الديوان » العصر العباسي » الشريف الرضي »

أي العيون تجانب الأقذاء

أَيُّ العُيونِ تُجانِبُ الأَقذاءَ

أَم أَيُّ قَلبٍ يَقطَعُ البُرَحاءَ

وَالمَوتُ يَقنِصُ جَمعَ كُلِّ قَبيلَةٍ

قَنصَ المَريعِ جاذِراً وَظِباءَ

يَتَناوَلُ الضَبَّ الخَبيثَ مِنَ الكُدى

وَيَحُطُّ مِن عَليائِها الشُغواءَ

تَبكي عَلى الدُنيا رِجالٌ لَم تَجِد

لِلعُمرِ مِن داءِ المَنونِ شِفاءَ

وَالدَهرُ مُختَرِمٌ تَشُنُّ صُروفُهُ

في كُلِّ يَومٍ غارَةً شَعواءَ

إِنَّ بَنو الدُنيا تَسيرُ رِكابُنا

وَتُغالِطُ الإِدلاجَ وَالإِسراءَ

وَكَأَنَّنا في العَيشِ نَطلُبُ غايَةً

وَجَميعُنا يَدَعُ السِنينَ وَراءَ

أَينَ المَعاوِلُ وَالغَطارِفَةُ الأولى

هَجَروا الدِيارَ وَعَطَّلوا الأَفناءَ

فَاِخلِط بِصَوتِكَ كُلَّ صَوتٍ وَاِستَمِع

هَل في المَنازِل مَن يُجيبُ دُعاءَ

وَاِشمُم تُرابَ الأَرضِ تَعلَم أَنَّها

جَرباءُ تُحدِثُ كُلَّ يَومٍ داءَ

كَم راحِلٍ وَلَّيتُ عَنهُ وَمَيِّتٍ

رَجَعَت يَدي مِن تُربِهِ غَبراءَ

وَكَذا مَضى قَبلي القُرونُ يَكُبُّهُم

صَرفُ الزَمانِ تَسَرُّعاً وَنَجاءَ

هَذا أَميرُ المُؤمِنينَ وَظِلُّهُ

يَسَعُ الوَرى وَيُجَلِّلُ الأَحياءَ

نَظَرَت إِلَيهِ مِنَ الزَمانِ مُلِمَّةٌ

كَاللَيثِ لا يُغضي الجُفونَ حَياءَ

وَأَصابَهُ صَرفُ الرَدى بِرَزيَّةٍ

كَالرُمحِ أَنهَرَ طَعنَةً نَجلاءَ

ماذا نُؤَمِّلُ في اليَراعِ إِذا نَشَت

ريحٌ تَدُقُّ الصَعدَةَ الصَمّاءَ

عَصَفَ الرَدى بِمُحَمَّدٍ وَمُذَمَّمٍ

فَكَأَنَّما وَجَدَ الرِجالَ سَواءَ

وَمُصابُ أَبلَجَ مِن ذُؤابَةِ هاشِمٍ

وَلَجَ القُبورَ وَأَزعَجَ الخُلَفاءَ

وَتَرَ الرَدى مَن لَو تَناوَلَ سَيفَهُ

يَوماً لَنالَ مِنَ الرَدى ما شاءَ

غُصنٌ طَموحٌ عَطَّفَتهُ مَنيَّةٌ

لِلخابِطينَ وَطاوَعَ النَكباءَ

يا راحِلاً وَرَدَ الثَرى في لَيلَةٍ

كادَ الظَلامُ بِها يَكونُ ضِياءَ

لَمّا نَعاكَ الناعِيانِ مَشى الجَوى

بَينَ القُلوبِ وَضَعضَعَ الأَحشاءَ

وَاِسوَدَّ شَطرُ اليَومِ تَرجُفُ شَمسُهُ

قَلَقاً وَجَرَّ ضِياؤُهُ الظَلماءَ

وَاِرتَجَّ بَعدَكَ كُلُّ حَيٍّ باكِياً

فَكَأَنَّما قُلِبَ الصَهيلُ رُغاءَ

قَبرٌ تَخَبَّثَ بِالنَسيمِ تُرابُهُ

دونَ القُبورِ وَعَقَّلَ الأَنواءَ

تَلقاهُ أَبكارُ السَحابِ وَعونُها

تَلقى الحَيا وَتُبَدِّدُ الأَنداءَ

مُتَهَلِّلُ الجَنَباتِ تَضحَكُ أَرضُهُ

فَكَأَنَّ بَينَ فُروجِهِ الجَوزاءَ

أَولى الرِجالِ بِرَيِّ قَبرٍ ماجِدٍ

غَمَرَ الرِجالَ تَبَرُّعاً وَعَطاءَ

وَلَوَ اَنَّ دُفّاعَ الغَمامِ يُطيعُني

لَجَرى عَلى قَبرِ اللَئيمِ غُثاءَ

لازالَ تَنطُفُ فَوقَهُ قِطَعُ الحَيا

بِمُجَلجِلٍ يَدَعُ الصُخورَ رَواءَ

وَتَظُنُّ كُلَّ غَمامَةٍ وَقَفَت بِهِ

تَبكي عَلَيهِ تَوَدُّداً وَوَلاءَ

وَإِذا الرِياحُ تَعَرَّضَت بِتُرابِهِ

قُلنا السَماءُ تَنَفَّسُ الصُعَداءَ

إِيُّها تَمَطَّرَ نَحوَكَ الداءُ الَّذي

قَرَضَ الرِجالَ وَفَرَّقَ القُرَباءَ

إِنَّ الرِماحَ رُزِئنَ مِنكَ مُشَيَّعاً

غَمرَ الرِداءِ مُهَذَّباً مِعطاءَ

وَطَويلَ عَظمِ الساعِدَينِ كَأَنَّما

رَفَعَت بِعِمَّتِهِ الجِيادُ لِواءَ

