الديوان » مصر » صالح الشرنوبي »

لا أنا خالد ولا أمنياتي

عدد الأبيات : 81

طباعة مفضلتي

لا أنا خالد ولا أمنياتي

فوداعاً مسارح الذكريات

ووداعا مواكب الفتن الحمر

ودنيا الأحلام والصبوات

أقفرت واحتي وصوّح كرمى

وطغت علّتي ومات أُساتي

ودنا الشاطىء البعيد فرفقاً

بسفيني يا آخر العاصفات

هوّنى ما استطعت من ثورة البح

ر وردّى أمواجه العاويات

وارحمى إن تك العواصف تدري

رحمة وحدتي مع الحادثات

ذهب العمر وانطوت صفحات

ويح لي من سطورها الكابيات

لست أدري كيف اصطبرت على ما

أمطرتني الأيّام من نائبات

ذهب العمر قطرة في محيط

دمويّ مورّع الثورات

وأطلّت نهايتي وهي أبهى

منظرا من مفاتن الغانيات

هذه غايتي التي كنت أرجو

ها وهذا الختام بدء حياتي

فارتقبني يا ليل بعد قليل

عند تلك المقابر الثاويات

لم يعد غير ليلة وصباح

وأوارى في ضجّة النائحات

قدرٌ لا فرار منه وكأس

أزليّ مقسم القطرات

تلتقى حوله الشفاه فما أشب

ه حال الأشواك بالزهرات

الأساطين عنده كالصعا

ليك ونجم السما كصخر الفلاة

مصرع كلّنا مسوق إليه

واجتماع مآله للشّتات

ومصير أمشى إليه كما تم

شي وتمشى النمال في الحفرات

وسواء لدى الحقيقة سعي

في اضطراب أو مشيتي في أناة

قصّة بدؤها صراخ وعقبا

ها وحرب يدعونها بالحياة

هكذا شاء ربنا فأرحني

من أراجيف هذه الفسلفات

وأدر ذكر من مضى من قديم

أو جديد فهذه مثل هاتي

وسل الأرض هل خلت لحظات

من بكاء النعاة والنادبات

وسل الليل والنهار وما بين

الثرى وا لسماء من كائنات

قل لها مات شاعر الحب والم

جد فكم قد أرقت من عبرات

مات من نغم الحياة وساقا

ها رحيق الخلود في كلمات

شاعر الفكرة الجديدة تقتا

د عصيّ الأوابد الشاردات

رائد الموكب الذي فجر الشع

ر ينابيع بالهوى دافقات

ساحر العالمين في كليُبَطرا

أيّ حلم جلاه في النغمات

طائرٌ طوّق الوجود جناحا

ه وغنّاه أروع الأغنيات

لم يقف عند دارس من طولٍ

أو يشبّب بالأعظم النخرات

صاحب الزورق الشرود وملّا

ح سفين العواطف التائهات

النديّ المشبوب والفاتك الصو

فيّ والضاحك الجريح الشكاة

الأنيقُ الرشيق والسلسل الرق

راق صافي الخيال والمرآة

لؤلؤيُّ الألفاظ لا يتصبّا

ه ضجيج البهارج الزائفات

منشىء الجنّتين هاتيك لل

ح وهذي للخمر واللذات

الربيع الظمآن والحالم اليق

ظان والمارد الجميل السمات

الطليق الوثاب لم يخل أفقا

من عذارى أحلامه الخالدات

البديع الفتان في كل ما يخ

فق في شعره من الآيات

القويّ العملاق لم تكفه الأ

رض فغنّى بعالم الآلهات

وأرانا من الملاحم فنّا

معجزَ السحر قاهر البينات

أقسم الدهر ما دت مثلها الدن

يا ولا رتّلت شفاه الحياة

صدق الدهر وهو جدّ كذوب

حين يغرى الأحياء بالأمنيات

ظل يسقيه وهو يشرب حتى

صرعته الكئوس مختلفات

ظل يسقيه وهو يشرب ظمآ

ن لهيف الفؤاد والنزعات

بين خذها وهاتِها ولكم يج

مل بؤس الحياة في خذ وهات

لافح الشوق لا يلذُّ له الما

ضى كما يستبيه سحر المواقي

شاعرا بالحياة ترجف بالفت

نة من حوله وبالفاتنات

دافقاً لا يصدّه دون مجرا

ه نقيق الضفادع العاجزات

مؤمنا بالجمال والحق والخي

ر طليق الأسباب والغايات

مسلماً في اعتقاده عالميّا

في هواه المجنّح العاطفات

دينه ربّه فكلُّ بني الأر

ض أخوه على اختلاف الذوات

يا لدينا أقامها يا لفنٍّ

شاده بالخواطر الملهمات

يا لروحٍ مقدّس كان لا يؤ

من إلا بالنور والنيّرات

يا لنفس كريمة عصمته

من ضلال الخلائق السافلات

يا لعقل محلّق كان لا يح

فِل إلا بالخلق والمعجزات

يا لقلب طواه في صدره الرح

ب قوى الرجاء والخفقات

يا لعمر أفناه لم يك إلا

خفقة في جوانح النسمات

يا لفنٍّ بناه هشّ له المج

د وحيى أبراجه الشاهقات

يا لداءٍ سقاه من كأسه المرّ

شراب الدموع والحسرات

يا ليوم طارت إليه المنايا

داهيات تموج بالداهيات

سوّدت فجره وألقت على مع

ناه ظلّ الفواجع الداميات

قام في صبحه سليماً معافى

عبقريّ الآمال والرغبات

يشهد الكون أنّه عاد للكو

ن جديد الإلهام والصلوات

يا لحم شداه مزّقه المو

ت وألقى صداه للسافيات

يا لقبر حواه لم يحو إلّا

جسدا لا يعدّ في الهامدات

يا لمجد غذاه نور الأماني

وسهاد الجفون والأمسيات

يا لنيلٍ أجراه في شعره الخا

لد حرّ الضفاف والموجات

يا لمصر تهتاجها صعقةُ الهو

ل وتحيى آلامها الدارسات

مات شوقي وحافظٌ وخليل

والعليّان والمغيب آت

يا لشرق أعطاه قلبه العا

شق أغلى الدموع والبسمات

يا لأرض ضاقت بدنياه حيا

كيف أمسى بها من الأموات

أيها الخالد الذي كان بالأم

س سراجا يضيءُ في الظلمات

أيها الكوكب الذي غاب في التر

ب حزين الشعاع والومضات

أيها الشاعر الذي كان يوما

قمّةً لا تنال بالنظرات

أنت لا زلت في الضمائر حيّا

خالداً مشرقاً برغم الملمات

لك في الكون دولةٌ ومكان

يتحدّى تقلّب الحادثات

حسبك الله كم أرقت على السل

م وأحلامه من العبرات

حسبك الله كم شدَوت فأشجي

ت وكم قد رويت من حرقات

حسبك الله وهو أكرم من وفّ

ى جزاء الكرام بالجنّات

وعلى قبرك الأشمّ دموعٌ

وسلامٌ مبارك الرحمات

معلومات عن صالح الشرنوبي

صالح الشرنوبي

صالح الشرنوبي

صالح بن علي الشرنوبي المصري. شاعر حسن التصوير، مرهف الحس. من أهل "بلطيم" بمصر. ولد ونشأ بها. ودخل المعهد الديني بدسوق، فمعهد القاهرة، فالمعهد الأحمدي بطنطا، ثم كلية الشريعة، فكلية..

المزيد عن صالح الشرنوبي

تصنيفات القصيدة