الديوان » العصر العثماني » جرمانوس فرحات »

بشراك بشراك قد أدناكم النائي

عدد الأبيات : 45

طباعة مفضلتي

بُشراكَ بُشراكَ قد أدناكُمُ النائي

مذ أومَضَ البَرقُ من تِلقاءِ عَذراءِ

فالجَوُّ مُنبَجسٌ بالنورِ مَفرِقُهُ

والأَرضُ قد بَسَمَت عَن ثَغر لَمياءِ

قد غَرَّدَ الطائِرُ السِرِّيُّ من طَرَبٍ

لما رأى القُضبَ تَرقُصْ رَقصَ هَيفاءِ

والريحُ تكتُب فوقَ الماءِ أنملُها

سَطراً تُحاكيهِ بينَ الدُرِّ والماءِ

إذ لاحَ شَمسُ الهُدى في بُرجِ طالعِه

بِشارةٌ قَدَّست أرحامَ حَوّاءِ

وأشرَقَ اللَهُ في ناسوت آدمهِ

مُذ جاءَ جِبريلُهُ العالي ببُشراءِ

كأَنَّ ناسوتَهُ المخلوقَ في عَجَبٍ

بابٌ للاهوتهِ في طَيِّ إِخفاءِ

أَهلاً بمُتَّشحِ الناسوتِ مُنحدراً

كأنَّهُ قَبَسٌ في جِنحِ دَهماءِ

شارَفتَنا وقَتامُ الكُفر يَصرَعُنا

والعَقلُ يَخبِطُ فيهِ خَبطَ عَشواءِ

وَبَينَما الجَهلُ يَغشى العقلَ مُنتَصِراً

بَدَت طَلائِعُ جبريلٍ لعَذراءِ

جبريل ما لَكَ منقضّاً وقد بزغت

من فيك شمسٌ أراها سِرَّ مولائي

أرى الجليلَ بأَصقاع الجليل وَقَد

كانَ الجليلُ على أَكنافِ أضواءِ

يا أرضَ ناصرةٍ أضحيتِ ناصرةً

عَزائِماً كُنَّ قبلاً ذاتَ أسواءِ

أجابَ جِبريلُ والأَسرارُ تَعضُدُهُ

إنِّي رسولٌ بإنعامٍ وإِنشاءِ

إلى بتولٍ أُبَشِّرْها وقد وُصفَت

لي مريم البكر فَاِسمع نَصَّ بُشرائي

لكِ السلامُ أيا قُدسُ اِستقرَّ بِهِ

ربٌّ تعالى بألقابٍ وأسماءِ

الرب معْكِ وفي أَحشاكِ أَبصُرُهُ

إبناً جنيناً بدا في سِلك أَبناءِ

لكِ السلامُ أَيا كَنزاً بِهِ وجدوا

ماءَ الحياةِ لِأَمواتٍ وأَحياءِ

يَجيءُ مِنكِ إلهٌ نَحنُ نعبُدُهُ

وَيَنشُلُ الضالَ من تيهٍ وإغواءِ

ذاك الذي قد رَأى حَزقيلُ مَنظَرهُ

من فوق مَركَبةٍ ما بينَ أضواءِ

تَنقَضَّ مِنهُ بروقٌ خلتُها شُهُباً

مِنها الملائِك في خوفٍ وإغراءِ

نَراهُ قَد حَلَّ فيها مِثلَما سُفُنٍ

أرسَت أناجيرَها في لجِّ آلاءِ

أنت هي الرَوضة المأمونُ مَغرِسُها

ينساب فيها مَعينُ البُرءِ للداءِ

أَنتِ هي الهيكلُ المختار من قِدَمٍ

لم ترقَهُ قَطُّ أقدامٌ بأسواءِ

أَنتِ التي هي قُدسُ القُدسِ مَقْدسُها

مِنها نَنال سِعاداتِ الأَخِصّاءِ

ومنكِ يا بكرُ يأتي اللَه مُتَّلِداً

والختمُ باقٍ بإِجلالٍ وإِرعاءِ

لكي يُخَلِّصَ حَوّا من غَوايتها

بنَهجِهِ الحقَّ يمحو آيَ ظَلماءِ

فكلُّ نُطقٍ يماريهِ بهِ خَرَسٌ

وكلُّ عينٍ شَنَتهُ عينُ عمياءِ

وكل سَمعٍ يكذبْهُ بِهِ صَمَمٌ

كَأَنَّهُ جاءَ مَحشوّاً ببَلواءِ

يا حاملاً عرشَهُ الأَجنادُ في رَهبٍ

ها الآنَ مَثواكَ في أَحشاءِ عذراءِ

طوباكِ يا مَريمُ العذراءُ إذ وَفَدَت

عَليكِ نُجّابُ أفراحٍ وبُشراءِ

حقّاً لقَد أُنطِقَ الراوونَ عنكِ بأن

عن مثلها أُعقِمت أرحامُ حَوّاءِ

إِنّي أرى الكونَ بَعد اليأسِ مبتَهِجاً

قد أيدتهُ براهينُ الأَوِدّاءِ

فالكُفر في حَرَبٍ والكذْبُ في كُرَبٍ

والصِدقُ في طَربٍ والحاءُ في الياءِ

والخَلقُ في رَهَجٍ والأُفق في بَهَجٍ

والنُطق في نَهَجٍ يَشدو كَوَرقاءِ

والإثم قد نَسَخَت آياتِ سورتِهِ

رياتُ مطلَعِ غُفرانٍ وَإِرضاءِ

والهَرطَقاتُ غَدا الإيمان يُدحِضُها

كَأَنَّها العار للمَرئيُّ والرائي

ترتدُّ عنها عيونُ الناس خاسئَةً

كأَنَّها رُقِمَت في طِرسِ أَقذاءِ

أَلقى عليها معينَ الحق فاندَرَست

مذ قام يمحَق معْها كلَّ فحشاءِ

طوبى بني آدمٍ إذ قد رأوا ملِكاً

في زِيِّ عبدٍ بلا كِبرٍ وخِيْلاءِ

بشراك يا آدمُ المسجونُ في نَفَقٍ

وافاك آسيكَ من ضُرٍّ وأسواءِ

قد تمَّ سُؤلُكَ فَاخلَع ما عليك فَقَد

نَجَوتَ من عثرةٍ رَقشاءَ رَقطاءِ

لذاك لما دعاني في الورى زَمَني

أجَبتُهُ إذ لساني غيرُ فَأفاءِ

إليك عذراءَ بكراً في غَلائِلها

ما شانَها قَطُّ نَظّامٌ بإيطاءِ

تُزَفُّ مَنظومةً كالدُرِّ مَنطِقُها

يجِلُّ إعرابها عن قَدح إِقواءِ

معلومات عن جرمانوس فرحات

جرمانوس فرحات

جرمانوس فرحات

جبرائيل بن فرحات مطر الماروني. أديب سوري، من الرهبان. أصله من حصرون (بلبنان) ومولده ووفاته بحلب. أتقن اللغات العربية والسريانية واللاتينية والإيطالية، ودّرَس علوم اللاهوت، وترهب سنة 1693م ودُعي باسم..

المزيد عن جرمانوس فرحات

تصنيفات القصيدة