الديوان » العراق » نازك الملائكة »

كآبة الفصول الأربعة

نحن نحيا في عالم كله دمـ

ـع وعمر يفيض يأسا وحزنا

تتشفّى عناصر الزمن القا

سي بآهاتنا وتسخر منا

في غموض الحياة نسرب كالأشـ

ـباح بين البكاء والآهات

كلّ يوم طفل جديد وميت

ودموع تبكي على المآساة

ثم ماذا ؟ في أيّ عالمنا المحـ

ـزن نلقى العزاء عمّا نقاسي؟

عند وجه الطبيعة الجهم أم عنـ

ـد فؤاد الزمان وهو القاسي

قد عبرنا نهر الحياة حيارى

في ظلام الفصول والسنوات

وثبتنا على أسانا خريفا

وربيعا فما جمال الحياة ؟

طالما مرّ بي الخريف فأصغيـ

ـت لصوت القمريّة المحزون

وأنا في سكون غرفتي الدجـ

ـياء أرنو إلى وجوم الغصون

طالما في الخريف سرت إلى الحقـ

ـل وأمعنت في وجومي وحزني

كيف لا والكآبة المرّة الخر

ساء قد رفرفت على كل غصن

والحمام الجميل قد هجر الأعـ

ـشاش سأمان من وجوم السهوب

وطيور الكنار آثرت الهجـ

ـرة والعيش في حقول الجنوب

وغصون الشجار مصفرّة الأو

راق والزهر ذابل مكفهرّ

ورياح الخريف تعبث بالأو

راق والسحب في الفضاء تمرّ

طالما سرت في المساء وفي سمـ

ـعي صوت الأوراق تحت خطايا

كلما سرت خطوة أنّت الأو

راق فاستجمعت بعيد أسايا

أرمق الحقل والجداول قد جفـ

ـت ولون الفضاء أسود غائم

وأحسّ البوم الكئيب يغنّي

من بعيد بين النخيل الواجم

وأرى النهر من بعيد كسرّ

غلّفته أيدي الخريف الكئيب

لا رعاة على شواطئه يز

جون أغنامهم قبيل الغروب

لا اخضرار يغري الحزانى بأن يسـ

ـعوا إليه ولا صفاء جميل

ليس إلا رطوبة الأرض والوحـ

ـشة والصمت والربى والنخيل

فإذا رعشة تضمُّ فؤادي

وإذا الروح ضائق بأساه

ما أمرّ الخريف يا رب ما أو

حش أصباحه وأقسى مساه

ثم يأتي الشتاء بالثلج والأمـ

ـطار والريح في سكون الليالي

وتمرّ الأيام موحشة الخطـ

ــو بطاء الصباح والآصال

وتموت الأزهار في قبضة الثلـ

ـج ويعرو الأشجار لون الزوال

وتغيب الأطيار في الموقد المهـ

ـجور أو في كهف وراء الجبال

ويجيء المساء بالمطر المنـ

ـهلّ يبكي على شجا الإنسان

وتظلّ الرياح تعصف بالنخـ

ـل وترثي لكل قلب عان

آه ما أكأب الشتاء لياليـ

ـه وأيامه وما أقساه

حين أخلو لنار موقدي الخامـ

ـد والقلب مغرق في أساه

لست أصغي إلا إلى ضجة الإعـ

ـصار بين النخيل والصفصاف

واصطفاق الأمواج في شاطيء النهـ

ـر ووقع الأمطار فوق الضفاف

كل شيء في الكون حولي كئيب

في ليالي الشتاء ذات الرعود

كل شيء حولي سوى ساعتي الصمّـ

ـاء في صمت غرفتي المعهود

ايه يا ساعتي الكئيبة يا من

صحبتني في فرحتي وشقائي

ما الذي تبعثين في نفسي الحيـ

ـرى من الحزن في ليالي الشتاء

أبدا تخفقين في معصمي البا

رد والليل مظلم ممدود

لحظات تمرّ في ثقل السا

ع وليل معذب منكود

كم سهرت المساء أصغي إلى دقـ

ـاتك الحائرات في مسمعيا

أنت يا من أحصيت ساعات أيّا

مي وكنت الرسول منها إليّا

رحمة في الشتاء بي لا تعدّي

ما تبقّى يا ساعتي من حياتي

واتركيني أصغي إلى نغم الأمـ

ـطار فوق الحقول والربوات

اتركيني فنغمة المطر الها

مر أحلى من صوتك الجّبار

يا رسول القضاء والزمن المفـ

ـني وصوت الأحداث والأقدار

اتركيني وحدي وإن كان ليلي

مكفهرا تحت البروق طويلا

اتركيني أصغي إلى الرعد والأمـ

ـطار يا ساعتي وكّفي العويلا

وغدا يقبل الربيع فيحلو

عقرباك المحّببان لعيني

وتعود الدقّات منك نشيدا

اتغنّى به ويصدح فنّي

الربيع الجميل فصل الطيور الـ

ـبيض والزهر والسّنا والعطور

عندما تكتسي العرائش بالكر

م وتشدو طيورها في البكور

عندما يخرج الرعاة إلى الوا

دي بأغنامهم وتزهو الضفاف

عندما يزهر البنفسج والخبّـ

ـاز والبرتقال والصفصاف

وتذوب الثلوج في القمم العلـ

ـيا فتجري السيول في كل واد

ويعود البطّ الجميل إلى الشا

طىء بين الأعشاب والأوراد

ويعود الفلاّح يخرج للحقـ

ـل طروب الفؤاد كلّ صباح

تحت شمس الربيع يسقي جذور الـ

ـتين والبرتقال والتفّاح

وتعود الطيور للوطن المهـ

ـجور جذلى مفتونة بالربيع

في ثنايا الأغصان تتخذ الأعـ

ـشاش تحت النور النقيّ البديع

والقماريّ تستحمّ وتلهو

بين زهر الخّباز فوق الضفاف

وتغنّي للنهر أعذب ألحا

ن الأماني في مسمع الصفصاف

وزهور السفوح تضحك للنحـ

ـل وتحني رؤوسها للنسيم

وقطيع الأغنام يمرح والرا

عي يُقَضّي النهار تحت الكروم

وصبايا القرى يرحن ويغدو

ن نشاوى على ضفاف السواقي

منشدات أحلامهنّ على سمـ

ـع الينابيع والورود الرقاق

وسماء الحياة تزخر بالوجـ

ـي ويصحو الشعور والأحلام

أي أدونيس آه لو عشت في الأر

ض فعاش السّنا ومات الظلام

آه لو لم يكن مقامك في عا

لمنا المكفهرّ حلما قصيرا

آه لو دمت يا أدونيس للأر

ض وأبقيت عطرك المسحورا

يا ضياع الأحلام في مسمع المو

ت وماذا تفيدنا الأحلام

ليس يبقى الربيع إلا قليلا

ثم يخبو الجمال والأوهام

مثل زهر الصحراء سرعان ما تقـ

ـتله الشمس والرياح الهوج

وتعود الواحات قفرا كما كا

نت ويذوي العشب النضير البهيج

هكذا يرحل الربيع سريعا

وتعود الحياة للأحزان

وتموت الآمال في كل قلب

وتعيش النفوس للحرمان

فكأنّ الحياة لم تبتسم إلاّ

لتلقي سوادها في رؤانا

وكأن الزهور لم تنشر الأشـ

ـذاء إلا لكي تثير أسانا

وكأن النضارة الحلوة الجذ

لى حُدَاء بنا لصمت القبور

وكأن الطيور ترسل لحن الـ

ـموت في سمع كلّ حيّ غرير

يا شباب الحياة ما أنت بالخا

لد إلا خلود زهر الربيع

ليس تبقي على نضارتك الأقـ

ـدار في حومة الأسى والدموع

أسفا يا ربيع يا ورد يا عطـ

ـر أهذا ختام كلّ جمال

أكذا يخفت الضياء ويبقى الصـ

ـمت والحزن في سكون الليالي

قصّة الحب والجمال أهذا

ما إليه تكون بعد صباها ؟

تتصدّى لها يد الزمن الما

حي فتبلى ضياءها وصداها

هكذا يا ربيع يختتم النسـ

ـيان والصمت كلّ شيء جميل

ويعيش الإنسان تعصره الذكـ

ـرى ويبكي على أساه الطويل

فغذا عضّت الكآبة قلبي

في أضاحي الربيع واشتدّ حزني

فعلى مصرع الفراشات أبكي

وذبول الوادي الشجير الأغنّ

يا معاني الزوال والعدم الرا

ئع رحماك وارفقي بصبايا

لا تطلّي عليّ من كلّ شيء

في وجودي فقد سئمت أسايا

أتركيني أر الربيع طيورا

ليس ينوي لها الأذى مغتال

ولتكن زهرة البنفسج في عيـ

ـني خلودا لا يعتريه زوال

ودعيني أعش مع الذكريات الـ

ـبيض في أمسي الجميل الراحل

علّ هذا يجلو أسى الصيف عن قلـ

ـبي ويحيي موات حلمي الذابل

فلقد جّفت الرياض الجميلا

ت فلا زهرة ولا أشذاء

وانطوت فرحة الربيع ومات الـ

ـعشب في أرضها وجفّ الماء

لم تعد في العشاش قمريّة تشـ

ـدو وتسقي أفراخها في النهار

كيف تحيا الطيور في لهب الشمـ

ـس وتلهو تحت اللظى والنار

لم يعد للنسيم قلب يحبّ النـ

ـهر والمرج في ظلام الأماسي

لم يعد للأزهار لون جميل

يتجلّى لمرهفي الإحساس

كلّ شيء في الصيف ينطق بالقسـ

ـوة والشمس شعلة ولهيب

تتشكّى عريشة الكرم لكن

ليس يجدي توسّل ونحيب

آه ما أكأب الظهيرة في الصيـ

ـف إذا لاذ جوّها بالسكون

وتلاشى في الجوّ كلّ هتاف

غير صوت الطاحونة المحزون

وبكاء الحمامة الخافت النا

ئي وصوت الغراب بين الكروم

وأزيز من نحلة تملأ القلـ

ـب ملالا بصوتها المسؤوم

ثم ماذا ؟ ماذا ترى العين في الصيـ

ـف إذا اقبل المساء الداجي؟

هل سوى منظر النخيل البعيدا

ت وحزن الأشجار خلف السياج

هل سوى منظر الرعاة يعودو

ن باغنامهم حيارى بطاء

بعد يوم أمضوه تحت لظى الشمـ

ـس ملالا وشقوة وعناء

هل سوى الصائدين في النهر الضحـ

ـل يعودون في المساء الكئيب

لم يصيدوا وصاد أرواحهم حرّ

نهار مؤذ وعيش جديب

كلّ يوم يمضي النهار ولا صيـ

ـد يعزّي صيّاده الطوّافا

يا لقلب المسكين قد سئم النهـ

ـر وعاف المياه والمجذافا

فهو عند الغروب يرجع بالزو

رق سأمان واجم الألحان

إن تغنى فبالشكاة يزجّيـ

ـها إلى خافق الحياة الجاني

كم رأيت الصيّاد في الشارع المقـ

ـفر يمشي معذّبا مصدوما

عكست مقلتاه أحزان قلب

سئم العيش والوجود الأليما

لست أنت المحزون وحدك يا صيّـ

ـاد في حومة الشقاء المخيف

هو سجن الحياة قد كبّلت أقـ

ـياده السود كلّ قلب رهيف

ذاك شأن الإنسان يا اّيها الصيّـ

ـاد يا شاكيا ظلام الرزايا

في صراع مع العناصر لا يهـ

ـدأ حتى يأوي لوادي المنايا

في سبيل الحياة يبدل أفرا

ح صباه ويستطيب أساه

فهو يجري وراء حلم كذوب

رسمته أوهامه ورؤاه

وعجيب أنّا نذوق سواد الـ

ـعيش واليأس والملال لنحيا

أيّ عمر هذا ؟ وأيّة مأسا

ة بلونا سوادها الأبدّيا ؟

أبدا نحن في كفاح مع الأقـ

ـدار والحادثات تبلي وتفني

يتحدّى أحلامنا الواقع المرّ

ويقسو زماننا المتجنّي

ونخاف الغد الدجيّ ولا نعـ

ـلم ماذا يكون فيه المصير

يا ظلام المجهول ما أرهب التفـ

ـكير لا كان سرّك المستور

آه لو كان في الحياة مفرّ

من شقاء الأوهام والأفكار

في شعاب الهدوء يا ليتنا نلـ

ـقي بأعباء خوفنا الجبّار

معلومات عن نازك الملائكة

نازك الملائكة

نازك الملائكة

شاعرة ناقدة ولدت عام 1923 في بغداد العراق, حصلت دروسها من الإبتدائية إلى الثانوية في بغداد وتخرجت سنة 1939 من دار المعلمين العالية ببغداد فرع اللغة العربية, تابعت دروساً خاصة..

المزيد عن نازك الملائكة

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة نازك الملائكة صنفها القارئ على أنها قصيدة عامه ونوعها نثريه من بحر لا يتوفر


حرف الشاعر

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس