الديوان » العصر العثماني » جرمانوس فرحات »

ثق إنما الأحزان سبك ضيق

عدد الأبيات : 77

طباعة مفضلتي

ثق إنما الأحزانُ سبكٌ ضيِّقُ

وبسبكِها يبدو الأمين الأصدقُ

ما بين مشرقها ومغربها ترى

ناراً بها صَدأُ المآثم يُحرَقُ

كم ليلةٍ قد بت في عرصاتها

متلفِّتاً وأنا وحيدٌ مُملِق

فكأنني هدفٌ لأسباب الردى

وبنبلها في كل يومٍ أرشَق

أُمسي وقلبي للبلايا مركزٌ

ماءُ البلى في طيِّه يترقرق

فكأنه كُرَة المنايا والشقا

وبصولجان همومها يتمزق

أنَّى توجَّهتُ امتثلتُ حِيالَها

ناهيكَ من نارٍ بقلبي تُحدِق

في كل جارحةٍ جراحٌ مُثخِنٌ

وبكل خافقةٍ بلاءٌ يَخفِق

وبكل ناحيةٍ لذلِّي غربةٌ

وبكل سامعةٍ غرابٌ يَنعَق

قالوا خُلقتَ معذَّباً فأجبتهم

عندي العذاب مجمَّعٌ ومفرَّق

قالوا دُعيتَ إلى الشَقا فاجبتُهم

من يُنكرُ الحقَّ الصراحَ فأحمق

إني بدهري دونَ أهل عشيرتي

متمزقٌ متحرقٌ متغرِّق

راش العداةُ سهامَهم لمذمَّتي

وسهام أحبابي أدقُّ وأرشق

ضر الصديق أمَرُّ ثم أحَرُّ من

ضُرِّ العدو الأجنبيِّ وأحرَق

فانظر لسهمٍ من محبٍّ مُرشَقٍ

واعجب لنارٍ من صديقٍ تَحرِق

فبكل يومٍ محنةٌ وبليةٌ

وبكل يومٍ عبرةٌ تتدفَّق

فبكل يومٍ فرحةٌ من شامتٍ

وبكل يومٍ حاسدٌ لا يُشفِق

وبكل يومٍ ضربةٌ من ظالمٍ

حتى كأني بالدماء مُخلَّق

أشكو الأسى والدهر قاضٍ صارمٌ

إن جئتَه فهو العدو الأزرق

تُبدي نوائبُه البشاشةَ خدعةً

وبِطيِّها مكرٌ مغيظٌ مُحنِق

نَثرَت بواترُ صرفهِ نظمَ الورى

فمُمزَّقٌ من بأسه ومُحلَّق

فالعقل فيه مؤخرٌ ومكذَّبٌ

والجهل فيه مصدَّر ومصدَّق

كثرت بنوه مذ تكاثر حُكمُه

والغصنُ من ريح النجاسة يورق

أضحى عقيماً من سليلٍ عاقلٍ

ونمت بنو العِلّات فيه وأحدَقوا

لا تجهلنْ فالعقل يَعرِف جاهلاً

والجهل يجهله الغبيُّ الأحمق

أضحيتُ مجروحَ الفؤاد ولم أزل

بسهام ثلبك كل يومٍ أُرشَق

لم تَبقَ جارحةٌ بنفسٍ عِفتُها

إلّا وفيها منك سَهمٌ مُرشَق

رفقاً بخلٍّ قد خُلِقتَ لذمِّه

لكنْ لحبل ودادِكم لا يُخلِق

لو كنت تخلَقُ في الورى لمديحه

لرضيتَ أنك في الورى لا تُخلَق

ما كان ضرَّك لو رضيتَ عن الذي

أضحى بكم دون الملا يترفق

أنفقت في سوق الوفاء مودتي

فيكم وعمري في مديحك أُنفِق

فاعصِ اللسانَ ولا تطع هذيانَهُ

إن اللسانَ هو العدوُّ المُقلق

شتان بين العندليب وشدوِه ال

مشجي وبين غراب بينٍ يَنعَق

إن الحمار الغُمرَ يُعرَفُ نوعُهُ

بين الجياد الوُرْدِ لمَّا يَنهَق

هذا هو الواشي المعيبُ بكذبه

لما وثقتَ به كخلٍّ يَصدِق

أطغاك بل أغواك عن حبي وعن

مدحي وهوْ يرضيهِ أنك تَقلَق

فجزاكَ عني محبَّةٌ ما بعتُها

برخيص ذمِّك والجزاءُ محقَّق

فثناكَ عني ريحُ ماءٍ آسنٍ

وثنايَ عنكَ نسيمُ مِسكٍ يَعبَق

فاللَه يأمر والرسول مؤكّدٌ

فيه وإنجيلُ المسيحِ يُحقّق

ألا تكافوا الشرَّ شرّاً مثلَه

بل أكرموا الأعدا وجودوا وارفُقوا

فاذهب فأنت طليق ربٍّ شرعُه

قد فل غَربَ لسانِ هجوٍ يَزهَق

جهالُه سادت علي عُقّالِه

والشمس يحجبها الغمام المُطبِق

حتى أُسرتُ به فأَطلقَ عبرتي

من جوره فأنا الأسيرُ المُطلَق

وبليتُ منه ومن بنيه بظالمٍ

قلقٍ وقلبي من عَناه أقلق

ناجاه قلبي فوق طور وداده

حتى ثناه فخرَّ منه يُصعَق

أعيت هواجسه فؤادي مثلما

أعيا الرخاخَ وفِرْزَهنَّ البَيذَق

فكأن أفكاري إذا ما اغتالَها

ضَرَبَتهمُ أيدي سبا فتفرقوا

أمسى يعاقدني الودادَ وودُّه

عني يغرِّبُ تارةً ويشرِّق

يا ناسياً حبي القديمَ وموحشاً

أنسي الحديث وظالماً يتألَّق

قد شِنتَ حُسنَ محبتي ونُضورَها

ظلماً كما شان النُضارَ الزيبق

فكأنني حلبٌ برقَّةِ لينها

وكأن طبعك في الغلاظة جلَّق

يا ليت قومي يعلمون بأنني

أمسيت فيك بدمع عيني أشرق

فَتهنَّ في عيشٍ رغيدٍ واسعٍ

مذ بِتُّ فيك ورَبعُ عيشي ضيق

لولاه كان الهجو فيك موفَّقاً

والهجوُ طبعاً في اللئام موفَّق

إني ليقنعني وسمعي سامعٌ

صوتُ المسيح على الصليب يُشوِّق

اغفر لهم أبتاه هم لم يعلموا

ما يعملون وإن رأوا ما صدَّقوا

حسبي أراه على الصليب ورأسُه

عن كبريا أهل التكبر مُطرق

أمَرَ السنانَ المُرَّ يفتق جيبَه

وبفتقه لجراح آدم يَرتق

هذا الذي جعل العدو صديقه

وصديقه بدم العدو مخلَّق

وجعلتُ فيه دمع عيني مَغرِباً

لما أضاها منه ذاك المشرق

وخفضت رايات العداوة عندما

أبصرت رايات السلامة تَخفُق

وخلعت فيه عذار عذري مذ غدا

لَبِقاً ولكن مدحُ مريم ألبق

ولبست في مدح البتولة مريمٍ

ثوبَ الرجا فكأنه الإستبرق

يسمو بها سِعري وشعري في الورى

يزهو كأني بها الفصيح المُفلق

ورفعت فيها لواءَ مدحي ظاهراً

في الخافقين كأن مدحي سَنجق

قد حصَّنتني من عدوٍّ ماردٍ

بجوارها فكأن حصني الجَوسق

حتى غرقتُ بمدحها وبحمدها

وغريقُها بجهنّمٍ لا يغرق

فترى العدو لمدحها متشوِّقاً

وإلى مناقب فضلها يتشوق

شهدت لها الأعداء والفضلُ العليْ

ما قد أقر به العدوُّ وصدَّقوا

لا تلحقُ الآفات يوماً عبدَها

ومن المحال طلاب ما لا يُلحَق

فكأنه من بأسها في معقلٍ

وكأنها لحماه سورٌ محدِق

أدعوكِ يا سلطانةً ما حوربت

إلا وأحزابُ العداة تمزقوا

قومي لنصري إن عزمك وحده

عند العدا جيش مخيفٌ فيلق

خفقت بنودُ النصر منك فمذ رأت

أعلامَك الأعداءُ طرّاً أخفقوا

فسواكِ يُغلق بابَ جود نوالِه

لكن جودك بابُه لا يغلق

ولقد سهرت على مديحك ليلةً

حلف الصباحُ بأنه لا يشرق

وأرِقتُ حتى قال شوقي نحوكم

أَرَقٌ على أرقٍ ومثلي يأرق

معلومات عن جرمانوس فرحات

جرمانوس فرحات

جرمانوس فرحات

جبرائيل بن فرحات مطر الماروني. أديب سوري، من الرهبان. أصله من حصرون (بلبنان) ومولده ووفاته بحلب. أتقن اللغات العربية والسريانية واللاتينية والإيطالية، ودّرَس علوم اللاهوت، وترهب سنة 1693م ودُعي باسم..

المزيد عن جرمانوس فرحات

تصنيفات القصيدة