الديوان » العصر الايوبي » الحيص بيص »

أجل ما رمت في آت مقتبل

أجلُّ ما رمتُ في آتٍ مُقْتبلِ

أني أراك وقد أُسعفتُ بالأملِ

فما أبالي وقد جادَ الزمانُ به

عُمِّرتُ في الناس ألفاً أو دنا أجلي

أمَنْ أراهُ دُبيس الخير ويْحكم

أم الكرى باعتٌ للطيفِ في المُقَل

لذيذ وصلٍ أراني يقظتي حُلُماً

فالعينُ باكيةٌ من شدَّةِ الجَذَلِ

ما ابنُ المُلوَّح قيسٌ في صبابتهِ

بالعامريَّةِ ذاتِ الدل والكسلِ

يسقي الثرى دمع عينيه وقد حبست

صوائبُ المُزن أن تهمي مع الأصُل

لا زاد يغذوه إلا فضلُ لوعتِهِ

ولا مواطنَ إلا نيَّةُ الرِّحَلِ

مُحذَّرُ الموت معْذولٌ وزورتُه

للحي تعثر بالتعنيف والعَذلِ

ودون ليلى مطاعينُ الضحى غُلْب

حَمَوا كريمتهم حتى من الغزلِ

ما زال جورُ الهوى حتى دعوهُ به

مجنون ليلى وطاب القولُ للرجلِ

يوماً بأوجدَ مني في هوى مَلِكٍ

من آل عوفٍ أبي الضَّيْم مُحتملِ

القاتلُ المحْلَ من معروفِ راحته

ومرسلُ الموت بين البيض والأسل

وباعث الجيش غطى الشمس عثيره

كأنه أسْنِماتُ العارضِ الحفل

وطارد الخيل في ضنك لو اطَّردت

أراقمُ الرمل فيه خِفن من زللِ

لا يُسْتباحُ أسيرٌ في مواكبهِ

ولا يُباحُ دمُ المستأمِن الوجِلِ

تشكو السَّوابق من إدْمان غارتِه

على البهاليل يوم الرَّوْع والحِلل

ظمأى إلى الماءِ تطْويه وتنْظُرُه

مشغولةً بقراعِ القومِ عن بَللِ

حتى إذا هجَّرت شمس الضحى وردت

ماء المفارقِ من عَلٍّ ومن نَهَلِ

يُعيدها بين مخضوبٍ قوائمُه

ولابسٍ لرؤوس الصِّيد مُنْتعلِ

شوك الرماح إذا ترعاهُ في رهَجٍ

أشهى إليها من الحوْذان والنَّفَلِ

أثَّرت في الأرض ذكراً لو تفوز به

شمس الضحى أمنت من ظلمة الطفل

ما خِطَّةٌ في بلادِ اللهِ نازحَةٌ

إلا وذكرك فيها غايةُ المَثلِ

ينمي الوليدُ على ذكراكَ مُعتقداً

في نفسه أنَّكَ العنقاءُ في الجبلِ

ما قارعَ الهام يُروي حدَّ صارمه

يوم الهياج كسيف الدولة البطلِ

يُغْنِي إذا ما غزا إفراطُ هيبتهِ

عن الصَّوارم والعَسَّالةِ الذُبُلِ

فما يُلاقي عِديَ إلا جُسومُهُمُ

من قبل وخز القنا صرعى من الوجل

عليه من صبره في الخطب سابغةٌ

يلقى المُلمات فيها غير مُحتفلِ

يغترُّ مُبتسماً في كل نائبَةٍ

كأنَّ بُشراهُ وقعُ الحادث الجَلل

أغرُّ يجلو سناهُ كل مُظْلمةٍ

عارٍ من الشحِّ مُعرورٍ من البُخلِ

هو الوهوبُ وسحب الجو باخلةٌ

والمستغاثُ وحامي الحي في شُغلِ

مُعاجلٌ بالندى من غير مسألةٍ

وأكرم الناس من أعطى ولم يُسل

إذا الجرائمُ هاجتْهُ تَغمَّدها

بالصفح منه حليمٌ غيرُ ذي فشلِ

تموتُ أضْغانُه إبَّان قُدرتهِ

وقدرة الحُرِّ تنسى فاحش الخطل

يُصيبُ بالرأي ما يَعْيا العيانُ به

في القرب والمنتأى والريث والعجل

فليس يرشقُ مرمىَ سهمُ فكرته

إلا يدُ الغَيْب تحميه من الزَّللِ

لو أنَّ ثَهْلانَ لاقى ما رُميتَ به

من الحوادث يا ابن السادةِ النُبلِ

لا اسْتَفْرشَتْه خفاف العيس مرقلةً

وسال سيل النَّقا في مزلقٍ عَجلِ

ولو أصاب عُباب البحر أيْسرُه

لأصبح البحرُ معدوداً من الوشل

ولو على النار مرَّت منه لافحةٌ

لغالَب النارَ ما فيه من الشُّعلِ

وأنت تحملُ منه كل فادحةٍ

لا بالجبان ولا الهيّابةِ الوكِلِ

وما أزيدُكَ مما قلتُ منْزلةً

في لُجَّة اليمِّ ما يُغْني عن السمل

ولا المديحُ وإنْ أحسنتُ رونقهُ

على الذي فيك من مجدٍ بمُشتمل

أقدمت حتى غروب البيض في حسد

وجُدْت حتى قطار السحب في خجل

أنظر إذ الكُرْج والأبطالُ هاربةٌ

صبر الأمير لضيق الحرب والسُّبل

وهل تجرَّد سيفٌ غيرَ صارمهِ

وزال كل كميٍّ وهو لم يَزُل

ويوم حصن بَشيرٍ حيث غادرهمْ

صرعى على القاع من ثاوٍ ومعتقل

ونُوبةُ البصرة الفيحاء أوردهُمْ

ضرباً من الضرب يُنسي وقعة الجمل

وما اسْتراثكَ في الإقدامِ آونةً

إلا جهولٌ في الأسرار لم يَصلِ

في طاعةِ الله أسْبابٌ مُجَنِّبَةٌ

تَظلُّ منها لُيوثُ الغابِ في وهَلِ

وكم بخيلٍ بتسليمٍ لعزَّتِهِ

يُعفرُ الخد للرحمن في وَجَل

إذا أتى الدينُ فالأقدام مَنْقصةٌ

وما لنا بقراع الله من قِبَلِ

فخرُ المُلوكِ نعيمٌ يرغدونَ بهِ

وأنت في رغَدٍ من هِمَّةٍ خضلِ

وأتعبُ الناس في إنصاف مُحتكمٍ

أحقُّهمْ ببلاد اللهِ والدُّوَلِ

لك الغطاريفُ من دودانَ شأنهُم

ضرب الملوك ورفع النار في القُلل

غُرٌّ بهاليلُ وهَّابونَ ما كَسَبوا

من اللُّهى متلفون المال في النحلِ

لا يحرمونَ إذا ما أزمةٌ نَزلتْ

ولا يجيزون منْع الجودِ بالعِللِ

العاقرون العِدى والنيب في رهجٍ

فالصبحُ للجيش والظَّلماءُ للإبلِ

من كل أغلبَ ملءُ الدهر هيبتهُ

معظَّمٍ في عينِ الحيِّ مُحتفلِ

يسقي البلادَ غمامٌ من أناملِه

فإن سطا فبقاني اللَّون مُنْهملِ

هُمُ الملوكُ وما قولي بمُبْتدَعٍ

في وصف مجدٍ لا مدحي بمرتجل

سقى أبا حسنٍ إذ كانَ مرقدُه

أحق بالدمع من صوب الحيا الهطل

جَوْدٌ إذا عصفت ريح الجنوب به

ذاب الحصى من دوام القطر والبلل

فإنه كان والَّلأْواءُ عارِقَةٌ

والشر يحرق من أنيابه العُصُلِ

يُغني الفقيرَ ويحمي المُستجير به

في زي مُعتذرٍ من فعله خجلِ

ويلتقي الضيف في وجهٍ بشاشتُهُ

تنسي الخميص شهيَّ الزاد والأُكلِ

ما دبَّ في عطفه كبرٌ ولا شمخت

بأنفه كثرةُ الأعْوانِ والخَوَلِ

وكان يهتزُّ للأشعارِ من طَربٍ

هزَّ القضيب بمر العاصف الزجِلِ

كأنما كلُّ بيتٍ كانَ يسمعُهُ

كأس من الخمر أو ضرب من الخبلِ

مُطهَّرُ البُرْد لا يُرتابُ عِفَّته

ولا يُبدل السكر منه الصونِ بالبِذلِ

مضى ولم يمض من كانت ذخيرتُهُ

أبا الأغرِّ دُبيْساً أكرمَ البَدلِ

أنا الذي بعتُ فيك النفس من علق

ولم أخف شرَّ أيامي ولم أُبَلِ

وبُحتُ بالودِّ والأيامُ كاتمةٌ

وكان ذكرك في مدح العِدى غزلي

وقلت ما فيك من مجد ومن شرف

في موقف لو حوى سحبان لم يقُل

ومدح غيرك مني كان عن حَرجٍ

قد يحمد الرشف ممنوعٌ من النَّهلِ

وللفتى حالةٌ تَنْضوهُ شيمتُه

رغماً وما كل إعراضٍ من المَلَلِ

إنَّ الصلات لبيت الله ماضيةٌ

من عازبٍ ببلادِ الصين مُعتزلِ

أنا ابنُ عمِّكَ والأنسابُ شاهدةٌ

لم آتِ إلا ببرهانٍ ولم أقلِ

أما تميمٌ وعوْفٌ ضَمَّها مْضرٌ

فاستخبِرِ القوم عن صَيْفِّينا وسلِ

هذا وإنَّ تميماً كانَ من أسَدٍ

في منزلِ الخالِ والأخبار تشهد لي

معلومات عن الحيص بيص

الحيص بيص

الحيص بيص

أبو الفوارس، سعد بن محمد بن سعد بن الصيفي التميمي، الملقب شهاب الدين، أديب وشاعر وفقيه مشهور من أهل بغداد، كان من أعلم الناس بأخبار العرب ولغاتهم وأشعارهم، لقب بحيص..

المزيد عن الحيص بيص

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة الحيص بيص صنفها القارئ على أنها قصيدة عامه ونوعها عموديه من بحر البسيط


حرف الشاعر

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس