الديوان » العصر العثماني » ابن معصوم »

يقول راجي الصمد

يَقول راجي الصَمدِ

عليٌّ بن أَحمَدِ

حَمداً لمن هَداني

بالنُطق والبَيانِ

وأَشرفُ الصَلاةِ

من واهب الصِّلاتِ

عَلى النَبيِّ الهادي

وآله الأَمجادِ

وبعدُ فالكَلام

لحسنِه أَقسامُ

وَالقَولُ ذو فنون

في الجَدِّ والمجونِ

وروضةُ الأَريضُ

السجعُ وَالقَريضُ

وَالشعرُ ديوانُ العرب

وَكَم أَنالَ من أَرَب

فاِنسِل إذا رُمت الأدب

إِليه من كُلِّ حَدَب

روايةُ الأَشعارِ

تَكسو الأَديبَ العاري

وَترفعُ الوَضيعا

وَتكرمُ الشَفيعا

وتُنجحُ المآربا

وَتُصلحُ الموارِبا

وَتُطرب الإخوانا

وَتُذهِبُ الأَحزانا

وَتُنعشُ العُشّاقا

وَتؤنس المشتاقا

وَتَنسَخ الأَحقادا

وَتُثبِتُ الودادا

وَتُقدمُ الجَبانا

وَتَعطِف الغَضبانا

وَتَنعَت الحبيبا

والرشأ الرَبيبا

وَخيرُه ما أَطربا

مُستَمِعاً وأَعجَبا

وَهذه الأُرجوزَه

في فنِّها وَجيزَه

بَديعةُ الأَلفاظِ

تَسهُلُ للحُفّاظِ

تُطرب كلَّ سامعِ

بحسنِ لَفظٍ جامعِ

أَبياتُها قصورُ

ما شانَها قُصورُ

ضمَّنتُها مَعاني

في عِشرة الإخوانِ

تشرحُ للأَلباب

محاسنَ الآدابِ

فإنَّ حسنَ العِشرَة

ما حازَ قَومٌ عُشرَه

وأكثرُ الإخوانِ

في العصر والأَوانِ

صُحبَتُهم نِفاقُ

ما زانَها وِفاقُ

يَلقى الخَليلُ خلَّه

إذا أَتى محلَّه

بِظاهرٍ مُمَوَّهِ

وَباطنٍ مُشوَّهِ

يَظهرُ من صداقتِه

ما هو فوقَ طاقتِه

وَالقَلبُ منه خالي

كفارِغِ المَخالي

حتّى إِذا ما اِنصرَفا

أَعرض عَن ذاكَ الصَفا

وإن يكن ثَمَّ حَسد

أَنشَبَ إِنشاب الأسد

في عِرضِه مخالبَه

مستقصياً مثالبَه

مُجتَهِداً في غَيبَتِه

لَم يرع حقَّ غَيبتِه

فَهذه صحبةُ مَن

تَراه في هَذا الزَمن

فَلا تكن مُعتمدا

عَلى صديقٍ أَبدا

وان أَطقت أَلّا

تصحبَ منهم خِلّا

فإنَّك الموفَّقُ

بل السَعيدُ المطلَقُ

وإِن قصدتَ الصُحبَه

فخذ لها في الأُهبَه

واِحرِص على آدابها

تُعدّ من أَربابِها

واِستَنبِ عن شُروطها

توقَّ مِن مَسخوطها

وإِن أَردت علمَها

وحدَّها ورَسمَها

فاِستملهِ من رَجَزي

هَذا البَديعِ الموجَزِ

فإنَّه كَفيل

بشرحِه حَفيلُ

فصَّلتُه فُصولا

تقرِّبُ الوصولا

لمنهجِ الآداب

في صحبَة الأَصحابِ

تَهدي جَميع الصَحب

إِلى الطَريق الرَحبِ

سمَّيتُه إِذ أَطربا

بنظمه وأَغرَبا

بنَغمةِ الأَغاني

في عِشرة الإخوانِ

وَاللَّهَ رَبّي أَسأَلُ

وهو الكَريم المفضِلُ

إِلهاميَ الإمدادا

وَمَنحيَ السَدادا

قالوا الصديقُ من صَدق

في حُبِّه وما مَذَق

وَقيل من لن يُطعَنا

في قَوله أَنتَ أَنا

وَقيل لَفظٌ لا يُرى

معناه في هَذا الوَرى

وَفسَّروا الصَداقَة

بالحب حَسبَ الطاقَه

وَقال من قد أَطلقا

هيَ الودادُ مُطلَقا

وآخرونَ نصّوا

بأَنَّها أَخصُّ

وهو الصَحيح الراجح

وَالحَقُّ فيه واضحُ

إِذ خلَّة الصَديقِ

عند أولي التَحقيقِ

محبَّةٌ بلا غَرَض

وَالصدقُ فيها مُفترض

وَمطلقُ الحبِّ أَعم

ومن أَبى فقد زَعم

وَحدُّها المَعقولُ

عنديَ ما أَقولُ

هيَ بلا اِشتباهِ

أُخوَّةٌ في اللَهِ

إِذا صحبتَ فاِصحب

ذا حسَبٍ وَنَسَبٍ

رَبَّ صَلاحٍ وَتُقى

يَنهاه عَمّا يُتَّقى

من غيبةٍ وغدرِ

وَخدعةٍ ومكرِ

مهذَّبِ الأَخلاق

يطرُبُ للتَلاقِ

يحفظ حقَّ غَيبتِك

يَصونُ ما في عَيبتك

يَزينُه ما زانَكا

يَشينُه ما شانَكا

يَظهرُ منك الحَسَنا

وَيذكرُ المُستَحسَنا

وَيكتمُ المَعيبا

وَيحفظُ المَغيبا

يسرُّه ما سَرَّكا

ولا يُذيعُ سِرَّكا

إِن قالَ قَولاً صدقَك

أَو قلتَ أَنتَ صدَّقَك

وإِن شكوتَ عُسرا

أَفدتَ منه يُسرا

يَلقاكَ بالأَمانِ

من حادِث الزَمانِ

يُهدي لَكَ النَصيحَة

بنيَّةٍ صحيحَه

خِلَّتُه مُدانيَه

في السِرّ والعَلانيَه

صُحبتُه لا لِغرَض

فَذاكَ في القَلبِ مَرَض

لَم يَتَغيَّر إِن وَلي

عن الودادِ الأَوَّلِ

يَرعى عهود الصُحبَه

لا سيَّما في النَكبَه

لا يُسلِمُ الصَديقا

إِن نالَ يَوماً ضيقا

يُعينُ إِن أَمرٌ عنا

ولا يَفوهُ بالخَنا

يُولي ولا يعتذرُ

عمّا عليه يَقدِرُ

هَذا هو الأَخُ الثِقَه

المستحقُّ للمِقَه

إِن ظَفِرت يَداكا

به فكِد عِداكا

فإنَّه السِلاحُ

والكفُّ والجَناحُ

وَقَد رَوى الرُواةُ

السادةُ الثِقاةُ

عنِ الإِمام المرتضى

سيفِ الإله المُنتضى

في الصَحب والإخوان

أَنَّهمُ صِنفانِ

إخوانُ صدقٍ وثقه

وأَنفسٌ مُتَّفِقَه

هم الجناحُ واليدُ

وَالكَهفُ والمستَنَدُ

والأَهلُ والأقاربُ

أَدنَتهُمُ التَجارِبُ

ففَدِّهم بالروح

في القُربِ والنُزوحِ

واِسلُك بحيث سَلكوا

واِبذل لهم ما تملكُ

فَلا يَروكَ مالكا

من دونِهم لمالِكا

فصافِ من صافاهم

وَنافِ من نافاهمُ

واِحفظهمُ وصنهمُ

واِنفِ الظنونَ عنهمُ

فهم أَعزُّ في الوَرى

إِن عنَّ خطبٌ وعَرا

من أَحمرِ الياقوتِ

بل من حَلالِ القوتِ

وإخوةٌ للأنسِ

وَنيلِ حظِّ النَفسِ

هُم عُصبة المُجاملَة

لا الصدقِ في المعاملَه

منهم تصيبُ لذَّتَك

إذا الهموم بذَّتَك

فصِلهم ما وَصَلوا

واِبذل لهم ما بَذلوا

مِن ظاهرِ الصداقَه

بالبِشر والطَلاقَه

ولا تَسَل أَن أَظهروا

للودِّ عَمّا أَضمَروا

وأَطوِهم مدَّ الحُقب

طيَّ السجلِّ للكُتُب

وَقال بشرُ الحافي

بل عِدَّةُ الأَصنافِ

ثَلاثةٌ فالأَوَّلُ

للدينِ وهو الأَفضلُ

وآخَر للدُنيا

يَهديك نَجد العُليا

وَثالِثٌ للأُنسِ

لكونه ابنَ جنسِ

فاِعطِ كلا ما يَجِب

وعن سِواهم فاِحتَجِب

صَداقَةُ الإخوانِ

الخلَّصِ الأَعوانِ

لها شُروطٌ عِدَّة

على الرَخا والشِدَّه

الرِفقُ والتلطُّفُ

والودُّ والتعطُّفُ

وكثرةُ التعهُّدِ

لهم بِكُلِّ معهدِ

البِرُّ بالأَصحابِ

من أَحكم الأَسبابِ

والنُصح للإخوانِ

من أَعظمِ الإحسانِ

والصدقُ والتصافي

من أَحسن الأَوصافِ

دع خدع المودَّه

لأَوجهٍ مُسودَّه

فالمحضُ في الإخلاصِ

كالذَهب الخِلاصِ

حفظُ العهود وَالوَفا

حقٌّ لإِخوان الصَفا

عاملهُمُ بالصِدقِ

واِصحب بحسنِ الخُلقِ

والعَدلِ والإنصافِ

وقِلَّةِ الخِلافِ

ولاقِهم بالبِشرِ

وحيِّهم بالشُكرِ

صِفهُم بما يُستحسَنُ

وأَخفِ ما يُستهجنُ

وإن رأَيتَ هفوَه

فاِنصحهُمُ في خَلوَه

بالرَمزِ والإِشاره

وأَلطَفِ العبارَه

إِيّاكَ والتَعنيفا

وَالعَذَلَ العَنيفا

وإِن تُرِد عتابَهم

فَلا تُسئ خطابَهُم

وأَحسنُ العِتاب

ما كانَ في كتابِ

فالعتبُ في المشافَهه

ضَربٌ من المُسافهه

وعن إِمام النحل

قاتِل كلِّ مَحلِ

عاتب أَخاكَ الجاني

بالبِرِّ والإِحسانِ

حافِظ على الصَديق

في الوِسع والمضيقِ

فهو نَسيبُ الروح

ومَرهَمُ الجروحِ

وَفي الحَديث الناطقِ

عن الإِمام الصَادِقِ

من كانَ ذا حَميمِ

نجا من الجَحيمِ

لقول أَهل النارِ

وعصبةِ الكفّارِ

فما لنا من شافع

ولا صديق نافِعِ

والقربُ في الخَلائِقِ

أَمنٌ من البوائقِ

فقارب الإخوانا

وكن لهم مِعوانا

لا تَسمع المَقالا

فيهم وإِن تَوالى

فمن أَطاعَ الواشي

سارَ بليلٍ غاشِ

وضيَّع الصَديقا

وكذَّب الصدِّيقا

وإِن سمعتَ قيلا

يحتملُ التأويلا

فاِحملُهُ خَيرَ محمِل

فعلَ الرجال الكمَّلِ

وإن رأَيت وَهنا

فلا تَسُمهم طعنا

فالطعن بالكلام

عند أُولي الأَحلامِ

أَنفذُ في الجنان

من طعنة السِنانِ

فعدِّ عن زلّاتهم

وسدَّ من خِلّاتهم

سل عنهم إِن غابوا

وزرهم إِن آبوا

واستَنبِ عن أَحوالهم

وعفَّ عن أَموالهم

أَطعهمُ إِن أَمروا

وصِلهُم إِن هَجَروا

فقاطعُ الوِصالِ

كقاطع الأَوصالِ

إِن نصحوك فاقبَلِ

وإِن دَعَوا فأَقبِلِ

واِصدقهمُ في الوَعدِ

فالخُلفُ خُلقُ الوَغدِ

واِقبَل إذا ما اِعتَذَروا

إِلَيكَ مِمّا يُنكَرُ

واِرعَ صلاحَ حالِهم

واِشفق على إِمحالِهم

وَكُن لهم غياثا

إِذا الزَمان عاثا

وأَعطِهم ما أَمَّلوا

إِن أخصَبوا أَو أَمحَلوا

حَقيقةُ الصَديقِ

تُعرفُ عند الضيقِ

وَتُخبرُ الإِخوانُ

إِذا جَفا الزَمانُ

لا خَيرَ في إِخاء

يَكونُ في الرَخاءِ

وإنَّما الصَداقَه

في العُسر والإِضاقَه

لا تُدخَرُ المودَّه

إِلّا ليوم الشِدَّه

ولا تُعدُّ الخِلَّه

إِلّا لِسَدِّ الخلَّه

أَعِن أَخاك واِعضدِ

وكن له كالعَضُدِ

لا سيَّما إِن قَعدا

به زَمانٌ وعَدا

بئس الخَليلُ مننَكَل

من خِلِّه إِذا اتَّكل

لا تجفُ في حالٍ أَخا

ضنَّ الزَمانُ أَو سَخا

وَإِن شَكا من خَطبِهِ

فزِد من اللُطف بِهِ

واِسعَ لكشف كُربتِه

واِحفَظ عهودَ صُحبتِه

وَكُن له كالنور

في ظُلمَةِ الدَيجورِ

ولا تَدع ولا تَذر

ما تَستَطيعَ من نَظر

حتّى يَزولَ الهمُّ

وَيُكشَفَ المُلِمُّ

إِنَّ الصَديقَ الصادِقا

من فرَّج المَضايقا

وأَكرمَ الإِخوانا

إذا شَكوا هَوانا

وأَسعفَ الحَميما

وَحَمَل العَظيما

وَأَنجدَ الأَصحابا

إِن رَيبُ دَهرٍ رابا

أَعانَهم بمالِهِ

وَنَفسِهِ وآلِهِ

ولا يُرى مُقصِّرا

في بذل مالٍ وقِرى

فعلَ أَبي أمامَه

مَع خِلِّهِ الحَمامَه

فإن أَردتَ فاِسمَعِ

حديثَه كيما تَعي

رَوى أُولو الأَخبارِ

وَناقِلو الآثارِ

عن سِرب طيرٍ سارب

من الحَمام الراعبي

بكَّرَ يوماً سَحرا

وَسار حتّى أَصحَرا

في طَلَبِ المعاشِ

وهو ربيطُ الجاشِ

فأَبصَروا على الثَرى

حبّاً مُنقّى نُثِرا

فأَحمَدوا الصَباحا

واِستيقَنوا النَجاحا

وأَسرَعوا إليهِ

وأَقبَلوا عليهِ

حتّى إِذا ما اصطَفّوا

حذاءَهُ أَسفّوا

فَصاحَ منهم حازمُ

لنُصحِهم مُلازمُ

مهلاً فكم مِن عَجَلَه

أَدنَت لحيٍّ أَجلَه

تمهَّلوا لا تَقعوا

وَأَنصِتوا لي واِسمَعوا

إِليَّةً بالرَبِّ

ما نثرُ هَذا الحَبِّ

في هذه الفَلاةِ

إِلّا لخَطبٍ عاتِ

إِنّي أَرى حبالا

قد ضُمِّنَت وبالا

وَهذه الشِباكُ

في ضِمنِها الهلاكُ

فَكابدوا المجاعَة

وأَنظِروني ساعَه

حتّى أَرى وأَختَبِر

والفَوزُ حظُّ المصطَبِر

فأَعرَضوا عن قَولِهِ

واِستضحكوا من هَولِهِ

قالوا وقد غَطّى القدر

للسَمعِ منهم والبَصَر

لَيسَ على الحَقِّ مِرا

حبٌّ مُعدُّ للقِرى

ألقيَ في التُرابِ

للأَجرِ والثَوابِ

ما فيه من محذورِ

لجائعٍ مضرورِ

أَغدوا على الغداءِ

فالجوعُ شَرُّ داءِ

فَسَقطوا جَميعا

للقطه سَريعا

وما دروا أَنَّ الرَدى

أكمِنَ في ذاك الغَدا

فوقعوا في الشَبَكَه

وأَيقَنوا بالهَلَكه

وَنَدِموا وما النَدم

مُجدٍ وقد زلَّ القدَم

فأَخذوا في الخَبطِ

لحلِّ ذاكَ الرَبطِ

فاِلتوتِ الشِباكُ

واِلتفَّت الأَشراكُ

فقالَ ذاكَ الناصحُ

ما كُلُّ سَعيٍ ناجحُ

هَذا جزاءُ من عَصى

نَصيحةً واِنتَقَصا

للحرصِ طَعمٌ مُرُّ

وشرُّه شِمِرُّ

وكم غَدَت أمنيّه

جالِبَةً مَنيَّه

وَكَم شقاً في نِعم

وَنقمٍ في لُقَمِ

فَقالَت الجَماعَه

دَعِ الملامَ الساعَه

إِن أَقبل القنّاصُ

فما لنا مناصُ

وَالفكرُ في الفَكاكِ

من ورطةِ الهَلاكِ

أَولى من الملامِ

وكثرة الكَلامِ

وما يُفيدُ اللاحي

في القَدَر المُتاحِ

فاِحتل على الخلاصِ

كحيلةِ ابن العاصِ

فقال ذاكَ الحازِمُ

طوع النَصيح لازِمُ

فإن أَطعتُم نُصحي

ظفرتُم بالنُجحِ

وإِن عصيتُم أَمري

خاطرتُمُ بالعُمرِ

فَقالَ كُلٌّ هاتِ

فكركَ في النَجاةِ

جميعُنا مطيعُ

لما تَرى سَريعُ

وَليس كُلُّ وَقتِ

يضلُّ عقلُ الثَبتِ

فقالَ لا تَرتَبِكوا

فَتَستَمرَّ الشَبَكُ

واتَّفِقوا في الهمَّة

لهذه المُلِمَّه

حتّى تَطيروا بالشرك

وتأَمنوا من الدَرك

ثمّ الخَلاصُ بَعدُ

لكم عليَّ وعدُ

فقبلوا مقالَهُ

واِمتَثلوا ما قالَهُ

واِجتَمِعوا في الحركَه

واِرتفَعوا بالشَبكَه

فقال سيروا عَجَلا

سيراً يَفوتُ الأَجَلا

ولا تَملّوا فالمَلَل

يعوقُ وَالخَطبُ جَلل

فأمَّهُم وراحوا

كأَنَّهم رياحُ

وأَقبَلَ الحَبّالُ

في مشيهِ يَختالُ

يحسبُ أَنَّ البَركه

قد وَقَعَت في الشَبكَه

فأَبصرَ الحَماما

قد حلَّقَت أَماما

وقلَّت الحِبالَه

وأَوقَعَت خَبالَه

فعضَّ غيظاً كفَّه

على ذَهاب الكُفَّه

وَراح يَعدو خَلفَها

يَرجو اللَحاقَ سفها

حتّى إِذا ما يَئِسا

عادَ لها مُبتَئِسا

وأَقبلَ الحَمامُ

كأَنَّه الغَمامُ

على فلاة قفرِ

من الأَنام صفرِ

فَقالَت الحمامَه

بُشراكُم السَلامَه

هَذا مقامُ الأَمنِ

من كُلِّ خوفٍ يَعني

فإن أَردتُم فقَعوا

لا يَعتَريكم جَزَعُ

فهذه المَوماةُ

لنا بها النَجاةُ

وَلي بها خَليلُ

إِحسانُه جَليلُ

يُنعمُ بالفِكاكِ

من رِبقةِ الشِباكِ

فلجأَوا إِليها

ووقَعوا عليها

فنادتِ الحمامَه

أَقبل أَبا أمامَه

فأَقبلت فوَيره

كأَنَّها نُوَيره

تَقول من يُنادي

أَبي بِهَذا الوادي

قال لها المُطوّقُ

أَنا الخَليلُ الشيّقُ

قولي لها فليخرجِ

وآذنيهِ بالمجي

فرجعت وأَقبلا

فأرٌ يهدُّ الجَبَلا

فأبصرَ المطوَّقا

فضمَّه واِعتَنقا

وَقال أَهلاً بالفَتى

وَمَرحباً بمن أَتى

قدمت خَيرَ مقدم

على الصَديق الأَقدمِ

فاِدخل بيمنٍ داري

وشرِّفَن مِقداري

واِنزل برحبٍ ودعه

وجَفنةٍ مُدَعدَعَه

واِشفِ جوى القلوبِ

بوصلكَ المطلوبِ

فالشوقُ للتَلاقي

قد بَلَغ التَراقي

فقال كيفَ أَنعَمُ

أَم كَيفَ يَهنى المَطعَمُ

وَهَل يطيبُ عيشُ

أَم هَل يقرُّ طيشُ

وأسرَتي في الأَسرِ

يَشكونَ كلَّ عُسرِ

أَعناقُهم في غلِّ

وكلُّهم في ذلِّ

فقال مُرني أَئتمِر

عَداك نحسٌ مُستَمِر

قال ِاقرض الحِبالَه

قَرضاً بلا مَلالَه

وخلِّص الأَصحابا

واِغتنم الثَوابا

وحُلَّ قيدَ أَسرِهم

وَفُكَّهم مِن أَسرِهم

قال أَمرت طائِعا

وَعبدَ ودٍّ سامِعا

فقرَضَ الشِباكا

وَقَطَّع الأَشراكا

وَخلَّصَ الحماما

وَقَد رأَى الحِماما

فأَعلَنوا بحمدِه

واِعترَفوا بمَجدِه

فَقال قُرّوا عَينا

ولا شكوتُم أَينا

وقدَّم الحُبوبا

للأَكلِ والمشروبا

وَقام بالضِيافَه

بالبِشر واللَطافَه

أَضافَهم ثَلاثا

من بعدِ ما أَغاثا

فقال ذاك الخِلُّ

الخَيرُ لا يُمَلُّ

فُقتَ أَبا أمامَه

جوداً على ابن مامَه

وجئتَ بالصَداقه

بالصِدق فوقَ الطاقه

أَلبستنا أَطواقا

وزدتَنا أَطواقا

من فعلكَ الجَميلِ

وفضلك الجَزيلِ

مثلُك من يُدَّخَرُ

لِرَيب دهرٍ يُحذَرُ

وَيَرتَجيه الصَحبُ

إِن عنّ يوماً خطبُ

فأذَن بالانصرافِ

لنا بلا تجافي

دامَ لك الإنعامُ

ما غرَّد الحَمامُ

وَدمتَ مشكور النِعم

ما رنَّ شادٍ بنَغَم

فقال ذاكَ الفارُ

جَفا الصَديقَ عارُ

وَلَستُ أَرضى بُعدَكم

لا ذقتُ يَوماً فقدَكم

وَلا أَرى خِلافَكم

إِن رمتُمُ انصِرافَكم

عمَّتكُمُ السَلامَه

في الظعن والإِقامَه

فودَّعوا وانصرفوا

وَالدَمعُ منهم يذرفُ

فاِعجب لِهَذا المَثَل

المُعرَب المؤثَّل

أَوردتُه ليُحتَذى

إذا عرا الخلَّ أَذى

الصدقُ في الودادِ

يَقضي بالاتِّحادِ

في النَعتِ والصِفاتِ

والحالِ والهيئاتِ

فَيَكتَسي المشوقُ

ما كُسيَ المعشوقُ

حتّى يُظَنُّ أَنَّه

من الحَبيب كُنهُهُ

لشدَّةِ العلاقَة

وَالصدقِ في الصَداقَه

وَهذه القضيَّة

في حُكمها مَرضيَّه

أَثبتَها البَيانُ

وَالنَقلُ والعيانُ

لذاكَ قال الأَوَّلُ

وَالحقُّ لا يؤوَّلُ

نحن من المساعَدَه

نَحيا بروحٍ واحِدَه

وَمثَّلوا بالجَسَد

وَالروحِ ذي التجرُّدِ

فالروح إِن أَمرٌ عَنا

تَقولُ للجسم أَنا

وقال جدُّ الناظم

مستَنَدُ الأَعاظِمِ

من للعلومِ قد نَشر

منصور أستاذُ البَشر

ولمُّ هَذا الحكم

لم يقترن بعلِمِ

وأَنَّه قد ظهرا

مُشاهَدا بِلا مِرا

فمنه ما جَرى لي

في غابر اللَيالي

أَصابَني يوماً أَلَم

من غير إِنذارٍ أَلَم

فاِحترتُ منه عَجبا

لمّا فقدتُ السَبَبا

واِستغرقَتني الفِكَرُ

حتّى أَتاني الخبَرُ

أَنَّ صَديقاً لي عَرض

لجسمه هذا المرض

فاِزداد عندَ علمي

تصديقُ هَذا الحُكم

فالصِدق في المحبَّة

يوجبُ هذي النِسبَه

فكن صَديقاً صادِقاً

ولا تكن مُماذِقا

حتّى تَقولَ معلِنا

إِنّي ومَن أَهوى أَنا

تزاوُرُ الإخوانِ

مِن خالِص الإيمانِ

إِنَّ التآخي شجَرَه

لها التَلاقي ثمَرَه

لا تترك الزِيارَه

فتركُها حَقارَه

كُلُّ أَخٍ زَوَّارُ

وإِن تَناءَت دارُ

وَقَد رأوا آراءَ

واِختَلَفوا أَهواءَ

في الحَدِّ للزياره

وَالمدَّةِ المُختارَه

فَقيلَ كلَّ يَوم

كالشَمسِ بين القَومِ

وَقيل كلَّ شَهرِ

مثلَ طلوع الشَهرِ

وَقيل ما نصَّ الأَثر

عليه نَصّاً واِشتهر

زر من تحبُّ غِبّا

تَزدَد إِليهِ حُبّا

واِختلفوا في الغَبِّ

عَن أَيِّ معنىً يُنبي

فَقيل عن أَيّام

خَوفاً من الإِبرام

وقيل عن أسبوعِ

وقفاً على المَسموعِ

وقيل بل معناهُ زُر

يوماً ويوماً لا تَزُر

فاِعمل بما تَراه

في وَصلِ من تَهواهُ

وَزُر أَخاكَ عارفا

بحقّه مُلاطفا

وإِن حَلَلتَ مَنزلَه

فاِجعل صَنيع الفضل لَه

واِقبَل إِذا ما راما

منه لك الإِكراما

فمن أَبى الكَرامةَ

حلَّت به المَلامَه

وإِن أَتاكَ زائِرا

فانهض إِليه شاكِرا

وَقُل مقالَ من شكَر

فضلَ الصَديق وذكَر

إِن زارَني بفضلِهِ

أَو زرتُه لِفَضله

فالفَضلُ في الحالين له

وَوصلُ من تَهوى صِلَه

وَالضمُّ والمصافَحَه

مِن سُنَّة المُصالحَه

أَو كانَ يومُ عيدِ

أَو جاءَ من بَعيدِ

هَذا هو المَشهورُ

يصنعُه الجمهورُ

وَقَد أَتى في الأَثَرِ

عن النَبيِّ المُنذِرِ

تصافُحُ الإخوانِ

يُسنُّ كلَّ آنِ

ما اِفترَقا واِجتَمعا

يغشاهُما الخَيرُ معا

إن رمتَ أَن تُحدِّثا

بِما مَضى أَو حَدَثا

لتؤنسَ الأَصحابا

فأَحسِن الخِطابا

واختصرِ العِباره

ولا تكن مهذارَه

واختَر من الكَلامِ

ما لاقَ بالمقامِ

من فائق العلومِ

ورائِق المنظومِ

واِذكر من المنقولِ

ما صحَّ في العقولِ

واِجتنب الغَرائِبا

كي لا تُظنَّ كاذِبا

وإِن أَخوكَ أَسمَعا

فكن له مُستَمِعا

واِلزمَ له السُكاتا

وأَحسِن الإِنصاتا

ولا تكن ملتفتا

عنه إِلى أَن يَسكُتا

وإِن أَتى بنقلِ

سمعتَه من قَبلِ

فَلا تَقُل هَذا الخَبَر

علمتُه فيما غَبَر

ولا تكذِّب ما رَوى

وَدَع سَبيلَ من غَوى

المزح والدُعابَه

من شيمِ الصَحابَه

فإنَّه في الخَلق

عنوانُ حُسنِ الخُلقِ

تولي به السُرورا

خَليلَك المَصدورا

فاِمزَح مزاحَ من قسَط

وَكُن على حَدٍّ وَسَط

واِجتَنِب الإِيحاشا

ولا تَكُن فحّاشا

فالفُحشُ في المزاحِ

ضربٌ من التَلاحِ

يجرُّ للسَخيمَه

والظنَّة الوَخيمَه

وَجانبِ الإكثارا

وحاذرِ العِثارا

فكثرةُ الدُعابَه

تذهبُ بالمَهابَه

وعثرةُ اللِسانِ

توقع بالإِنسانِ

واِحمل مزاحَ الإِخوَه

وخلِّ عنكَ النَخوَه

فالبَسطُ في المصاحَبَه

يُفضي إلى المُداعَبَه

وإِن سمعتَ نادِرَه

فلا تفُه ببادِرَه

لا تَغضبنَّ فالغَضَب

في المزح من سوء الأَدَب

واِنظر إِلى المَقام

وَقائِل الكَلامِ

فإن يَكُن وليّا

وصاحباً صَفيّا

فَقَولُه وإِن نَبا

فهو الوَلاءُ المُجتَبى

وإِن يَكُن عدوّا

وكاشِحاً مجفوّا

فَقَولُه وإِن حَلا

لسامعٍ هو البَلا

أَلا تَرى لِلعرب

تقول عند العَجَبِ

قاتَلَهُ اللَه ولا

تَقولُ ذاكَ عن قِلى

إذا صَديقٌ طَرَقا

من غير وَعدٍ سبقا

فقَدّمَنَّ ما حضَر

فَلَيسَ في البِرِّ خَطر

ولا تَرُم تكلُّفا

خَيرُ الطَعام ما كَفى

واِعلم بأَنَّ الألفَه

مُسقِطَةٌ للكُلفَه

وإِن دعوت فاِحتفِل

ولا تَكن كمَن بَخِل

وَقُم بحقِّ الضَيفِ

في شَتوةٍ وصَيفِ

واِسألهُ عَمّا يَشتَهي

من طُرَف التفكُّهِ

وأتِ بما يقترحُ

فاللُطف لا يُستَقبَحُ

واِعمل بقول الأَوَّلِ

الضَيفُ ربُّ المَنزلِ

وأظهرِ الإِيناسا

ولا تكن عبّاسا

فالبِشرُ واللَطافَه

خَيرٌ من الضِيافَه

وَخدمةُ الأَضيافِ

سجيَّةُ الأَشرافِ

اِحرص على سُرورهم

بالبَسطِ في حضورِهم

لا تشكُ دهراً عندهم

ولا تكدِّر وِردَهم

واِحلَم عن الخُدّام

في الفِعل والكَلام

وإِن أَساؤوا الأَدَبا

كَي لا يَروكَ مُغضَبا

وقدِّم الخِوانا

وأَكرِم الإخوانا

عن انتظارِ مَن يَجي

فَذاكَ فعلُ الهَمَجِ

وَقَد رووا فيما وَرَد

أَعظمُ ما يُضني الجَسَد

مائِدَةٌ يُنتظرُ

بأَكلها من يَحضرُ

آنِسهُمُ في الأَكلِ

فعلُ الكَريم الجَزلِ

وأَطل الحَديثا

ولا تكن حَثيثا

فاللَبث بالطَعام

من شيمِ الكِرامِ

وَشيِّع الأَضيافا

إِن طَلَبوا انصِرافا

وإِن دَعاك من تُحب

إِلى طَعامٍ فأَجِب

إِجابةُ الصديق

فرضٌ على التَحقيقِ

فإن أَجبتَ دَعوتَه

فاِحذَر وجانِب جَفوتَه

ولا تَزُر بصاحب

أَو أَحد الأَقارِبِ

واِجلِس بحيثُ أَجلسَك

وأنَس به ما آنسك

لا تأبَ مِن كرامتِه

وكفَّ عن غرامتِه

إِيّاكَ والتَنقيلا

ولا تكن ثَقيلا

لا تَحتَقِر ما أُحضرا

ولا تَعب ما حَضَرا

فالذَمُّ للطَعام

من شيمةِ الطَغامِ

لا تَحتَشِم من أَكلِ

كَفعلِ أَهلِ الجَهلِ

ما جيءَ بالطَعام

إِلّا للالتِقامِ

عيادةُ العَليلِ

فرضٌ على الخَليلِ

فعُد أَخاكَ إن مَرِض

واعمَل بحكم ما فُرِض

وسَله عن أَحوالِه

باللُطف في سؤالِهِ

وسلِّه عمّا بِهِ

يسلُ عن اِكتئابِهِ

واِدعُ له بالعافيهِ

والصَحَّةِ الموافيَه

واِحذر من التَطويلِ

وضَجرِ العَليلِ

فمُكثُ ذي الصَداقَه

قدرُ احتلاب الناقَه

إِلّا إِذا ما اِلتَمَسا

بِنفسِهِ أَن تَجلِسا

وَالعَودُ للعيادَه

بعدَ ثَلاثٍ عادَه

هَذا لِمَن أَحبّا

وَإِن يَشا فغِبّا

وسنَّةُ المعتلِّ

إِيذانُ كلِّ خلِّ

ليقصدوا وِفادَتَه

وَيَغنَموا عيادَتَه

وليَترُكِ الشِكايَه

وَيكتُم النِكايه

عن عائِدٍ وزائِرِ

فعلَ الكَريم الصابرِ

وَليحمَد اللَه على

بلائِه بما اِبتَلى

ليُحرزَ الثَوابا

والأَجرَ والصَوابا

تَواصُلُ الأَحباب

في البُعد بالكتابِ

فكاتِبِ الإِخوانا

ولا تكُن خَوّانا

فتركُكَ المكاتَبه

ضربٌ من المجانَبَه

والبَدءُ للمسافِرِ

في الكُتبِ لا لِلحاضِرِ

وَالردُّ للجواب

فرضٌ بلا اِرتيابِ

لا تَصحبنَّ الأَحمقا

المائقَ الشَمَقمَقا

عدوُّ سوءٍ عاقلُ

ولا صديقٌ جاهلُ

إنَّ اِصطِحابَ المائِق

من أَعظمِ البوائقِ

فإنَّه لحُمقِهِ

وغوصِه في عُمقِهِ

يحبُّ جَهلاً فعلَه

وأن تكونَ مثلَه

يَستحسنُ القَبيحا

وَيُبغضُ النَصيحا

بيانُه فَهاهَه

وحِلمُه سَفاهَه

وربَّما تمطّى

وَكَشَفَ المُغَطّى

لا يحفظُ الأَسرارا

ولا يخافُ عارا

يَعجبُ من غير عَجَب

يَغضبُ من غير غَضَب

كثيرُه وجيزُ

ليس له تَمييزُ

وربَّما إذا نَظَر

أَرادَ نَفعاً فأَضَر

كَفعل ذاك الدُبِّ

بخِلِّهِ المحبِّ

رَوى أُولو الأَخبار

عن رجلٍ سيّارِ

أَبصرَ في صَحراء

فسيحةِ الأَرجاءِ

دُبّاً عَظيماً موثَقا

في سَرحةٍ معلَّقا

يَعوي عواءَ الكَلبِ

من شِدَّةٍ وكَربِ

فأَدركتهُ الشَفقَه

عليه حتّى أَطلقَه

وحلَّه من قيدِهِ

لأمنِه من كيدِهِ

وَنام تحت الشَجَره

منامَ من قد أَضجرَه

طولُ الطَريق والسَفر

فَنامَ من فَرطِ الضَجر

فجاءَ ذاكَ الدُبُّ

عن وجههِ يَذُبُّ

وَقال هَذا الخِلُّ

جَفاهُ لا يحِلُّ

أَنقذَني من أَسري

وفكَّ قيدَ عُسري

فحقُّه أَن أَرصُدَه

من كُلِّ سوءٍ قصدَه

فأقبلت ذُبابَه

ترنُّ كالرَبابَه

فوقَعَت لحَينِه

على شفارِ عَينِهِ

فَجاشَ غيظُ الدُبِّ

وَقال لا ورَبّي

لا أَدعِ الذُبابا

يسومُه عَذابا

فأسرَع الدَبيبا

لصَخرةٍ قَريبا

فقَلَّها وأَقبَلا

يَسعى إِليه عَجِلا

حتّى إِذا حاذاهُ

صكَّ بها مَجلاهُ

ليقتُلَ الذُبابَه

من غير ما إِرابَه

فرضَّ منه الراسا

وفرَّق الأَضراسا

وأَهلكَ الخَليلا

بقصدِه الجَميلا

فهذه الروايَه

تنهى عن الغوايَه

في طَلب الصَداقَه

عند أُولي الحَماقَه

إِذ كانَ فعلُ الدُبِّ

هَذا لفرطِ الحُبِّ

وجاءَ في الصَحيح

نَقلا عن المَسيحِ

عالجتُ كلَّ أَكمَهِ

وأَبَرصٍ مشوَّهِ

لكنَّني لم أُطِق

قَطُّ علاجَ الأَحمقِ

مَودَّةُ البَخيلِ

جهلٌ بلا تأويلِ

يَستكثرُ القَليلا

ويحرمُ الخَليلا

يبخل إِن جدبٌ عَرا

ولا يجودُ بالقِرى

يمنعُ ذا الودادِ

مواردَ الإمدادِ

يَقول لا إِن سُئِلا

بخلاً ويوليه القِلى

يحرمُه ما عندَه

ولا يُراعي ودَّه

إِن رامَ منه قَرضا

رأَى البِعاد فَرضا

يَضيقُ بالزَهيدِ

في الزَمن الشَديدِ

فصُحبةُ الشَحيحِ

تمسُّكٌ بالريحِ

لا تحسب المودَّة

تحلُّ منه عُقدَه

إِنَّ وجوهَ الحيله

في البُخلِ مُستحيلَه

واِسمع حَديثاً عجبا

قد نقلته الأُدَبا

في البُخل عن مُزيِّد

مع رَبربٍ لتَهتَدي

حَكى أُولو الأَخبار

وَناقِلو الآثارِ

عن غادَةٍ عُطبولِ

تلعبُ بالعقولِ

بطَرفها الكحيلِ

وخصرها النَحيلِ

وخدِّها المورَّدِ

وَصدغِها المزرَّدِ

وَقدِّها القَضيب

ورِدفها الكَثيبِ

وتَعمرُ المغاني

برنَّة الأَغاني

كانَت تُسمّى رَبرَبا

تُحيي النفوسَ طَرَبا

وكانَت الأَشرافُ

والسادةُ الظِرافُ

يجمعهُم مَغناها

ليسمَعوا غِناها

وكان مَولاها فَتى

بكلِّ ظرفٍ نُعِتا

فاِجتَمعَت جماعه

للبَسطِ والخَلاعَه

واِستطردوا في النَقل

لذكرِ أَهلِ البُخلِ

فاتَّفقوا بأَسرِهم

أَن لَم يَروا في عَصرِهم

ولا رأَوا فيما مَضى

منالزَمانِ واِنقضى

بل لا يكونُ أَبَدا

شَخصاً عَلا مزيِّدا

في بُخلِه والشُحِّ

وحِرصه المُلحِّ

فَقالَت الفَتاةُ

الغادةُ الأَناةُ

إِني لكم كفيلَه

بأَخذِه بالحيلَه

حتّى يجودَ بالذَهب

وَيستقلَّ ما وَهَب

فَقال مَولاها لها

أُشهِدُ أَربابَ النُهى

إِن تخدَعي مُزيّدا

عَن دِرهَمٍ لا أَزيَدا

لأنثرنَّ الذَهبا

عليكِ حتّى يَذهَبا

قالَت إِذا جاءَ فلا

تحجِبه عنّي عجلا

وخلِّ عنكَ الغيره

ولا تنفّر طَيرَه

فقال أَقسَمتُ بمن

حلّاكِ بالخلقِ الحسَن

لأَرفعنَّ الغَيرَه

وَلَو حَباكِ أه

فأرسلوا رسولا

يسأَله الوصولا

فجاءَهم عَشيَّه

وأَحسَنَ التَحيَّه

فأَهَّلوا ورَحَّبوا

حتّى إِذا ما شَرِبوا

تَساكَروا عَن عَمد

وَهوَّموا عَن قَصدِ

كيما يَروا وَيَسمَعوا

لربربٍ ما تصنَعُ

فعندَما رأَتهُمُ

قد سكِروا وهوَّموا

مالَت إِلى مزيِّدِ

بالبِشر والتودُّدِ

وأَقبلَت عليه

مشيرةً إِليهِ

قالَت أَبا إِسحاق

نَعِمتَ بالتَلاقي

كأَنَّني بنفسِكا

إِذ غرِقَت بأنسِكا

تَهوى بأن أغنّي

سار الفَريقُ عنّي

فَقالَ زوجي طالقُ

وَخدمي عتائقُ

إِن لَم تكوني عارِفَه

بالغيب أَو مكاشفَه

فأَسمعَتهُ وطَرِب

ثمَّ سقته فشرِب

وَخاطبته ثانيه

بلطفها مُدانيَه

قالَت أَبا إسحاق

يا سيِّدَ الرِفاقِ

إنّي أَظنُّ قَلبَكا

يَهوى جلوسي قُربَكا

لتلثمَ الخدودا

وتَقطفَ الورودا

فَقال ما لي صَدقَه

واِمرأَتي مُطَلَّقه

إِن لَم تَكوني في الوَرى

مِمَّن مَضى وغَبَرا

عالمةً بالغَيبِ

حقّاً بغيرِ رَيبِ

فنهضَت إليه

وَجلسَت لدَيهِ

فضمَّها وقبَّلا

وقال نلتُ الأَمَلا

يا غُرَّة الغَواني

وَمُنتهى الأَماني

تَفديكِ أُمّي وأَبي

وكلُّ شادٍ مُطربِ

فحين ظنَّت أَنَّها

قد أَوسَعَته مَنَّها

قالَت له أَلا تَرى

لِزلَّةٍ لن تُغفَرا

من هؤلاء القَومِ

في مثل هَذا اليومِ

يَدعونني للطَربِ

وكلُّهم يأنسُ بي

وَلَم يكن منهم فَتى

للبِرِّ بي مُلتَفِتا

فَيَشتَري رَيحانا

بدرهمٍ مجّانا

فهاتِ أَنت دِرهَما

وَفُقهُم تكرُّما

فَقامَ عنها وَوثب

وَصاحَ يَدعو مِن كَثَب

وَقال مه أَي زانيَه

صُليتِ ناراً آنيَه

دنَّستِ علم الغَيبِ

منكِ بكلِّ عَيبِ

فضَحِكَ الأَقوامُ

من فعلِهِ وقاموا

وَعَلِموا أَنَّ الخُدَع

لَم تُجدِ في ذاك الكُتَع

فأَقبلَت باللَوم

عليه بينَ القَومِ

فسبّها وأَغضبا

وَقام عنهم مُغضَبا

فهذه الحِكايَه

تَكفي أولي الهِدايَه

في شيمة البَخيل

وَدائِه الدَخيلِ

صَحابَةُ الكذّاب

كَلامِع السَرابِ

يَخلقُ ما يَقولُ

معلومُهُ مَجهولُ

يقرِّبُ البَعيدا

وَيؤمنُ الوَعيدا

وَيُخلفُ المَوعودا

وَلا يَلينُ عودا

يَمينُ في اليَمينِ

وَلَيسَ بالأَمينِ

وَفي كلام الأُدبا

العُلماء النُجَبا

لَم يُرَ في القبائح

وَجُملة الفَضائِح

كالكِذب أَوهى سَبَبا

ولا أَضلَّ مَذهَبا

ولا أَغرَّ طالِبا

ولا أَذلَّ صاحِبا

يُسلِمُ من يَعتصمُ

به ومن يَلتَزِمُ

طلوعُه أفولُ

وفضلُه فُضولُ

غَليلُه لا يُنقعُ

وَخَرقُه لا يُرقَعُ

صاحبُهُ مُكذَّبُ

وَفي غَدٍ مُعذَّبُ

فجانبِ الكذّابا

وأَولِهِ اِجتِنابا

فاِسمع حَديثاً عجبا

في رفض مَن قد كَذَبا

رَوى أُولو الأَخبارِ

وَناقِلوا الآثارِ

عَن حَدَثٍ ذي أَدَبِ

وَخُلُقٍ مُهذَّبِ

يَسكن في بغداد

في نعمة تِلادِ

فارق يوماً والدَه

وَطِرفَه وتالِدَه

وحلَّ أَرضَ البَصرَه

بلوعةٍ وحَسرَه

فظَلَّ فيها حائِرا

يكابدُ الفواقِرا

وَلَم يَزَل ذا فَحصِ

يسأل كلَّ شَخصِ

عمَّن بها من نازِلِ

وَفاضلٍ مُشاكِلِ

فوَصَفوا نَديما

ذا أَدب كَريما

يُنادِمُ المهلَّبي

وهو أَميرُ العَرَبِ

فأمَّه وقصَدَه

وحين حلَّ مَعهَدَه

عرَّفه بأَمرِه

وحلوِهِ ومرِّهِ

فَقال أَنت تصلحُ

بل خَيرُ من يُستملَحُ

لصحبةِ الأَميرِ

السيِّد الخَطيرِ

إِن كنتَ مِمَّن يصبرُ

لخَصلةٍ تُستَنكَرُ

فقالَ أَيُّ خَصلَة

فيه تُنافي وَصلَه

فَقال هَذا رَجلٌ

لا يَعتَريه المَللُ

من اِفتراءِ الكَذبِ

في حزَنٍ وَطَرَبِ

فان أَردتَ طولَه

فَصدِّقنَّ قولَه

في كُلِّ ما يَختلقُ

وَيَفتَري وَينطقُ

حَتّى تَنالَ نائلَه

ولا تَرى غوائِلَه

قال الفَتى سأَفعلُ

ذاكَ وَلستُ أَجهلُ

فذهب النَديمُ

وهوَ بِه زَعيمُ

فعرَّفَ الأَميرا

بفضلهِ كثيرا

حتّى دَعا فحضَر

وسَرَّهُ عند النَظر

فراشَه في الحالِ

بكسوةٍ ومالِ

فَلازمَ الملازمه

للأُنس والمنادَمَه

وَلَم يزل يصدِّقُه

في كُلِّ إفكٍ يخلقُه

فَقال يَوماً واِفتَرى

بهتاً وكذباً مُنكرا

لي عادةٌ مُستحسَنه

أَفعلُها كلَّ سنَه

أَطبخُ للحُجّاج

من لحمِ الدَجاجِ

في فَردِ قدرٍ نُزلا

يكفي الجَميعَ أكلا

فحارَ ذلك الفَتى

من قوله وبَهُتا

وَقال لَيتَ شعري

ما قدرُ هَذا القِدر

هَل هي بئرُ زمزم

أَم هيَ بحرُ القُلزم

أَم هيَ في الفَضاءِ

باديةُ الدَهناءِ

فغضِبَ الأَميرُ

وَغاظَه النَكيرُ

فقال ردُّوا صِلَته

منه وقدّوا خِلعتَه

وأَخرجوهُ الآنا

عنّا فَلا يَرانا

فندِمَ الأَديبُ

وَساءَه التَكذيبُ

وَعاودَ النَديما

لعذره مقيما

وقال منذُ دهر

لَم أَشتَغِل بسُكرِ

فغالَني الشَرابُ

وحاقَ بي العَذابُ

وَقُلتُ ما لا أَعقلُ

وَالهفوُ قَد يُحتَمَلُ

فَسَل ليَ الإغضاءَ

وَالعَفوَ والرضاءَ

قال النَديمُ إِنّي

أُرضيه بالتأنّي

بشرط أَن تُنيبا

وَتتركَ التَكذيبا

فراجع الأَميرا

واِستوهبَ التَقصيرا

واِستأنفَ الإِنعاما

عليهِ والإِكراما

فعاد للمنادَمه

باللُطف والملاءَمه

فكان كلَّما كذب

وَقال إِفكاً واِنتدَب

صدَّقه وأَقسما

بكونه مسلِّما

حتّى جرى في خبر

ذكرُ كلابِ عَبقَرِ

ووصفُها بالصغر

وَخلقُها المختصرِ

قال الأَميرُ وابتكر

ليس العيانُ كالخبر

قد كانَ منذ مدَّه

لديَّ منها عِدَّه

أَضعُها في مكحلَه

للهَزل والخُزَعبَلَه

وكان عندي مَسخَره

أَكحلُ منها بصرَه

فَكانَت الكِلابُ

في عينهِ تَنسابُ

وَهي على مجونِه

تنبحُ من جفونِهِ

فَقام ذلكَ الفَتى

يَقولُ لا عشتُ متى

صدَّقتُ هَذا الكَذِبا

شاءَ الأَميرُ أَو أَبى

وردَّ ما كساهُ

به وما حباهُ

وَراحَ يعدو عاريا

من البلاءِ ناجيا

وَصحبةُ الأَشرارِ

أَعظمُ في الإِضرارِ

من خدعةِ الأَعداء

ومن عُضال الداءِ

يقبِّحون الحسَنا

ودأبُهم قولُ الخَنا

شأنُهم النَميمَه

والشيم الذَميمَه

إذا أَردت تصنعُ

خَيراً بشخصٍ منَعوا

الغلُّ فيهم والحسَد

والشرُّ حبلٌ من مَسَد

إِن مُنِعوا ما طَلَبوا

تَنَمّروا وكَلِبوا

وأَعرَضوا إِعراضا

ومزَّقوا الأَعراضا

لَيسَ لهم صَلاحُ

حرامُهم مُباحُ

لا يتَّقون قُبحا

ولا يَعونَ نُصحا

يُغرونَ بالقَبيح

والضرِّ والتَبريحِ

كلامهم إِفحاش

وأنسهُم إِيحاشُ

الخَيرُ منهُم وان

والشرُّ منهُم دانِ

شيطانُهم مطاعُ

ودينُهم مُضاعُ

لا يَرقُبونَ إِلّا

ولا يَرونَ خِلّا

إِخلاصُهم مُداهَنه

وودُّهم مُشاحنَه

صلاحُهم فسادُ

رواجُهم كسادُ

عزيزُهم ذَليلُ

صَحيحُهم عَليلُ

ضياؤُهم ظلامُ

وعذرُهم ملامُ

تقريبُهم تَبيعدُ

ووعدُهم وَعيدُ

إِذا سأَلتَ ضَنّوا

أَو منحوكَ مَنّوا

وإِن عَدلتَ مالوا

وإن أَسأتَ قالوا

ربحهُم خُسرانُ

وشكرُهم كُفرانُ

شرابُهم سرابُ

وعذبُهم عذابُ

وفاقُهم نِفاقُ

إِنجاحُهم إِخفاقُ

وَفاؤُهمِ محالُ

وخِصبُهم إِمحالُ

وِدادُهم خداعُ

وسرُّهم مُذاعُ

إِذعانُهم لجاجُ

مَعينُهم أُجاجُ

وَلَيسَ فيهم عاري

من اِدِّراع العارِ

البُعدُ عنهم خَيرُ

والقربُ منهم ضَيرُ

فاِحذرهُمُ كلَّ الحذَر

لحاكَ لاحٍ أَو عذَر

واِسمَع مقال الناصِح

سمعَ اللَبيبِ الراجحِ

وقالَ أَربابُ الحِكَم

العالمون بالأمَم

إِن شئتَ أَن تصاحِبا

من الأَنام صاحِبا

من حالةٍ تريدُها

أَو حاجَةٍ تُفيدُها

فإن أَشار ناصحا

بالخَير كانَ صالحا

فأَولِه الصَداقَه

ولا تَخَف شِقاقَه

فالخَيرُ فيه طَبعُ

وأَصلُه وَالفَرعُ

وإِن أَشارَ مُغريا

بالشرِّ كانَ مغويا

فاِجتَنِب اِصطِحابَه

وأَوجِب اِجتِنابَه

فالشيَمُ الرديَّه

أَضحَت له سجيَّه

هَذا وقد تمَّ الرجز

بعونِ ربّي ونَجَز

وَهاكَها أَحكاما

أَحكمتُها إِحكاما

كدُرَرِ البُحور

على نحور الحورِ

تشنِّف المسامِعا

وتطربُ المجامِعا

تُحمُ كلَّ ناظمِ

وصادحٍ وباغِمِ

والحَمد للَه على

إِبلاغه المؤمَّلا

ثُمَّ الصَلاةُ أَبدا

على النَبيِّ أَحمَدا

وآلِه الأَطهار

وصحبهِ الأَبرارِ

ما طارَ طَيرٌ وَشَدا

ولاح فجرٌ وَبَدا

معلومات عن ابن معصوم

ابن معصوم

ابن معصوم

علي بن أحمد بن محمد معصوم الحسني الحسيني، المعروف بعلي خان بن ميرزا أحمد، الشهير بابن معصوم. عالم بالأدب والشعر والتراجم. شيرازي الأصل. ولد بمكة، وأقام مدة بالهند، وتوفي بشيراز. من..

المزيد عن ابن معصوم

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة ابن معصوم صنفها القارئ على أنها قصيدة مدح ونوعها عموديه من بحر مجزوء الرجز


حرف الشاعر

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس