الديوان » العصر العثماني » جرمانوس فرحات »

خليلي مرا بي على ربع ناسك

عدد الأبيات : 42

طباعة مفضلتي

خليلي مرّا بي على ربع ناسكِ

لنحيي لباناتِ النفوس الهوالكِ

ربوعٌ حكت روض الجنان وأهلها

ملائكةٌ في المجمع المتشارك

ولا تعذلاني إن عدلتُ إليهم

ونكَّبتُ عن طُرْق الردى والمهالك

لقد شاقني من طورسينا مناسكٌ

فأودعت قلبي بين تلك المناسك

وقد فتكت فينا مساجدُ طورِها

فأضحيت ميتاً بين شاكٍ وفاتك

فكم سَبَكَت أطلالُه ثم قَدَّست

نفوساً بنفسي قُدْسُ تلك السبائك

سقى اللَه ميزانَ القلوب فكم به

قلوبٌ أسالت شوقها في المبارك

وكم وزنت ميلاتُه من دقائقٍ

نُميِّز فيها بين سالٍ وسالك

فشهوة شَيهاتٍ أمالت قلوبنا

كما مال نحو المال قلب الصعالك

فما قام فيه ناسكٌ وهو ماسكٌ

يدَ اللَه إلّا قاده كفُّ ماسك

ويا حبذا الإسقيطُ وهو مزيَّنٌ

بنساكه يفتر من ثغر ضاحك

فحاكت به ثوبَ الفضائل أهلُه

فأحسنْ به ثوباً لأفضل حائك

فمن راهبٍ عارٍ وآخرَ متَّقٍ

ومن فاضلٍ برٍّ وعدلٍ وناسك

إذا ما بهم قد جُزتُ أُحسَبُ عابراً

بوادٍ شذاه طيبُ تلك المناسك

لقد عبقت أرجاؤه من فضائلٍ

كَعَرفٍ سرى من نبته المُتلاحك

ويَعبق عَرف الفضل من ذكرِ أهله

وسكّانه في كل نادٍ مبارك

إذا جئتُه يوماً حللتُ شكائمي

كأني بتيبائيس فوق أرائك

أرائكِ نسكٍ فُرْشُهُ من فضائلٍ

وسائدُه بِرُّ الكمال المُمالك

كأن ضيا تلك المناسك في الورى

سنا البدرِ في ليلٍ من الإثم حالك

فأعجب بسكان الديار كأنني

إذا كنت فيهم كنت بين ملائك

فمن رام أن يعتاض منهم بغيرهم

يكون كمعتاض اللُجين بِآنُك

هم الأصل في التقوى تليداً وطارفاً

وما دونهم كالدون تحت السنابك

وفي أردنِ ابنِ اللَه قمتُ مسبِّحاً

على نهره من فخره المتدارك

فكم سفكت فيهم نفوسٌ دماءها

فطوبى لمسفوكٍ وطوبى لسافك

ألا اعجبْ لنفسٍ فوزُها أجرُ فتكها

مُخصَّصةً دون النفوس الفواتك

وشَرَّفها من طور لُبنان مَنسكٌ

تركتُ به قلباً له غيرَ تارك

فإني أرى في كل جذعٍ لأرزةٍ

به هيكلاً من حُسنه كالأرائك

فيا هيكلاً في الحسن جاءَ كصورةٍ

مشيَّدةٍ في هيكل بِدَرانك

ومن تحته الوادي المقدَّس مُخصباً

بماءٍ وأثمارٍ وكُثر المناسك

ورهبانُه فيه صفوفُ ملائكٍ

يعارضهم فيه صفوفُ ملائك

فكم هتكت رهبانُه غشَّ ناكر

ولكنه للسر ليس بهاتك

وكم أهلك التَوّابُ فيه رذيلةً

وما هلكت حتى غدا غيرَ هالك

وقد ملكت كفاه كل فضيلةٍ

بوادٍ به واديه أعظمُ مالك

هو الجنة الكبرى وفردوسها الذي

يتوق إلى مأواه كلُّ مبارك

فيا وافداً يبغي اشتراكاً بأهله

عليك به إن رمتَ أجرَ المُشارك

فقم إنما الكسلانُ في طلب العلى

يُدانُ كزنديقٍ عَقوقٍ وآفك

حريٌّ برب الجد أن يلبَسَ التقى

إذا كان عن تقواه ليس ببارك

يلوكُ كلام اللَه عذاباً وإنما

يلذُّ كلامُ اللَه في حلق لائك

كما لذَّ مدحُ البكر مريمَ في الورى

لمادحها في مدحها المتبارك

على أنَّها أضحت طبيبةَ قومها

وناهيك من آسٍ شفى كلَّ ناهك

على بابها وفدُ العفاة وطَولُها

يَعُمُّ نفوساً أصبحت في المهالك

أسيدتي إني ببابك واقفٌ

وإني إلى جدواك أحرى فباركي

معلومات عن جرمانوس فرحات

جرمانوس فرحات

جرمانوس فرحات

جبرائيل بن فرحات مطر الماروني. أديب سوري، من الرهبان. أصله من حصرون (بلبنان) ومولده ووفاته بحلب. أتقن اللغات العربية والسريانية واللاتينية والإيطالية، ودّرَس علوم اللاهوت، وترهب سنة 1693م ودُعي باسم..

المزيد عن جرمانوس فرحات

تصنيفات القصيدة