الديوان » مصر » صالح الشرنوبي »

يا نديم الصباح أترع كئوسك

عدد الأبيات : 322

طباعة مفضلتي

يا نديم الصباح أترع كئوسك

وأذب في شعاعها أتراحك

سوف تطوى كف المساء عروسك

وتبكي مع الندامى صباحك

طف بعينيك في الفضاء الفسيح

وتنسم عطر الصفاء الروحي

تجد الأرض دمية أفرغ الشر

عليها صبابة من قروح

أنت عندي كسيد مستبدّ

خفيت فيه ذلَةُ الأسراء

كلّما جئتني تنادين يا عَب

دي وفي مقلتيك روح الولاءِ

نادميني ولا تذوقي الشرابا

بعيون أصفى من الصهباء

لا تقولي إشراق عيني غابا

ودعي ما ورثت عن حواء

أنت تخشى نار الغرام عليّا

وترجى النجاة من أنفاسه

يا صديقي أحسن ظنونك فيّا

أنا أرجو نداه من أقباسه

أيها الحامل المتاع تمهل

أي داع يدعو إلى الإسراع

ليس بدّ من الفراق فدعني

أتمتّع بغير هذا المتاع

يا حبيبي نيران حبك شبت

في فؤادي والماء ملء يمينك

إن نزرا من الصفاء يروي

ه ويفنى شكوكه بيقينك

ضحكة اللَه في السموات رنّت

وبكاء الإنسان في الأرض رنا

والمقادير قدرت فاطمأنت

لا تبالي ناح الورى أم تغنى

كدت أرتاح للحديث عن القرد

أبا أوّلا وأنكر آدم

بعد أن نالني بنوه بما لم

أجن أسبابه فعفت العالم

أيها المضجري بما تدعى من

وحدة في الوجود أو في الشهود

لا تصدع رأسي فحسبي من

عيشي حميا كأس ورنة عود

يا معانى اللقاء يتمك الهج

ر فأصبحت من معاني الفراق

لست آسي على الحياة إذا ما

شمتها دون قبلة أو عناق

جوهر الكون صامت في علاه

فلماذا تحدث الأعراض

إن هذا اللسان آفة هذا

الناس يندى وكله أمراض

مشكلات القضاء والأقدار

حيرت كل عاقل جبار

والبرايا مضللون استقروا

بالأماني على شفير هار

أيها الآمل الصفاء مع الدهر

ترفق بنفسك الوسنانه

خذ أمانا من الزمان فإن ذقت

صفاء فذاك منه أمانه

ارقصوا رقصة الحياة أو المو

ت إذا مات سيد أو زنيم

لن تزيدوهما على القبر قبرا

فيه ينماز طاهر ورجيم

رجل يشرب الحميم ليحيا

فيسمون صنعه تدجيلا

وأناس لم يمتطوا الأرض إلا

ليزيدوا أهل الحميم عويلا

أشلعوا في بيت المعرس نارا

يتنشق دخانها التعساء

حكمة البؤس والرفاهة جنّت

فتولّى ترويضها الجهلاء

يا مطيّ القضاء أضناكم السي

ر فثوروا بطبعكم لا بطبعه

أو فناموا وانسوا الشكاة فما

تجدي ولم تجد آدما بعد وقعه

هنأوا الأم بالوليدِ ومرّوا

بأبيه يكرّرون التهاني

وهمو لو دروا لعزوه فيه

فلقد جاءه خريف الزمان

أعجب الأمر في التحية أن النا

س يلقونها سلاماً ورحمه

هيكل اللفظ فارقته المعاني

وهي نساكه فأنتج عقمه

حسبوا الدهر غافلا عن خطاهم

فأقاموا مجانة الميلاد

رحمتا للأنيس يصنع سلوا

ه ليقتص من عداء العوادي

في الأناسي من يميت شعوبا

بسموم يظنهن شفاء

كالذي أغرق السفين بما خف

ت من الماء حين خاف الماء

أنا أجتر أمنياتي إذا لم

يخلق الحب أمنيات جديده

أين سمع الحبيب أسكب فيه

ملء جنبي من أغان شريده

كلنا في الحياة يخشى من المو

ت فيا فرحتا لأهل القبور

عرفوا البدء والختام جميعاً

فاطمأنوا لحالك الديجور

لا تلم من تعيش في كنف العر

ض فقد آدها صراع الحياة

ربما ضم شامخٌ مومس النف

س وفي وجهها حياء فتاة

أيها العصر لاتته إن كوخى

ليس يخشى قساوة الزلزال

أنا فيه سلطان نفي وسكا

نك عبدان نسوة أو مال

قال لي الحظ مرة وهو يجري

خشية اللمس من ذراعي المديد

سوف آتيك طائعا بعد أن ين

شر ما في الغيوب من تجعيد

غمرات السكون في الليل تنسي

ني أفانين من ضجيج النهار

وحدتي معبدي وشعري تسبي

حي فبعدا للناس من سمّار

قل لمن طاول السماء عتوّا

لا علوّا وعثيراً لا غماما

انكمش قبل أن تمزّقك الريح

وتذروك في الجواء حطاما

أنت رجسٌ مذوّب في كئوس

ملئت من طهارة الإيمان

كيف أسطيع أن أروّي بك التر

ب ومنك ارتوت ظماء الأماني

أتقولين إنني لست إنسا

نا لما شمته من استحيائي

أنت جمر شبته أنفاس ماضيه

فما ينطفى بغير الماء

ملء عينيك غمرة من غمام

أفعمتها الأيام دمعا سخيا

فاسكبيه ينبت أزاهر نسيا

ن فلا تذكرين بعد الشجونا

كم على الأرض من بينها حيارى

ضللتهم في بيدها النكبات

سبقوا العمر في طلاب الأماني

فإذا العمر والأماني فتات

يا حبيبا يعزه أن أذلا

سوف أنساك قبل أن تنساني

وكفاني ما ذقت نهلا وعلا

أيها الخالد الذي أفناني

أنقذيني يا كأس من عبث النا

س فهم في وقارهم مسلاة

ربما كان في المواخير نسا

ك وفي المعبد الطهور عصاه

لاتناد الساقي فكم من كئوس

مفعمات شربتها من يديه

خلتها سلوة الفؤاد عن الجم

ر فكانت جمرا يزيد عليه

يا سقاة الغرام بالأعين النج

ل كئوسا مشبوبة القطرات

ها هنا ظامىء يحن إلى كأ

س يفدى حبابها بالحياة

يا رهيب السكون يا ليل ما أع

جب حالي على الغرام وحالك

أنت في هجرها عجوز تمطى

ولدى القرب شامخ يتهالك

إن رأيت السهوم في نظراتي

والبكاء الحزين في كلماتي

فاعذريني فقد تحطمت الكأ

س وكانت عبادتي وصلاتي

صدىء الحر في يمينك يا دن

يا ودام النقاء للأكدار

أربيع الحياة يقسم للشو

ك ويبقى الخريف للأزهار

يا طهاة الحظوظ حسبكم الصم

ت دليلا على شقاء الجياع

تسمنون الذئب السمين ليس

تشري على الشاة فيه داء الصراع

يا صحارى الحرمان ما أصن

ع اليوم وقد هزني نداء الروابي

لا تلومي سؤلي فقد آدني السي

ر ولما أفز بغير السراب

لهف قلبي متى ينال

أمانيه فيعلو فوق الزمان الساخر

في ربيع الشباب يرجو ويخشى

وهو بين المنى وبين المقادر

يا دماي التي أضعت شبابي

أتغنى بحسنها في الخيال

أنت مثلي غريبة غربة الدر

ة تفنى في حمأة الصلصال

لست أدري أفي الأناسي خير

يرتجى أم أرضى بها أشرارا

حيرتي حيرة الشريد على القف

ر يرجى نورا فيشرب نارا

إيه يا مخرجي الرواية هل كا

ذن عليكم في نقص دوري جناح

أنا مثلته مرارا فما ارتح

ت ومن لم يمثلوه استراحوا

كل هذا الجمال للقبر يا رب

ألاما أشقى ضحايا الجمال

عبدوه ربا يميت ليحيى

وهداه مجمع من ضلال

إن رأيت المجنون يعبث بالنا

ر فلا تقرعى بنان الندامه

هو عقل الحياة خبله الشك

فأنساه نوره وظلامه

عجلى الخطو قبل أن يشرق الفج

ر فنمضى مفرّقين مكانا

نحن في الليل طائران سعيدا

ن نغنّى بالفرحة الأكوانا

قبليني يا ربّة الحب إن شئ

ت وإن شئت قبلى الأطلالا

نحن يان في الشقاء وإن زد

ت عليها الحنين والتسآلا

يا بنى الأرض لست منكم وإن عا

شرتكم عشرة العزوف العيوف

مكرة لا مخيّر وفنائي

كوجودي مقيد بالظروف

دنّس الواعظ القدير فأخفى

رجسه في غلائل من بلاغه

أحرقوه فليس أخطر منه

ودعوا الشمس كي تسد فراغه

أسعديني في مأتم الحب والقل

ب إذا ما أردت أن تسعديني

أودعيني أندبهما وأطهر

صلواتي براهبات الجفون

يا بنة الحب والشباب هبيني

لم أكذب ما قلت في النسيان

ما تقولين حينما يبعث الحب

رفاتاً مكفّنا بالأماني

أرضعي الطفل يا مهاة فقد جا

ع ولا توقظيه إن كان ناما

أو فقولي ألست ترجين أن لو

لم يكن كي لا يثقل الأياما

أنا فجر طوته راحة ليلٍ

مستخفّ بالكون والكائنينا

آه لو شلّ فانفلتّ لأحيي

أو أحيّ بنوريَ الحائرينا

سجنتني الأقدار في قفص الطي

ن ولم تنس أن تشدّ وثاقي

ليتها تفقد العنان لأفنى

ولتفنى شقاوتي واحتراقي

لست عبد النفاق يا قوم فامضوا

واستعينوا بمن يعيش نفاقا

حسبكم أننا توائم في القيد

وإن كنت أوثر الإنطلاقا

أيها الفيلسوف أنفقت أيّا

مك فيما لا يشترى برماد

بيننا قصة الوجود فحدث

أهيَ زادت عن يقظة ورقاد

سائل الأرض هل خلت لحظات

من تلقى الأموات في كل حين

ثم دعنى إن لم يرقك حديثي

عنك يا بن الرقطاء والتنين

حدثوا القرد مرة عن جميل

وصفوه بأجمل الأوصاف

فلوى ذيله احتجاجا وقال الي

وم ضاعت شريعة الإنصاف

رب ما أعجب الأناسيّ حولي

يتغنون والمجازر تبكي

فاعف عني إما شككت فمن صن

عك يا خالقي يقيني وشكى

عبد الأقدمون أرباب فكر

وشدوا في تقديسها الألحانا

وعبدتم أنتم عبيد تراب

وبذلتم حياءكم قربانا

يا حبيبي ماذا ترجى من الهج

ر أذل الفؤاد أم نسياني

أي ذنب جنيت في الحب حتى

تستبيك الدموع من أجفاني

رجعي يا طيور أغنية الفج

ر فقد حنّ هاجري للقائي

واسجدي إن ألمّ يجمعه الل

ه مذيبُ الجفون والأحشاء

لا تنادي يا سيدي فلفقد ضم

ك بي واحد من الآباء

نحن سيان في السيادة لكن القضاء

الأعمى أساس الداء

هذه المخرجاتُ من كبدِ الأر

ض تعين المسكين في بلوائه

رحمتا للغريق في مائج التي

ه يخال البأساء في نعمائه

يا صدى الصوت ضعت مثل ضياع الص

وت بل أنت زدت عنه ضياعا

أنت مثّلت لي أمانيّ لما

لم تجد في أفق الحياة شعاعا

كتب الله لن يضيع تقيّ

فلماذا أرى شقاء التقي

ملء دير الأحزان رهبان دمع

كل برّ منهم بألف نبيّ

أيها الضاحكون في مأتم الجسم

سلاماً من ضاحكٍ مجهول

لمعة البشر في مآقيه برق

يتندّى بالهاتن المغلول

قبلة الشمس للزهور جحيم

أخمدَتهُ جداول الأنداء

هكذا قبلة المشوق لطيف

من هواه ينساب في الظلماء

أيها الزاهدون في غمرة الإث

م سلاماً من زاهدٍ عبقري

أطلق الخير روحه وقضى وكانت

قائدي إذ أتيهُ في صحرائك

يا بنة الخمر والسنا أسكريني

ودعيني أعب من أضوائك

فنيت جمرة الضلوع وكانت

قائدي إذ أتيه في صحرائك

حينما تسمعين أغنية الحب

فلا تهزئي بما تسعمينا

إنه حاطب يجوب الليالي

علّه يصطلى فؤاداً حزينا

أيها الكوكب المشعّ من الشر

فةِ نورا يضيء قلب النهار

كم ألوف تمر دوني فلا تع

رف ما بيننا من الأسرار

عجب الله من فقيرٍ يزَكّي

وغنيّ يحنّطُ الأموالا

لي قلب يزين البؤس للنا

س ويرجو لو كان أبأسَ حالا

يا شروق الحياة أنسيتُ لألا

ءك إذ ضمني ظلام الغروب

من يجير الغدير يروى جدوباً

ثمّ لا ترتوي شفاه الجدوب

أقمار في الحب ما أخسر الربح إذ

ا كنت رابح الأوراق

ملء كفيك خافقي فاحفظيه

ليغنيك غنوة الأشواق

يوم أن هزن ينداء الليالي ال

بيض من ناظريك خنت اصطباري

حدثيني أتخطىء العين حسنا

أم غرامي مضلّل الأقدار

ما هيامي بنيل قلبك إلا

خدر من سلافة النظرات

وحنيني إليك وهو يميني

أنقذيني من حرقة الزفرات

يوم أن قلت لي أحبك

باللحظِ أذَبتُ الفؤادَ شوقاً وشعرا

ليتَ سترَ الغيوبِ يؤذن بالفر

قةِ حتى أسقيك حبّاً وطهرا

أيّ قلبينِ في الصبابةِ قلبا

نا ومن أيّ عالمٍ قدسيّ

جمعتنا على طريق الأماني

ربّةُ الدمع والبكاءُ الخفيّ

يا شعاعَ الصفاءِ في أفق الحبّ

سلاماً من مدلجٍ حيران

فجرَ الدمع في مآقيه حبّ

عبقريّ النوال والحرمان

أي دينٍ يحرّم الدمع والشكوى

على عاشقٍ براهُ حنينه

لا تلمني إذا بكيتُ فقلبي

صمتُه كفره ونجواه دينه

يا شفاه الحبيب إنك في الرس

م سرابٌ وقبلتي ظمآنه

ليتني إذ نسيته فيك أنسى

عبراتي إما ذكرتُ حنانَه

أيّ سرٍّ تطوى خفاياهُ عنّي

حينما ألتقيك في الأحلام

تنشرين الضياء ثم تغيبي

ن فلا تنشقينَ عطر سلامي

صبواتي ضاعت فرُدّى علىّ ال

يومَ ما تكنزين من صبواتي

واعذريني وقد بخلت إذا طا

لت على نضرة الصبا حسراتي

حلف الكافرون بالحُبّ

فماذا أبقوه للمؤمنينا

يا فؤادي ماذا عليك إذا خنت

هواها فلا تعاني الشجونا

ذمّموا من كرهتموه وحيّوا

بالتهاليلِ ن تحبّبتموهُ

ما أرى العدل بينكم غير بيتٍ

رافعوه في الناسِ هم هادموه

حبّذا لو جهلت أنيَ حيٌّ

لأقضي الحياة صافي الحياة

أنا أمشى في الناس بائع خبزٍ

زاهداً فيه قانعاً بالفتات

يا ضميري أكلّما قدّمَ الدهر نضاراً

دفَعتَه مهتاجا

هَبه خلواً من السنا أفلا يجمل

بي أن أُنيله محتاجا

لا تحدّث عن النبوة والوحي

وحدث عن باعث الأنبياء

لم لم يجعل النبين فرداً

سرمدي الكتاب والأنباء

لا تقل لي تطوّر الكون والكا

ئن حتى تزيد في تسآلي

وانطلق تبصر الوجود مثالا

فقدت فيه غيرة المثال

صور الكائنين أدعى إلى السخر

سواء فيه الثرى والثريا

يا قروداً منقوصة الخالق غيبي

لأرى الموت مستنير المحيا

أنا سكران فاعذريني إذ أي

قظت الكأس نائم النزوات

تاه عقلي فلا أقلّ من النس

يان أجروه كي يطول سباتي

غافليني وأترعي الكأس حتى

لا أرى الرجس في يد قدسيّه

رب جمرٍ يا أخت يطفأ بالجمر

وحي يحيا بكاس المنيّه

يادموعي ماذا يكفّك عني

أنا في مهمهٍ فكوني غماما

ليس في الناس من يصاب فأبكي

ه ولو كان في التقاة إماما

ثورتي ثورة الجواد نفاه

حظّه في مهاجر البخلاء

كم تمنيّت صفو يوم فلم أع

ط سوى خيبتي وطول عنائي

إيه أشلائي الطريحة في النا

س لقد كنت ملء عين الأماني

أولم يكف هاجري أن كأسي

فرغت من سلافة النسيان

لست أنفي ضرورة الفرق بين الن

اس فيما يعطون من أرزاق

غير أني أريد أن أسأل القا

سم ألّا يزيد في إملاقي

يا إلهي أثقلت أرضك بالنا

س فناءت وما تطيق احتمالا

لم هذا الإسراف في الخلق يا رب

أهديا تريدهُ أم ضلالا

قيل إنّ الخلود للطيّب الذك

ر يردُّ الحياةَ بعد المَماتِ

نبّئوني أللخلودِ خلودٌ

ثم داووا عقولكم بالسُبات

أغرق اللَه ضاحكاً من برايا

ه يمنّون ميتهم بالخلود

يا غرور الفانين حسبك لهوا

وكفاهم مناحة المفقود

سوف أطويك يا لياليّ في الغي

ب كطي لسالفات الليالي

بين كأسٍ حمراء من نار ليلا

ي وشكى في عودها للوصال

ويح من طنب الزمان عليه

خيمة الحزن في ربيع الشباب

تخذ الليل والمدامع والشع

ر عزاءعن فرقةِ الأحباب

أنكري إن قدرت حزن أغاري

دي وقد أنكرت الغرام الحزينا

أنت كأسي في حانة الحب والشع

ر فكوني عقلا أكن مجنونا

بين جفنيك حانةٌ من لحاظٍ

مسكرات حيناً وحيناً سكارى

بارك اللَه ما بها من كئوسٍ

جمَعت هدأةَ الدجى والنهارا

عطريني بطيب أنفاسك

الحمراءِ وافنى صبابةً وعناقا

أنت حيرى بدَت لحيران في القف

ر فزادت شمس الهوى إشراقا

اهزئي بالشقاء مادامت الكأ

س وما دام حبنا فينانا

إنّ من قدّر الشقاء علينا

خلق الكأس والهوى نسيانا

لا تلُمني إذا نقمت على النا

س فقد مضّنى ضلال الناس

كلّما داويتُ جرحى حنوناً

قذفوني بضَيعة الإحساس

سأل الطفل والديه عن الشيطان

فاستضحكا حناناً وسخرا

وهو شرٌّ لخالد قيّد العقل

وأخفى تحت المخاوف سرّا

أيّهذا الشيطان إن تكُ عبداً

فأنا اللَه خالق الشيطان

لم أدنّس نفسي بخلقك إلّا

حينما كت من بني الإنسان

لك منّي تشوق يُرمِض الرو

ح ولي منك خالد الأعذار

آه من خافقي ومن أمنيات

غرقت في مسابح الأقدار

أنا كلّي منى فماذا تمنين

أجيبي مريدةً لا مرادَه

إن أكن معبدا فأنت إله

أفرَدَته خواطري بالعباده

اعفُ عنّي يا رب إن ضاع عمري

بين شكّى وحرقتي وكئوسي

ليس في الناس خيرٌ وحظوظي

خُبّلَت فالسعود مثل النحوس

سبحى يا نجوم لِلَه ربي

وهو رب النجوم والأفلاك

إنّ من لا يسبّح اللَه في الكو

ن بعيدٌ عن ساحة الأملاك

لا تقولي سهام عينيّ حمرا

ء تغنّى شوقا وتسقى حماما

إن عين الأقدار أفتكُ إيلا

ماً على خافقي وأمضى سهاما

عجلوا السير بالفقيد إلى قب

رٍ يناديه تربه والرجام

وترفّق يا قبر إن كنت جوعا

نَ فمنّا الطعامُ والإطعام

يا أبي آدم الحزين على الفر

دوس ترجو من غاصب الحقّ حقّا

ما الذي ضرّ لو نقمت لما نا

لكَ بالإنتحارِ كي لا نشقى

يا لباب الحياة يا فنّ ما أسعد

ني إن أضعت فيك اللبابا

هم يقولون جنّ بالفكر والشعر

ألا ما أسمى الجنون الصوابا

سأُريكم آيات فكري وشعري

علكم ترتضون مني الغرورا

لعنَتني الحياة إن ضاع عمري

خافياً رغم رفعتي مغمورا

أيها الفارغون إلّا من الما

ل ومن حاشد من الألقاب

لا تظنّوا الحياة ما تخرج الأر

ض فلألاؤها خداع سراب

إجر يا نيل باكياً فعلى أر

ضكَ تجري الحظوظ جوراً وظلما

حرمَ المالكُ الأصيلُ وعاف الض

يف ما يقتنيه أكلاً وهضما

أيها الشاربون من كرمِ الني

ل رويداً فالظامئون كثير

لكم القصرُ والبناءُ عليهم

وهدى العدل بينكُم يستجير

وحدتي هجرَةٌ إلى الفكر في الكو

نِ وكوني في الناس هجرة فكري

ليتَ حبل الوجود يقطع عني

ليمدّ الفناء أسباب قبري

عبثُ الناس بالصداقة ألها

نى عن الفكر في حياة الصداقه

ليتهم قابلوا حناني بتَحنان

وخّلوا زورَ الثرى ونفاقَه

أنا من عالم الأراجيف أقبَل

تُ فمن أيّ عالمٍ أقبَلت

آه لو كنت غيرما أنت في قل

بي ومن أنت يا ترى من أنت

صرخةُ الشكّ في دمي أفزعتني

فأريني اليقينَ حتّى أراكِ

أو فغيبي عنّي فما أنتِ إلّا

ردّةٌ في خواطرِ النساكِ

أنا قدّستُ في الغرامِ سناه

وخلقتُ النهارَ من إظلامِه

ليتها حين قدّسته ظلاماً

سجدَت مرّةً على أقدامه

أيّها القائلون بالنار والجنّ

ة والحشر في غد والحساب

حسبُكم أنّكُم تخافون أوها

ماً وحسبي بقيّةٌ من صواب

كِدتُ أفنى روحي وعقلي وجسمي

باحثاً عن مظَنّةٍ من حقيقه

فإذا الكون من جمادٍ وحس

خادعٌ لا يزيل عنه بريقه

أيها النائمون في غمرةِ اللي

لِ أفيقوا على سنا إشراقي

أنا روحٌ مجنّح النور لولا

سجن أرضي خلّدتُ في الآفاق

أنكروا الحبّ طاهرا وأغاروا

بقَناهُم على معاقل حبّي

إنها في السماء يا قوم ديرٌ

ناسكوه ملائكُ اللَه ربّي

أيها الأغنياءُ هل حرم اللَه

عليكم مآدبَ الفاقات

أطعموا البائسَ الفقيرَ فإن جعتُم

فعيشوا على صدى الذكريات

حدّثوني عن آدم يوم ضاعت

من يَديه قلادةُ التخليدِ

ليتهم حدّثوا عن المنعم الغا

صبِ يجزى عتيقه بالقيود

عبدَ القبطُ ي صليبهم المُبدَ

عِ ذكرى الشهيد في أورشليما

ربما كان في النصارى يهودٌ

يحسبون الشهيد موسى الكليما

يا إلهي المشاع في النور والأن

سام والروض والجمال الحنون

أنا يا رب عابدٌ لك حتى

في شكوكي عبادتي في يقيني

طاف بي طائفٌ من الوهم زيّا

فٌ فشبَّ النيران في أصغريّا

وطوَتني ذكراهُ فاحتبسَ الدم

عُ وأصلى بناره مقلتيّا

أيّها الشك يا بن أيّام عمري

ولَياليّ في الشقاء الطويل

أنت حبّبتَ لي المنيّةَ والقب

رَ فأمست لقياهما تأميلي

خبّلتني وشايَةُ الآثِم الف

ذِّ وأفنت صفاء نفسي وعمري

فليَشِ العالمونَ أللَهُ يدري

أنّني ما صنعتُ غير الخير

بين جنبيّ طائرٌ في السماوا

تِ ولكنّهُ كسيرُ الجناح

كلمّا رفرف النسيمُ عليه

ظنّ فيه تنهّدات الرياح

يا صديقي أبا العلاءِ سلاماً

رطّب اللَه نفحهُ بالودادِ

أنت أُنسي في وحشتي ويقيني

في شكوكي ويقظتي في رقادي

فلسفاتُ الأنغامِ أعمق غوراً

في خيالي من فلسفات الأنيس

وهي خرساءُ ليس تنطقُ إلّا

بلُغاتٍ من أرجلٍ ورءوس

أيّها السامرُ الملوّحُ بالنش

وَةِ من سكره بخمر الأغاني

إبكِ مثلي على أغانٍ تلاشَت

في حنايا الصدور والأفنان

قال شيخٌ لزوجه ذات يوم

داعياً صانك الإله القدير

فتَوالى دعاؤُها أن تراهُ

مثلما كان والشباب نضير

بينما كنت سائراً في طريقي

إذا بشيخٍ قد حطّمته السنون

قلت يا شيخُ هل سئمت فعيّت

شفَتاهُ وجاوبتني العيون

قال لي ميّتٌ يسيرُ به النا

سُ أرحني من ضجّة الأحياء

قلتُ هل أزعجتكَ نائحةُ القو

مِ وفي نوحِها حياةُ الفناء

قلت يوماً لشاعر أنت مثلي

قال في الحظ قلت بل في الأماني

قال يا صاحبي معانيك مثلي

قلت لا قال فالمُنى كالمعاني

صمتُ يوما عن الطعام فما جع

تُ لأني أردتُ هذا الصياما

وأكلت الطعام يوما بلا شو

ق فما زلتُ لا أحبّ الطعاما

قال نثرى يوما لشعري سلاماً

يا أخي يابنَ والدي ووليدي

فردَدتُ السلام شعراً فألقى

فوقَ وجهي السلام كالمردود

قلتُ يوما لطائرٍ عبقريّ

هل تمنّيتَ مرّة أن تطيرا

فرأى في الجواب عبئا يسيرا

لم يكلف جناحه تفكيرا

عجمتني الأيام طفلا فما لنت

لأنّي ما كنت أدري الهموما

ثم شاءَ الزمان أن يتمنى

فتمنّى لعوديَ التحطيما

برحَت بي الآلام يوما فأعول

تُ كأن الآلام بنت الخلود

ليتني ما خلقت أوليتَ نفسي

خلِقَت من حجارة أو حديد

بتُّ ليلى مسهّدا بعد أن أنبئ

تُ أنى مسافر في الصباح

أترانا نعصى لأنّا جهلنا

أن للموت موعداً كالرواح

حدّثونا عن ابن آدم لما

قتلته الأحقاد من هابيلا

ليتهم حدثوا عن القاتل الأخ

رق يبكى شقيقه المقتولا

مكث الفيلسوف خمسين عاما

باحثا عن حقيقة لحياته

ورأى الناس بحثه فرموه

بالجنوه المشاع في خطراته

ما تكونين يا أماني شبابي

وأنا من أكون بين صحابي

أنت ذاتي المجهولة الذات عني

وأنا منك مثل لمح السراب

كان عندي خدامة كايَدَتني

ذات يوم فمزّقَتها عصايا

ثم غمغمت أعذر الله لمّا

طرد الجدّ لارتكاب الخطايا

بين عيشي وبين موتي فروقٌ

هي عندي يسيرةُ العرفان

غير أني أرى حياتي هانت

وهوان الحياة سرّ هواني

وهب الله لابن آدم أرضا

باركتها السماء بالأمطار

وأرى الأرض لم تكن غير قبر

جمّلته الأقدار بالأشجار

يا يد اللَه باركي في يد الفت

نة سهماً مجنّحا دمويّا

لم يدع في جوانحي نبع حزن

لم تفجّره بالبكاء شجيّا

معلومات عن صالح الشرنوبي

صالح الشرنوبي

صالح الشرنوبي

صالح بن علي الشرنوبي المصري. شاعر حسن التصوير، مرهف الحس. من أهل "بلطيم" بمصر. ولد ونشأ بها. ودخل المعهد الديني بدسوق، فمعهد القاهرة، فالمعهد الأحمدي بطنطا، ثم كلية الشريعة، فكلية..

المزيد عن صالح الشرنوبي

تصنيفات القصيدة