وَلَقَينَ بَعدَكَ كُلَّ صُبحٍ ضاحِكٍ

يَوماً أَغَمَّ وَلَيلَةً لَيلاءَ

أَنعاكَ لِلخَيلِ المُغيرَةِ شُزَّباً

وَاليَومَ يَضرِبُ بِالعَجاجِ خِباءَ

وَلَخَوضِ سَيفِكَ وَالفَوارِسُ تَدَّعي

حَرباً يَجُرُّ نِداؤُها الأَسماءَ

وَغَيابَةٍ فَرَّجتَها وَمَقامَةٍ

سَدَّدتَ فيها حُجَّةً غَرّاءَ

وَخَلَطتَ أَقوالَ الرِجالِ بِمِقوَلٍ

ذَرِبٍ كَما خَلَطَ الضَرّابُ دِماءَ

وَمَطيَّةٍ أَنضَيتَها وَكِلاكُما

تَتَنازَعانِ السَيرَ وَالإِنضاءَ

إِنَّ البُكاءَ عَلَيكَ فَرضٌ واجِبٌ

وَالعَيشُ لا يُبكى عَلَيهِ رِياءَ

بِأَبيكَ يَطمَحُ نَحوَ كُلِّ عَظيمَةٍ

طَرفٌ تَعَلَّمَ بَعدَكَ الإِغضاءَ

فَاِسلَم أَميرَ المُؤمِنينَ وَلا تَزَل

تُجري الجِيادَ وَتُحرِزُ الغُلواءَ

فَإِذا سَلِمتَ مِنَ النَوائِبِ أَصبَحَت

تَرضى وَنَرضى أَن يَكونَ فِداءَ

وَلَئِن تَسَلَّطَتِ المُنونُ لَقَد أَتَت

ما رَدَّ لَومَ اللائِمينَ ثَناءَ

وَهَبَت لَنا هَذا الحُسامَ المُنتَضى

فينا وَهَذي العِزَّةَ القَعساءَ

نَهنَهتَ بادِرَةَ الدُموعِ تَجَمُّلاً

وَالعَينُ تُؤنِسُ عَبرَةً وَبُكاءَ

فَاِستَبِق دَمعَكَ في المَصائِبِ وَاِعلَمن

أَنَّ الرَدى لا يُشمِتُ الأَعداءَ

وَتَسَلَّ عَن سَيفٍ طَبَعتَ غِرارَهُ

وَأَعرتَ شَفرَتَهُ سَناً وَمَضاءَ

وَالصَبرُ عَن وَلَدٍ يَجِئُ بِمِثلِهِ

أَولى وَلَكن نَندُبُ الآباءَ

فَلَقَد رَجَعتَ عَنِ المُطيعِ بِسَلوَةٍ

مِن بَعدِ ما جَرَتِ الدُموعُ دِماءَ

وَالإِبنُ لِلأَبِ إِن تَعَرَّضَ حادِثٌ

أَولى الأَنامِ بِأَن يَكونَ وِقاءَ

وَإِذا اِرتَقى الآباءُ أَمنَعَ نَجوَةٍ

فَدَع الرَدى يَستَنزِلُ الأَبناءَ

وَرَدَ الزَمانُ بِهِ وَأَورَدَهُ الرَدى

بَغياً فَأَحسَنَ مَرَّةً وَأَساءَ

وَرَمى سِنيهِ إِلى الحِمامِ كَأَنَّما

أَلقى بِها عَن مَنكِبَيهِ رِداءَ

فَلتَعلَمِ الأَيّامُ أَنَّكَ لَم تَزَل

تَفري الخُطوبَ وَتَكشِفُ الغَمّاءِ

خَضَعَت لَكَ الأَعداءُ يَومَ لَقيتَها

جَلداً تُجَرِّدُ لِلمُصابِ عَزاءَ

وَتَمَطَّتِ الزَفراتُ حَتّى قَوَّمَت

ضِلعاً عَلى أَضغانِها عَوجاءَ

وَمُضاعِنٍ مَلآنَ يَكتُمُ غَيظَهُ

جَزَعاً كَما كَتَمَ المَزادُ الماءَ

مُتَحَرِّقٌ فَإِذا رَأَتكَ لِحاظُهُ

نَسِيَت مَجامِعُ قَلبِهِ الشَحناءَ

وَأَمّا وجودُكَ إِنَّهُ قَسَمٌ لَقَد

غَمَرَ القُلوبَ وَأَنطَقَ الشُعَراءَ

وَأَنا الَّذي والَيتُ فيكَ مَدائِحاً

وَعَبَأتُ لِلباغي عَلَيكَ هِجاءَ

وَنَفَضتُ إِلّا مِن هَواكَ خَواطِري

نَفضَ المُشَمِّرِ بِالعَراءِ وِعاءَ

فَاِسلَم وَلا زالَ الزَمانُ يُعيرُني

طَمَعاً يَمُدُّ إِلى نَداكَ رَجاءَ

معلومات عن الشريف الرضي

الشريف الرضي

الشريف الرضي

محمد بن الحسين بن موسى، أبو الحسن الرضي العلوي الحسيني الموسوي. أشعر الطالبيين، على كثرة المجيدين فيهم. مولده ووفاته في بغداد. انتهت إليه نقابة الأشراف في حياة والده. وخلع عليه بالسواد،..

المزيد عن الشريف الرضي

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة الشريف الرضي صنفها القارئ على أنها قصيدة رثاء ونوعها عموديه من بحر الكامل


حرف الشاعر

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس