ

يُعطُون عفواً كلما أعفيتَهم

ويُلِحُّ نائلهم على الإلحاحِ

وعطاؤُهم فوق العطاء لأنهم

يُعطون كسْب مَناصِلٍ ورماحِ

وكأن من أعطاك كسْبَ سلاحه

أعطاك مهجته بغير سلاحِ

جاءته في تعبٍ وعُسْرة مطلب

وأتتك في دعةٍ به وسراحِ

ولمَا حباك بحظه لجهالةٍ

لكن لفضل مُمَنَّحِ منَّاح

فمتى يُرَوْن من الشِّحاحِ على اللُّهَا

وهُمُ على الأرواح غيرُ شِحَاح

من بأْسهم يقع الردى وبحلمهم

تتماسك الأرواح في الأشباحِ

كالهُنْدوانِيات حدّ مضاربٍ

عند اخْتِبارِهِمُ ولين صِفاحِ

أضحى الورى قَيْضا هُمُ أمْحَاحُه

شتَّانَ بينْ القيْض والأمحاحِ

وبِسَيِّد الأُمراء أُنْجِحَ سعْيُهُمْ

فيما ابتغوا من ذاك أيَّ نجاحِ

للّه أحمدٌ بنُ شَيخٍ إنه

مأوَى الطريدِ وموردُ المُمْتَاحِ

الدهْرُ يُفْسِدُ ما استطاع وأحمدٌ

يتَتَبَّعُ الإفسادَ بالإصلاحِ

ما زال يقدَح في الدُجى بِزِناده

حتى رأى الإِمساءَ كالإصباحِ

أما النَّدى فَنَدَى غَرِير ناشيءٍ

والرأيُ رأي مُحَنَّكٍ جَحْجَاحِ

فكأنَّه للأرْيحيَّة شاربٌ

وكأنه للألْمعِيَّةِ صاحي

ملك له قبل السؤال وبعده

بدء الجوادِ وعودة المِسماحِ

ومن الملوك ذوي المواهب من له

بدءُ الجوادِ وَعَوْدَة المِدْلاحِ

لا تَعْرِضَنَّ لغمرَةٍ من سْيبِه

إن لَمْ تكن بطلاً من السُّبّاحِ

فالْبَرُّ يَهْلِكُ في مضيقِ فنائه

والبحرُ يغرَقُ منه في الضَّحْضَاحِ

أنذرْتُ بل بشَّرْتُ أنَّ مقالتي

ميعادُ جِدٍّ في وعيد مُزَاحِ

ضَمِنٌ إذا حصل الوفاءُ بما وَأَى

عنْه الرجاءُ ثَنَاهُ بالإِرْجَاحِ

ما إنْ يزال مُساجِلاً لسحائب

بعطائه ومُبَارياً لرِياح

غَرَسَ الرجالَ بسيفه واجْتَاحَهُمْ

لا فُلَّ سيفُ الغارِس المجْتاحِ

سيف مليءٌ عُرْفُهُ وَنَكِيرُهُ

بإقامة المُدَّاح والأَنواحِ

يُحْيِي ويُهْلِك في يَدَيْ ذِي قُدْرةٍ

وَسَمَتْهُ بالسَّفَّاح والنَّفَّاحِ

مُدَّاحُ مُعْمِل مَضْرِبَيْه بمُنْشِدٍ

حَفِلٍ وأنْواحُ العِدَا بِمَنَاحِ

فمتى اسْتَكَنُّوا مِنْ نَدَاهُ وبَأسِهِ

فالمسْتَكِنُّ هُنَاكَ في قِرْواحِ

طُوفَانُ معْروفٍ ونُكْرٍ ما نجا

أحدٌ تَعَوَّذَ منهما بِوَجَاحِ

فإذا تَبسَّلَ للعِدا في مَأقِطٍ

أبصرت سطْوَةَ قابض الأرواحِ

وإذا أراك نَدَاهُ يوْماً زُهْدَهُ

أبصرتَ زُهْدَ مُحالِفِ الأمْساحِ

وإذا أشارَ أو ارْتأَى في خُطَّةٍ

أبصرتَ حِكْمَةَ صاحِبِ الأَلواحِ

وإذا أراك مزاحه من جدِّه

أجناك صفوَ ودائع الأجباحِ

لِيَقُلْ عُفَاتُكَ لا جُنَاح عليهمُ

رَفِعَ الجُنَاحُ فلاتَ حينَ جُنَاحِ

أنتَ امرؤٌ للصدقِ فيه مذاهب

سقط الجُنَاح بها عن المُداحِ

ما زالَ مَنْ يُطْرِي سواكَ مُلاَحياً

لَكِنَّ من يُطْرِيكَ غيرُ ملاحي

في مدح غيرك للخطيئَةِ مُثْبِتٌ

لَكِنَّ مَدْحَكَ للخطيئة ماحي

فالباكرون على ثَنائِك إنَّما

بَكَرُوا وما شَعَرُوا على مِسْبَاحِ

كمْ عَارِضٍ رَجُلاً عليَّ مُشَبِّهاً

لأَمِيلَ عنْكَ إليه بالأمْدَاحِ

رُدَّتْ نصِيحَتُهُ عَلَيْهِ فَكَافَحَتْ

أسْرَارَ جبْهَتِهِ أشدَّ كِفَاحِ

وَقَصَبْتُ صَاحبَهُ إليه كأنَّما

قَاوَمْتُهُ فيه مَقَامَ فِضَاحِ

ما قِسْتُ بَيْنَكمَا هنَاكَ ولم أكن

لأقِيسَ بين مُحمَّدٍ وسَجَاحِ

النَّاسُ أدْهَمُ أنْتَ فيه غُرَّةٌ

مرفوعة عن سائر الأوضاح

لا جَفَّ واديكَ المُحَلَّلُ إنه

لَمُنَاخُ أطْلاحٍ على أطلاحِ

إنَّ الذي يُضْحِي وأنت جَناحُهُ

في النَّائباتِ لنَاهِضٌ بِجَنَاحِ

شَامَ ابْتسَامَكَ مُرْتَجُوكَ فإنَّمَا

شَامُوا مَضاحِكَ مُبْرقٍ لَمَّاح

ومَرَى نَوَالَكَ مُعْتَفُوكَ فإنما

حَلُّوا عَزَالي مُغدقٍ نَضَّاحِ

معلومات عن ابن الرومي

ابن الرومي

ابن الرومي

علي ابن العباس بن جريج، أو جورجيس، الرومي، أبو الحسن. شاعر كبير، من طبقة بشار والمتنبي. روميّ الأصل، كان جده من موالي بني العباس. ولد ونشأ ببغداد، ومات فيها مسموماً، قيل:..

المزيد عن ابن الرومي

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة ابن الرومي صنفها القارئ على أنها قصيدة عامه ونوعها عموديه من بحر الكامل


حرف الشاعر

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس