الديوان » العصر العثماني » جرمانوس فرحات »

قد ضل من قد حاد عن كشف الزلل

عدد الأبيات : 80

طباعة مفضلتي

قد ضل من قد حاد عن كشف الزللْ

مذ زلَّ عن إيضاح ما فيه انفعلْ

من أكلةٍ قد تاه آدمُ جدُّه

لكنه قد تاب عما قد أكل

وبخُلفه أبقى الوصيَّ لخَلفِه

موتاً وبعثاً إذ يدانُ بما فعل

تنقادُ نحو الموت رغماً مثلما

ينقاد نحو الذبح والسلخ الحَمَل

فالموت موردناً ومصدرُه الردى

آهاً لحالٍ كان مورِدُها الأجل

لا وِردُه يصفو بمصدره ولا

تحلو حقيقته فتوزنَ بالأمل

فكأن ذاك الموت عنا نائمٌ

إن هبَّ يَحكمُ حكم قاضٍ قد عدل

إنا به ما بين وعدٍ صادقٍ

ووعيد حكمٍ فالقضاء على وجل

هذا وسوط العمر يَقرَعُ طِرفَه

لا خير في عمرٍ تسوِّفه العِلل

إن زاد فَثْمانونَ شوطاً بعده

يكبو جواد العمر في شأو العلل

لسنا بمظلومين فيه وإنما

من طبعنا ننحو إلى هذا الجلل

وطبيعةٌ بالموت لازمةُ البلى

زلَّت وحاق بها عن الحق الزلل

خَصَّت لها رأياً فلما راقها

ضلت وكان السمُّ في ذاك العسل

تاهت بها أديان زورٍ شلَّها

عن ربها حتى رماها بالشلل

أخفت لها سرّاً خفيّاً غشَّها

لما أذاعته رأت سوءَ البدل

شامَت شعاعَ الحق إن هي أَعلنت

وطغت بذيل الشك لما إنسدل

يا ساتراً عنا حقيقةَ دينه

زعماً بأن الدين بالسر اتصل

إن كان ذا حقّاً فبيِّنه لنا

أو كان ذا كذْباً فما هذا الدَغَل

تخشى على الممدوح تُظهِرُ ذاتَه

حقّاً وخير المدح ما فيه مثل

فالجوهر الممدوح تعلن حسنَه

فخراً وقبحُ العار يُخفيه الخجل

دع مذهباً قد جاء منك مؤيّداً

فيه خرافاتٌ بها كنت الهَمَل

رملٌ وأُسطرلابُ ذاكَ وطالعٌ

سحرٌ وإرصاداتُ نجمٍ قد أفل

مع كيميا كذب كذاك وسيميا

زورٍ تضل العقل في وادي الخبل

صيَّرتَ مذهبك المقول مقلَّداً

في شيعةٍ بالقول ضلت والعمل

إن قستَ ياهذا بدينك ضُحكةً

ما الفضل بين الحق والرأي الخلل

إن قلتَ إن السيف أمضى من عصا

هل زاد فضلُ السيف بالعود الأسل

لا فضل للفرس الجواد إذا بدا

في الجري أسرعَ بالطراد من الجمل

وزعمت أن الحق عندك ملغزٌ

بالحرف لما فيه سرك قد حصل

إن كان دين الحق عندك فاتَّئد

لا تدعي بالخوف من حقٍّ وصل

لا تذممنْ من جاء يجهل كُنهَهُ

إذ كان فيما بين كيف ولعل

ما ذنب شانيه ودينُك غامضٌ

أنَّى يلام العقل والعلم الهَمَل

حاشا لرب الأمر أن يُردي الذي

قد قام ضد الأمر إن أمرٌ غفل

أنشأتَ في سر المعمَّى ملغِزاً

عن بعض آراءٍ بها نقلٌ أَزَل

من كمِّ أعدادٍ وروحٍ جُسِّمت

صُبُرٌ ونيرانٌ ونسلٌ مع أجل

أعجمتَ يا هذا خلاصاً أنت في

إبهامه تهدي كمن فيه هَزَل

ألغزته في طي شعرٍ معجمٍ

باللفظ والمعنى وفي الوزن الخطل

لحنٌ وإكفاءُ السنادِ وخَزمُهُ

إقواءٌ اِيطاءُ القوافي أو خلل

هذا وقد أثبتُّ فيكَ كنىً بها

أبهمتَ ما أثبتَّ كالقوم السَفَل

حيناً تقول الخضر فيك مقمصٌ

حيناً تقول بأنك الحاوي الجمل

حيناً بأنك واصلٌ بل فاعلٌ

حيناً تقول بأنك المولى الأجل

حيناً بأنك ربُّ عزٍّ مرسِلٌ

رُسُلَ البشارة منك آياتُ الأزل

ما هنَّ آياتٌ ومن هم رسلُكم

إن كنت أنت الحق فاظهر بالعمل

حيرتنا يا أبا براقش قل لنا

من أنت بل ما أنت من فلمن عقل

ورَّيت عنا خبرَ عينك خائفاً

من ذا البيان فكُفَّ عن هذا وخَل

إكسيرُك الممدوح عنا مختفٍ

والدانق المحمود في طي الدُغَل

ابرُزْ به إن كان حقّاً تشفِنا

من شانِ قذفٍ شانَ أو كفرٍ قتَل

لا تَبدلَنَ الحق بالكذب الذي

ترضاه إن الحق يفضح من بَدَل

عَرَّضتَ في علم الرياضة أنه

خيرٌ وخير العلم ما تمَّ وجل

إيهٍ فما علم الرياضة أفتنا

ما الزهدُ ماذا العفُّ في من قد بَتَل

ما الكفرُ في أنواعه وصفاته

ما هيْ الحواس العشر في هذا المحل

ما الإثم في تعريف كل كبيرةٍ

منه وما حد الصغيرة في الزلل

وأبِن لنا عن حال كل فضيلةٍ

ورذيلةٍ إن كنت في العلم البطل

ما العقلُ في إدراك تخييلاته

ما المنظر الممثول في معنى المثل

ما الضعف في الإنسان أو ما نقصه

ما هوْ شفا كلٍّ إذا النقص اشتمل

ما الكبريا ما العجبُ ما الإقرار في

تفصيله كمّاً وكيفاً إن حصل

ما النسك والإمساك في حالاته

إن جاء ما بين الحرارة والكسل

خض في علوم اللَه واكشفها لنا

إن التكحُّل ليس حقّاً كالكحل

مولىً تناديه الخليقةُ رَبُّها

للكون إن الكون لم يُخلَق عَجَل

قد جل عن قبلٍ وبعدٍ وعلا

عن حيّزٍ يحويه ظَرفاً أو مَثَل

في ذاته فردٌ أقانيمٌله

قد ثُلِّثت لم يخل منها في الأزل

آبٌ وإبنٌ ذا وروحٌ منهما

بالحب منبثقٌ كما قال الأجل

مولىً برا قَبلاً ملائكةَ السما

وأقامَهم منه جنوداً وخَوَل

بالنار مبدَعةً بقدرة قادرٍ

جاءت وليس لهنَّ جسمٌ أو عضل

لا موت يفنيهم ولا قوتٌ لهم

لم يحصِهم عدّاً سوى مُفني الدول

بل إنما بالحصر خُصَّ مكانُهم

كي يفصلوا بالحد عن مبدا العلل

يَبدون أشخاصاً نراهم عندما

يُرسلْهم المولى بأمرٍ قد عدل

لماطغى إبليس وهو مخيّرٌ

ألقاه مولاه وساء بما فعل

لم يرج بعد النفي عوداً أو هدىً

يا ويله مما به يوماً نزل

قد شاد أطباق السماوات العلى

سبحانه مولىً بديعاً بالعمل

هذي كواكبها تزانُ بسَيرها

هذي ثوابتُها كطلٍّ في طَلَل

أرضٌ دحاها اللَه لما شاءها

من فوق أمواهٍ بسهلٍ أو جبل

أجرى بها يمّاً محيطاً مثلما

أجرى بها ماءً قراحاً فاعتدل

أذكى بها القمرين إلّا أنه

أكساهما ثوبين نقصاً وخلل

ثُمَّت برا الإنسان ذا عقلٍ ذَكي

قد زانه بالنطق لما أن عقل

فكرٌ وفهمٌ بعد ذاك إرادةٌ

هذي قُوَى نفسٍ بها الجسم اكتمل

قبلاً برا جسماً وبعد هنيهةٍ

أجرى به نفساً وفي هذا نسل

أخصصْ به ربّاً تجلى إذ علا

أكرِمْ به مولىً إذا قال فعل

قد حل في حوّاً ونجّى آدماً

لما غوى بالأكل من صوت الأَصَل

هذا هو السر البديع بفعله

هيهات من يدري ومن يسمع يَخَل

لم أُخفه ضنّاً به وصيانةً

عمن يريد العلم في طي العمل

معلومات عن جرمانوس فرحات

جرمانوس فرحات

جرمانوس فرحات

جبرائيل بن فرحات مطر الماروني. أديب سوري، من الرهبان. أصله من حصرون (بلبنان) ومولده ووفاته بحلب. أتقن اللغات العربية والسريانية واللاتينية والإيطالية، ودّرَس علوم اللاهوت، وترهب سنة 1693م ودُعي باسم..

المزيد عن جرمانوس فرحات

تصنيفات القصيدة