الديوان » العصر المملوكي » صفي الدين الحلي »

كفى البدر حسنا أن يقال نظيرها

عدد الأبيات : 90

طباعة مفضلتي

كَفى البَدرَ حُسناً أَن يُقالَ نَظيرُها

فَيُزهى وَلَكِنّا بِذاكَ نَضيرُها

وَحَسبُ غُصونِ البانِ أَنَّ قَوامَها

يُقاسُ بِهِ مَيّادُها وَنَضيرُها

أَسيرَةُ حِجلٍ مُطلَقاتٌ لِحاظُها

قَضى حُسنُها أَن يُفَكَّ أَسيرُها

تَهيمُ بِها العُشّاقُ خَلفَ حِجابِها

فَكَيفَ إِذا ما آنَ مِنها سُفورُها

وَلَيسَ عَجيباً أَن غُرِرتُ بِنَظرَةٍ

إِلَيها فَمِن شَأنِ البُدورِ غُرورُها

وَكَم نَظرَةٍ قادَت إِلى القَلبِ حَسرَةً

يُقَطَّعُ أَنفاسَ الحَياةِ زَفيرُها

فَواعَجَبا كَم نَسلُبُ الأُسدَ في الوَغى

وَتَسلُبُنا مِن أَعيُنِ الحورِ حورُها

فُتورُ الظُبى عِندَ القِراعِ يُشيبُنا

وَما يُرهِفُ الأَجفانَ إِلّا فُتورُها

وَجُذوَةُ حُسنٍ في الحُدودِ لَهيبُها

يَشُبُّ وَلَكِن في القُلوبِ سَعيرُها

إِذا آنَسَتها مُقلَتي خَرَّ صاعِقاً

جَناني وَقالَ القَلبُ لا دُكَّ طورُها

وَسِربِ ظِباءٍ مُشرِقاتٍ شُموسُهُ

عَلى جَنَّةٍ عَدُّ النُجومِ بُدورُها

تُمانِعُ عَمّا في الكِناسِ أُسودُها

وَتَحرُسُ ما تَحوي القُصورُ صُقورُها

تَغارُ مِنَ الطَيفِ المُلِمَّ حُماتُها

وَيَغضَبُ مِن مَرِّ النَسيمِ غَيورُها

إِذا ما رَأى في النَومِ طَيفاً يَزورُها

تَوَهَّمَهُ في اليَومِ ضَيفاً يَزورُها

نَظَرنا فَأَعدَتنا السَقامَ عُيونُها

وَلُذنا فَأَولَتنا النُحولَ خُصورُها

وَزُرنا فَأُسدُ الحَيِّ تُذكي لِحاظَها

وَيُسمَعُ في غابِ الرِماحِ زَئيرُها

فَيا ساعِدَ اللَهُ المُحِبَّ لِأَنَّهُ

يَرَى غَمَراتِ المَوتِ ثُمَّ يَزورُها

وَلَمّا أَلَمَّت لِلزِيارَةِ خِلسَةً

وَسَجفُ الدَياجي مُسبَلاتٌ سُتورُها

سَعَت بِنا الواشونَ حَتّى حُجولُها

وَنَمَّت بِنا الأَعداءُ حَتّى عَبيرُها

وَهَمَّت بِنا لَولا غَدائِرُ شِعرِها

خُطى الصُبحِ لَكِن قَيَّدَتهُ ظُفورُها

لَيالِيَ يُعديني زَماني عَلى العِدى

وَإِن مُلِئَت حِقداً عَلَيَّ صُدورُها

وَيُسعِدُني شَرخُ الشَبيبَةِ وَالغِنى

إِذا شانَها إِقتارُها وَقَتيرُها

وَمُذ قَلَبَ الدَهرُ المِجَنَّ أَصابَني

صَبوراً عَلى حالٍ قَليلٍ صَبورُها

فَلو تَحمِلُ الأَيّامُ ما أَنا حامِلٌ

لَما كادَ يَمحو صِبغَةَ اللَيلِ نورُها

سَأَصبِرُ إِمّا أَن تَدورَ صُروفُها

عَلَيَّ وَإِمّا تَستَقيمُ أُمورُها

فَإِن تَكُنِ الخَنساءُ إِنِّيَ صَخرُها

وَإِن تَكُنِ الزَبّاءُ إِنّي قَصيرُها

وَقَد أَرتَدي ثَوبَ الظَلامِ بِحَسرَةٍ

عَلَيها مِنَ الشوسِ الحُماةِ جُسورُها

كَأَنّي بِأَحشاءِ السَباسِبِ خاطِرٌ

فَما وُجِدَت إِلّا وَشَخصي ضَميرُها

وِصادِيَةِ الأَحشاءِ غَضّي بِآلِها

يَعُزُّ عَلى الشِعرى العَبورِ عُبورُها

يَنوحُ بِها الخِرَّيتُ نَدباً لِنَفسِهِ

إِذا اِختَلَفَت حَصباؤُها وَصُخورُها

إِذا وَطِئَتها الشَمسُ سالَ لُعابُها

وَإِن سَلَكَتها الريحُ طالَ هَديرُها

وَإِن قامَتِ الحَربا تُوَسِّدُ شَعرَها

أَصيلاً أَذابَ الطَرفَ مِنها هَجيرُها

تَجَنَّبُ عَنها لِلحِذارِ جَنوبُها

وَتَدبِرُ عَنها في الهُبوبِ دَبورُها

خَبَرتُ مَرامي أَرضِها فَقَتَلتُها

وَما يَقتُلُ الأَرضينَ إِلّا خَبيرُها

بِخُطوَةِ مِرقالٍ أَمونٍ عِثارُها

كَثيرٍ عَلى وَفقِ الصَوابِ عِثورُها

أَلَذُّ مِنَ الأَنغامِ رَجعُ بَغامِها

وَأَطيَبُ مِن سَجعِ الهَديلِ هَديرُها

نُساهِمُ شِطرَ العَيشِ عيساً سَواهِماً

لِفَرطِ السُرى لَم يَبقَ إِلّا شُطورُها

حُروفاً كَنَوناتِ الصَحائِفِ أَصبَحَت

تُخَطُّ عَلى طِرسِ الفَيافي سُطورُها

إِذا نُظِمَت نَظمَ القَلائِدِ في البُرى

تَقَلَّدُها خُضرُ الرُبى وَنُحورُها

طَواها طَواها فَاِغتَدَت وَبُطونُها

تَجولُ عَليها كَالوِشاحِ ظُفورُها

يُعَبِّرُ عَن فَرطِ الحَنينِ أَنينُها

وَيُعرِبُ عَمّا في الضَميرِ ضُمورُها

تَسيرُ بِها نَحوَ الحِجازِ وَقَصدُها

مَلاعِبُ شِعبَي بابِلٍ وَقُصورُها

فَلَمّا تَرامَت عَن زَرودَ وَرَملِها

وَلاحَت لَها أَعلامُ نَجدٍ وُقورُها

وَصَدَّت يَميناً عَن شُمَيطٍ وَجاوَزَت

رُبى قَطَنٍ وَالشُهبُ قَد شَفَّ نورُها

وَعاجَ بِها عَن رَملِ عاجٍ دَليلُها

فَقامَت لِعِرفانِ المُرادِ صُدورُها

غَدَت تَتَقاضانا المَسيرَ لِأَنَّها

إِلى نَحوِ خَيرِ المُرسَلينَ مَسيرُها

تَرُضُّ الحَصى شَوقاً لِمَن سَبَّحَ الحَصى

لَدَيهِ وَحَيّا بِالسَلامِ بَعيرُها

إِلى خَيرِ مَبعوثٍ إِلى خَيرِ أُمَّةٍ

إِلى خَيرِ مَعبودٍ دَعاها بَشيرُها

وَمَن أُخمِدَت مَع وَضعِهِ نارُ فارِسٍ

وَزُلزِلَ مِنها عَرشُها وَسَريرُها

وَمَن نَطَقَت تَوراةُ موسى بِفَضلِهِ

وَجاءَ بِهِ إِنجيلُها وَزَبورُها

وَمَن بَشَّرَ اللَهُ الأَنامَ بِأَنَّهُ

مُبَشِّرُها عَن إِذنِهِ وَنَذيرُها

مُحَمَّدُ خَيرُ المُرسَلينَ بِأَسرِها

وَأَوَّلُها في الفَضلِ وَهوَ أَخيرُها

أَيا آيَةَ اللَهِ الَّتي مُذ تَبَلَّجَت

عَلى خَلقِهِ أَخفى الضَلالَ ظُهورُها

عَلَيكَ سَلامُ اللَهِ يا خَيرَ مُرسَلٍ

إِلى أُمَّةٍ لَولاهُ دامَ غُرورُها

عَلَيكَ سَلامُ اللَهِ يا خَيرَ شافِعٍ

إِذا النارُ ضَمَّ الكافِرينَ حَصيرُها

عَلَيكَ سَلامُ اللَهِ يامَن تَشَرَّفَت

بِهِ الإِنسُ طُرّاً وَاِستَتَمَّ سُرورُها

عَلَيكَ سَلامُ اللَهِ يا مَن تَعَبَّدَت

لَهُ الجِنُّ وَاِنقادَت إِلَيهِ أُمورُها

تَشَرَّفَتِ الأَقدامُ لَمّا تَتابَعَت

إِلَيكَ خُطاها وَاِستَمَرَّ مَريرُها

وَفاخَرَتِ الأَفواهُ نورَ عُيونِنا

بِتُربِكَ لَمّا قَبَّلَتهُ ثُغورُها

فَضائِلُ رامَتها الرُؤوسُ فَقَصَّرَت

أَلَم تَرَ لِلتَقصيرِ جُزَّت شُعورُها

وَلَو وَفَتِ الوُفّادُ قَدرَكَ حَقَّهُ

لَكانَ عَلى الأَحداقِ مِنها مَسيرُها

لِأَنَّكَ سِرُّ اللَهِ الأَيَّدِ الَّتي

تَجَلَّت فَجَلّى ظُلمَةَ الشَكِّ نورُها

مَدينَةُ عِلمٍ وَاِبنُ عَمِّكَ بِابُهاَ

فَمِن غَيرِ ذاكَ البابِ لَم يُؤتَ سورُها

شَموسٌ لَكُم في الغَربِ رُدَّت شَموسُها

بِدورٌ لَكُم في الشَرقِ شُقَّت بِدَورُها

جِبالٌ إِذا ما الهَضبُ دُكَّت جِبالُها

بِحارٌ إِذا ما الأَرضُ غارَت بُحورُها

فَآلُكَ خَيرُ الآلِ وَالعِترَةُ الَّتي

مَحَبَّتُها نُعمى قَليلٌ شَكورُها

إِذا جولِسَت لِلبَذلِ ذُلَّ نِظارُها

وَإِن سوجِلَت في الفَضلِ عَزَّ نَظيرُها

وَصَحبُكَ خَيرُ الصَحبِ وَالغُرَرُ الَّتي

بِها أَمِنَت مِن كُلِّ أَرضٍ ثُغورُها

كُماةٌ حُماةٌ في القِراعِ وَفي القِرى

إِذا شَطَّ قاريها وَطاشَ وَقورُها

أَيا صادِقَ الوَعدِ الأَمينِ وَعَدتَني

بِبُشرى فَلا أَخشى وَأَنتَ بَشيرُها

بَعَثتُ الأَماني عاطِلاتٍ لِتَبتَغي

نَداكَ فَجاءَت حالِياتٍ نُحورُها

وَأَرسَلتُ آمالاً خِماصاً بُطونُها

إِلَيكَ فَعادَت مُثقَلاتٍ ظُهورُها

إِلَيكَ رَسولَ اللَهِ أَشكو جَرائِماً

يُوازي الجِبالَ الراسِياتِ صَغيرُها

كَبائِرُ لَو تُبلى الجِبالُ بِحَملِها

لِدُكَّت وَنادى بِالثُبورِ ثَبيرُها

وَغالِبُ ظَنّي بَل يَقينِيَ أَنَّها

سُتُمحى وَإِن جَلَّت وَأَنتَ سَفيرُها

لِأَنّي رَأَيتُ العُربَ تَخفُرُ بِالعَصا

وَتَحمي إِذا ما أَمَّها مُستَجيرُها

فَكَيفَ بِمَن في كَفِّهِ أَورَقَ العَصا

تُضامُ بِيَ الآمالُ وَهوَ خَفيرُها

وَبَينَ يَدَي نَجوايَ قَدَّمتُ مَدحَةً

قَضى خاطِري أَلّا نُجيبَ خَطيرُها

يُرَوّي غَليلَ السامِعينَ قُطارُها

وَيَجلو عُيونَ الناظِرينَ قَطورُها

هِيَ الراحُ لَكِن بِالمَسامِعِ رَشفُها

عَلى أَنَّهُ تَفنى وَيَبقى سُرورُها

وَأَحسَنُ شَيءٍ أَنَّني قَد جَلَوتُها

عَليكَ وَأَملاكُ السَماءِ حُضورُها

تَرومُ بِها نَفسي الجَزاءَ فَكُن لَها

مُجيزاً بِأَن تُمسي وَأَنتَ مُجيرُها

فَلِاِبنِ زُهَيرٍ قَد أَجَزتَ بِبُردَةٍ

عَلَيكَ فَأَثرى مِن ذَويهِ فَقيرُها

أَجِرني أَجِزني وَاِجزِني أَجرَ مِدحَتي

بِبَردٍ إِذا ما النارُ شَبَّ سَعيرُها

فَقابِل ثَناها بِالقُبولِ فَإِنَّها

عَرائِسُ فِكرٍ وَالقَبولُ مُهورُها

وَإِن زانَها تَطويلُها وَاِطِّرادُها

فَقَد شانَها تَقصيرُها وَقُصورُها

إِذا ما القَوافي لَم تُحِط بِصِفاتِكُم

فَسِيّانِ مِنها جَمُّها وَيَسيرُها

بِمَدحِكَ تَمَّت حِجَّتي وَهيَ حُجَّتي

عَلى عُصبَةٍ يَطغى عَلَيَّ فُجورُها

أَقُصُّ بِشِعري إِثرَ فَضلِكَ واصِفاً

عُلاكَ إِذا ما النَاسُ قُصَّت شُعورُها

وَأَسهَرُ في نَظمِ القَوافي وَلَم أَقُل

خَليلَيَّ هَل مِن رَقدَةٍ أَستَعيرُها

معلومات عن صفي الدين الحلي

صفي الدين الحلي

صفي الدين الحلي

عبد العزيز بن سرايا بن علي بن أبي القاسم السنبسي الطائي. شاعر عصره. ولد ونشأ في الحلة (بين الكوفة وبغداد) واشتغل بالتجارة، فكان يرحل إلى الشام ومصر وماردين وغيرها، في تجارته،..

المزيد عن صفي الدين الحلي

تصنيفات القصيدة