الديوان » العصر العباسي » مهيار الديلمي »

ما المجد إلا بالعزيمة فاعزِمِ

عدد الأبيات : 109

طباعة مفضلتي

ما المجدُ إلا بالعزيمة فاعزِمِ

من لم يغامر لم يفز بالمغنمِ

كم ذا القُنوع بوقفة المردودِ عن

بابِ العلاء وجِلسةِ المتظلِّمِ

متأخراً بالفضل أُبخَسُ حَقَّه

وأُرَى مكانَ العاجز المتقدّمِ

حتى كأنّ خليجَ قلبي ليس في

صدري ولا سيفَ انتصاري في فمي

قد كان يرتاب الغبيُّ بفطنتي

ويريبني بالعجز فرطُ تلوُّمي

ومشى إلىّ الضيمُ مشيَ تسلُّطٍ

وطُماعةٍ في عفّتي وتسلُّمي

وأصاتت الأيامُ بي قم تحتشمْ

وأشارت العلياء خاطرْ تعظُمِ

إن كنت تُنكر يا زماني جلستي

فلأنهضنَّ لها نهوضَ مصمِّمِ

ولتدعونّي ثائراً مستيقظاً

إن كنتَ أمسِ دعوتني في النوَّمِ

ولأنْفُضنَّ من الهويني منكِبي

نفضَ العُقاب سقيطَ طَلٍّ معتمِ

ولألقينَّك راكباً من عزمتي

جرداء تفتح في الطريق المبهمِ

في كفِّ راكبها عِنانُ مسمِّحٍ

في السبق غرّةُ وجهه لم تُلطَمِ

يكفيه وزعةُ سوطِهِ ولجامه

ما مس في فخذيه إثر المحزمِ

تنضو الجياد كأنها ملمومةٌ

هوت انحداراً من فَقار يلملمِ

تحت الدجى منها شهاب ثاقبٌ

جِنّ الخطوب بمثله لم تُرجَمِ

تهفو على أثر الطرادِ كأنها

قبسٌ تهافتَ عنَ زنادٍ مصرمِ

تجتاب بي أجواز كلِّ تنوفة

عذراءَ ما وُطئتْ وخَرقٍ أعجمِ

وإذا حفِظتُ النجم فيها لم أُبَل

ما ضاع من أثرٍ بها أو مُعلَمِ

ولقد ركبت إلى المآرب قبلها

ظهرَ الخطار سلمتُ أو لم أسلَمِ

أبتاع عزّاً بالحياة ومَن يَمِلْ

حبُّ الحياة به يُهَنْ أو يُظْلَمِ

في فتيةٍ يتصافنون مياهَهم

بالراح من حَلْب السحاب المصرِمِ

وإذا عيابُ الزاد فيهم أصفرتْ

كان المموِّلُ كلّه للمعدمِ

متهافتين على الرحال فناكسٌ

سئم الكَلالَ وناصبٌ لم يسأمِ

والليلُ يطويه السُّرى في مخرِمٍ

عنّا وينشره الدجى في مخرِمِ

والنجم في الأفق المغرّب رايةٌ

بيضاءَ أو خدّ الحصان الملجَمِ

حتى صبَحنا المجدَ في أبياته

والعزَّ في عاديّةِ المتقدِّمِ

كرماء يمسي الضيمُ من أعراضنا

وشخوصنا في مَزلَقٍ متهدّمِ

فكأن أيديَنا الطوالَ علِقْن من

حبل الوزير بذمةٍ وتحرُّمِ

وكأنّ مَسرانا بُغرَّة وجهه

ومَرادَنا من نَيله المتقسّمِ

شعَبَ الممالك رأيُ طَبّ لم يكن

صدعُ الزجاجة قبله بملأَّمِ

جَلَّى على غُلَوائه متعوّدٌ

لم يجرِ طاعةَ حازم أو مُلجِمِ

ماضٍ يرى أن التأخُّرَ سُبّةٌ

ما آنستْ علياه وجهَ تقدُّمِ

خَفَق اللواءُ على أغَرَّ جبينُه

قبلَ اللقاء بشارةٌ بالمغنمِ

يصلُ القناةَ بفضلة من زَنده

ويزيد حدُّ لسانه في اللَّهذمِ

وامتدّ باعُ الملك منه بساعدٍ

متوغِّلٍ قبل الحسامِ المخذمِ

تُزهَى الدسوت إذا احتبى متوسداً

وتضاءلُ الأحسابُ ساعةَ ينتمي

ويردُّ في صدر الزمان براحةٍ

تُزري أناملها بنوء المِرزمِ

بيضاء يخضرّ العنانُ بمسّها

وتَشيبُ ناصية الحِصان الأدهمِ

وإذا تدوفعت السياسةُ أُسندت

من رأيه بجنُوب طودٍ مُعصمِ

وإذا الملوك دعَوا بخالص مالهم

كان الدعاء مؤيّدَ المُلكِ اسلَمِ

يَسِمون خيرَ ملقَّبٍ وضعوا له

تاجَ الفخارِ على جبين المِيسمِ

ويقلّدون أمورهم متعطّفاً

يرعى لحادثِهم حقوقَ الأقدمِ

طَبّاً بأدواء البلاد إذا سرت

للجور فيها عِلّةٌ لم تُحسمِ

جاءت به أمُّ الوزارة فارساً

ولدته بعدَ تعنُّسٍ وتعقُّمِ

متمرّناً أحيا دروس رسومها ال

أولى وزاد فخطَّ ما لم يُرسَمِ

فندت ظُبا الأقلام يخدُمها الظّبا

ويقادُ ألفُ متوَّج بمعمَّمِ

لله درّك والقنا يزَعُ القنا

بك والفوارسُ بالفوارسِ ترتمي

والخيل تعثرُ في الوغى برؤوسها

متبرقعاتٍ بالعَجاج الأقتَمِ

وعليك من طيش الحلوم سكينةٌ

وعلى سفاه الحرب ثوبُ تحلُّمِ

ومُفاضةُ الأذيالِ يُحسَب متنُها

أدراجَ ماء في الغديرِ منمنَمِ

رتقاء يزلَق بالأسنّة سردُها

زلَقَ الصفاةِ بليلةً بالمنسِمِ

ما زرّها جبن عليكَ وإنما

حكموا بفضل الحزم للمستلئمِ

كم قدتَ من عُنُقٍ بسيفك لم يُقدْ

فإذا ظفِرتَ رحِمتَ من لم يَرحَمِ

وإذا الإباء المرُّ قال لك انتقم

قالت خلائقك الكرام بل احلُمِ

شرعٌ من العفو انفردتَ بدينه

وفضيلةٌ لسواك لم تَتَقدّمِ

حتى لقد ودّ البريء لو أنه

أدلى إليك بفضل جاهِ المجرمِ

لا تصلح الدنيا بغير معدّلٍ

يَسقِي بكأسَيْ شهدها والعلقمِ

يقظان يبسُط راحةً أخَّاذةً

بحقوقها من مغنمٍ أو مغرَمِ

إن سيل رفداً فهي يَنبوعُ الندى

أو سيم ضيماً فهي ينبوعُ الدمِ

والناس إما راغبٌ أو راهبٌ

فاملكهُمُ بالسيف أو بالدرهَمِ

ضحِكتْ بك الأيامُ بعد عبُوسها

وأضاء عدلك في الزمان المظلمِ

وتذلَّلتْ لك كلُّ بكرٍ صعبةٍ

في الملك فارَكتِ الرجالَ وأيِّمِ

كم نعمةٍ لك ألحقتْ متأخّراً

بالسابقات وحلّقتْ بمحوِّمِ

وعطيّةٍ أسرفتَ فيها لم تعُدْ

في إثرها بلواحظِ المتندّمِ

أنا غرس نعمتك ارتوت بك أيكتي

بعد الجفوف وقام عندك مَوسمي

أبصرتَ موضعَ خَلّتي وسمعتَ لي

وسواك من قد صَمَّ عني أو عَميِ

أغنيتني بجَداك حِلّاً واسعاً

عن ضيّق بندى سواك محرَّم

ورفعتَ عن بلل اللئام ورشحهم

شفَتي ببحرٍ من نوالك مفعَمِ

وحقنتَ طَوْلاً ماءَ وجهي عنهُمُ

فكأنما حقَنتْ يمينُك لي دمي

قد كنتُ عن مدح الملوك بمعزل

وعن السؤال على طريقٍ أيهْمِ

لا يُشفِق البخلاءُ من غضبي ولا

أرضَى بفضل عطيّةِ المتكرّمِ

فنقلتَ بالإحسان تالدَ شيمتي

ونقضتَ شرطَ تقلّلي وتحشمي

وأنلتني ما لم أنل فعلمتُ من

عادات شعري فيك ما لم أعلمِ

ولبستُ أنعمَك التي من بعضها

أن صرتُ مضطلعاً بشكر المنعمِ

فلئن أطاعك خاطري أو أفصحتْ

لك من إِبايَ بناتُ فكرٍ معجِمِ

وملكتَ من مدحي الذي لم يملكوا

إلا بفرطِ تكلُّف وتجشمِ

فبما نشرتَ منوِّهاً من سُمعتي

وشهدتَ غير مقلِّد بتقدمي

ونصرتَ فيَّ الحقَّ غيرَ مراقَب

وحكمتَ بالإنصاف غيرَ محكَّمِ

ولئن بقيتُ لتسمعنّ غرائباً

لم تُعطَها قبلي قُوَى متكلِّمِ

تلك المحاسنُ منجَباتُ بطونها

لك بين فذٍّ في الرجال وتوأمِ

يقضِي الحسودُ لها قضاءَ ضرورةٍ

بفضيلة الطاري على المتقدمِ

تنقادُ بين يديك يوم نشيدها

لفمي خِطامةُ كلِّ سمع أصلمِ

يتزاحمون على ارتشاف بيوتها

حشدَ الحجيج على جوانبِ زمزمِ

ذَخَر الزمانُ لعصر ملكك كنزَها

حتى تكونَ منيرةً بالأنعمِ

وإذا زففتُ لديك من نحلاتها

عِظمَ الفصاحةِ في المقال الأعظمِ

نطقتْ فصاحتُها بأنّي واحدٌ

والشعرُ بين ملَجلَج ومجمجَمِ

قد عُطِّلت سُبُلُ القريض فكلُّهم

يتخابطون بجُنح أعشَى مظلمِ

ما بين حيْرةِ قائلٍ لم يحتشم

كشْفَ العيوب وسامع لم يفهمِ

وتكاثَر الشعراءُ كثرةَ قِلَّةٍ

فغدا السكوت فضيلةً للمُفحمِ

فتمَلَّ مدحي واحتفظ بي إنني

زادُ المقلِّ ونُهزةُ المتغنِّمِ

واعطف علي وقد عطفت وإنما

أبغى المزيد وقد بدأت فتمّمِ

أعطيتَني سرّاً ولكن لم يبن

بالمال عندك شهرتي وتوسُّمي

فأجلْ على عِطفي علامةَ مفخر

يُثنيِ برأيك فيّ من لم يعلمِ

يعلو بها بين الأعادي ناظري

ويبين فضلُ تحقُّقي وتحرُّمي

وأعنْ على دنيا حملتُ ثقيلَها

بك مع تلاشي بنيتي وتهدُّمي

لا تبلُني فيها بغيرك حاكماً

لم أخلُ من شكوى بها وتظلُّمِ

وسنان عن حقّي إذا نبّهتُه

قالت خلائقُه الجعادُ له نمِ

لولاك لم أظفَر بنهلةِ طائرٍ

من مالهِ المتأجِّن المتأجِّمِ

يا بردَ أحشائي صبيحةَ قيل لي

هذا الوزير فطب صباحاً وانعَمِ

فكأنّ أوبةَ مالكٍ ولك البقا

طرَقتْ بها الأخبارُ سمعَ متمِّمِ

عادت إلى دار السلامِ سُعودُها

بك فارعها وأقمْ عليها واسلمِ

وهبِ الوصالَ لأنفسٍ مشتاقةٍ

شَوْقَ العِطاشِ إلى السحابِ المُرهمِ

لا حُوِّلَتْ عنّا ظلالُك إنَّها

متقيَّلُ الضاحِي ومأوَى المُعتمِ

وخلا الزمانُ وعمرُ ملكك خالد

لم ينتقِضْ هَرَماً ولم يتخرَّمِ

وطلعت بالإقبال أشرف طالع

من أُفقهِ وقدِمتَ أسعدَ مقدَمِ

ولبستَ للعيدين ثوبَيْ دولةٍ

أرِجَيْنِ بين مُرَقَّشٍ ومُرَقَّمِ

يصفانِ طَوْلَك بين ماض معرِبٍ

بلسانِ رحلتِهِ وآتٍ معجِمِ

فخرت بك الأيامُ حتّى كلُّها

عيدٌ إلى أيَّام ملكك ينتمي

وغدت عيونُ الناس عنك كليلةً

فأعيذُ مجدَك من عيونِ الأنجمِ

معلومات عن مهيار الديلمي

مهيار الديلمي

مهيار الديلمي

مهيار بن مرزويه؛ أبو الحسن (أو أبو الحسين) الديلمي". شاعر كبير؛ في معانيه ابتكار. وفي أسلوبه قوة. قال الحر العاملي: جمع مهيار بين فصاحة العرب ومعاني العجم. وقال الزبيدي: شاعر..

المزيد عن مهيار الديلمي

تصنيفات القصيدة