الديوان » العصر العثماني » جرمانوس فرحات »

لقد ضل من قد حاد عن مورد الكشف

عدد الأبيات : 84

طباعة مفضلتي

لقد ضلَّ من قد حاد عن مورد الكشفِ

وزل عن الإيضاح في سرِّه المخفي

وتاه كما قد تاه قدماً أبو الورى

بأكلة خُلْفٍ ثم آبَ عن الخُلْف

وأبقى لذاك الخلف في الأصل حالةً

بها الموت ثم البعث للدين والزَعف

نُقاد إلى الموت اضطراراً كأننا

ذبيحٌ يقاد للمنية بالعُنف

إذا ما وردناهُ صدرنا إلى الردى

ومصدره يبدي لنا موردَ الحتف

فلا وردُه يصفو بمصدره ولا

حقيقتُه تحلو فتؤذنَ بالرَشف

كأني في جفن الردى وهو نائمٌ

إذا هبَّ يقضي حكمَ عدلٍ على النَصف

ونحن نرى ما بين وعدٍ بفعلنا

وبين وعيدٍ فالقضاء على حرف

ترانا وشَوطُ العمر يَقرَعُ طِرْفَهُ

فبعداً لشوطٍ ثم بعداً من الطِرف

ثمانون شوطاً قلَّ أو جَلَّ حَدُّهُ

ويكبو جواد العمر في حلْبة الوقف

ولسنا بمظلومين فيه وإنما

طبيعتنا تنحو إلى الموت للخُلْف

ولو لم تكن بالموت ملزومةَ البِلى

لضلت بما زلت عن الخالق المُكفي

ومع ذلك قد ضلت عقولٌ بما روت

وكَنَّتْ وكان الدَرْزُ في ذلك الكَفِّ

مشعَّبةَ الأديان عن دين ربها

وقد شُدِهَت مما رأته من الوَجف

أَسرَّت لها سراً خفياً فأَذهلت

ولما أذاعته رأت ضِلَّةَ المخفي

وشامت شعاع الحق ضمن اعتلانها

وذيلُ رداء الشك منسدِلُ السَجف

فيا ساتراً عنا حقيقة دينه

بدعواه أن الدين بالسر يستخفي

فإن كان حقّاً فهو أولى بكشفه

وإن كان خُلْفاً ما ارتكابُك للخُلْف

أتخشى على الممدوح تُظهِرُ ذاته

عياناً وخير المدح ما خُصَّ بالكشف

جواهرُ نُبديها لنحظى بحسنها

وعارٌ نواريه فراراً من القذف

وأيَّدتَ ذا ديناً خفيّاً مموَّهاً

ببعض خُرافاتٍ بها أنت تستكفي

برمْلٍ واصطُرلابِ وَفْقٍ ومَنْدَلٍ

وسحرٍ وإرصادات نجمٍ مع الحفِّ

كذا الكيميا مع سيمياء طوالعٍ

بها العقل مفتونٌ عن الكامل الوصف

وصيَّرتَ مَذهبْكَ المقولَ مقلَّداً

به شيعةٌ ضلت عن الحق والعُرف

أجبني إذا ما قست بالدين ضحكةً

فما الفضل بين الحق والكذب في الصُحْف

إذا قيلَ أن السيفَ أمضى من العصا

فما الفضلُ للسيف الصقيل على السَّعْف

وإن قيل إن الطِرْف أسرع في الوغى

من الحَرْفِ ما فضل الجواد على الحَرف

وتزعُمُ أن الحق عندك مُلغَزٌ

بحرفٍ طواه السر في ذلك الحرف

فإن كان دينُ الحق فيك اتصاله

فلِمْ تدَّعي بالخوف من نوره المُشفي

وتثلب أقواماً شنَوهُ لجهلهم

به وهو مخفيٌّ وناهيك من مخفي

فما ذنبُ شانيه ودينك غامضٌ

وأنَّى يلام العقل والعلمُ مُستَخفِ

فحاشا لرب الأمر أن يُهلكَ الذي

عصى أمره والأمر خافٍ بلا كشف

وأنشدتَ في سر المُعمَّى الذي به

سترتَ روايات الرسائلِ باللُّطف

إشاراتِ أعدادٍ وروحٍ مُجسَّمٍ

وصبراً ونيرانَ الحياةِ مع الحتف

فأعجمتَ يا هذا علينا خلاصَنا

وأبهمتَه بالاسم والفعل والحرف

وألغزتَه في طيِّ شعرٍ تعقَّدت

معانيه والألفاظُ في غاية الوقف

سِنادٌ وإيطاءُ القوافي ولحنُها

وخَزْمٌ وإقواءٌ ثم إكفا مع الزَّحف

وعدَّدتَ من وصفيك إسماً وكُنيةً

وأبهمتَ في دعواك ما فيه تستخفي

فحيناً تُرينا الخضرَ فيك مُقمَّصاً

وحيناً ترينا الفليسوف على حقف

وحيناً ترينا واصلاً ثم فاعلاً

وحيناً ترينا مالك الكون بالعنف

وحيناً ترينا أنك اللَه مرسلٌ

كتابك مع رسل البشارة والألف

فأين كتابٌ ثم رُسْلُكَ عندنا

فإن كنتَ أت الحق تَظهرُ بالعطف

فحيَّرتَنا يا اَبا بَراقشَ قل لنا

مرادَك لا تخش العِيانَ مع الكشف

وورَّيتَ عنا خُبرَ عينك خائفاً

من الكشف إن العقل بالكشف يستكفي

وإكسيرك الممدوح عنّا خبأْتَه

ودانِقُهُ المحمودُ من ألمٍ يشفي

فأبرز به إن كان حقّاً مصدقاً

لنَشفَى به من داء كفرٍ ودا قَذف

ولا تُبدلنَّ الحق بالكذب عنوةً

ولا تُرضِنا عن ذاك بالأفِّ والتُّفِّ

وعَرَّضتَ في علم الرياضة مُعلِناً

تُفيدُ وخير العلم ما تمَّ بالوصف

فقل ليَ ما علم الرياضة مُعلِناً

وما الزهدُ ما حدُّ الطهارة باللطف

وما الفكر ما أنواعه ما صفاتُه

وماذا الحواسُ العشر في ذلك الظَرف

وما القصد في تعريف كل كبيرةٍ

من الإثم ما حدُّ الصغيرة في العُرف

وما العقلُ ما إدراكُهُ سيِّد الورى

وما الناظر المعقول في عالم السَجف

وما ضعف داء الطبع فينا ونقصه

وما هو شفا كلٍّ من النقص والضعف

وما العُجب ما الإفرازُ في كل حالةٍ

وتفصيلها بالكم والكيف والوصف

وما النسك ما الإمساك في كل شهوةٍ

برهبنةٍ قامت على الزهد والقشف

أَجِب مسفراً عن فطنةٍ ألمعيةٍ

وخُض في علوم اللَه يا عالماً يكفي

إلهٌ رأيناه بآثار خلقه

وإبداعِه الكونين في قبضة الكف

ينزَّهُ عن قَبلٍ وبعدٍ بذاته

وعن زمنٍ يحصيه بالحصر في ظَرف

وكِلْمَتُهُ الأقنومُ ثانٍ لأولٍ

وثالثُه الروح المُعَزِّي بلا خُلف

ولكنه بالذات والملك واحدٌ

إلهٌ له التصريف في خلقه الصِرف

ونعبده بالوهم شخصاً محيَّزاً

وحاشاه من شخصٍ يُحيِّزُه وصفي

فأوصافه تحوي معاني جلاله

وآثار قُدرتْهِ على كل مُستخف

يُرَى من جنودٍ قد يراهم بأمره

بفطرة روحٍ ليس بالجسم ذي النُطف

من النار قد جاءت بقدرة قادرٍ

بغير هيولي الجسم صفّاً على صف

تَنَزَّهُ عن موتٍ وأكلٍ سريعةُ ال

تنقُّل لم تُحجَر بأرضٍ أو السقف

بلى إنما بالحَصر خُصَّ مكانُها

لِتُفصلَ عن باري البريّة باللُطف

تُخالُ بأشكالٍ وأشخاصِ صورةٍ

مُكلَّفَةٍ أمرَ التحرُّك والوَقف

ولما طغى إبليس وهو مُخيَّرٌ

نفاه إلهُ المُلكِ عن مُلكه المَكفي

ولم يرجُ بعد النفي والطرد عودةً

وناهيك من نارٍ دهت ذلك المنفي

وشاد السماواتِ البديعَ انتظامها

قويٌّ تعالى في قُواه عن الضعف

تزيِّنُها في السائرات بسيرها

ثوابتُها كالدرِّ في رَونق الصف

دحا الأرضَ لما شاء جلَّ اقتدارُه

على الماء والأمواه تجري بلا وقف

أحاط بها اليمَّ الثجاجَ كأنه

طفاوةُ بدرٍ خَفَّ في ليلة النصف

وأذكى بها النَيْرَيْنِ شرقاً ومغرباً

وكادهما بالنقص والخسف والكسف

برا آدماً من طينة التُرب ناطقاً

وزيَّنه بالنفس والعقل والظرف

قُوَى نفسِه فكرٌ وفهمٌ وبَعدَه ال

إرادةُ في عقلٍ رصينٍ أخي لطف

برا الجسم قبلاً ثم بعدَ هنيهةٍ

برا النفس حقّاً هكذا حالُنا النطفي

تبارك ربٌّ بل إلهٌ أَخَصَّهُ

فأكرِمْ به مولىً غدا كاملَ الوصف

ترَّى بنا حقّاً وخلَّصَ آدماً

وكانت له العذراءُ أمّاً بها استَشْفِ

أتانا بأقنومٍ إلهاً مؤنَّساً

لينقذَنا من دين كفرٍ ولا يشفي

يسوعُ ومعناهُ الإله مُخَلِّصٌ

كما قد أبانته النبوة بالعُرف

فهذا هو السر البديع اعتلانُه

وأبديته جهراً وحاشايَ أن أُخفي

ولم أُخفه ضنّاً به وصيانةً

عليه من الجهّال والعالم الشَظف

فهاك الذي أُبدي وإنَّك مُفحَمٌ

لتبصرَ من يَرتدُّ منجدِعَ الأنف

معلومات عن جرمانوس فرحات

جرمانوس فرحات

جرمانوس فرحات

جبرائيل بن فرحات مطر الماروني. أديب سوري، من الرهبان. أصله من حصرون (بلبنان) ومولده ووفاته بحلب. أتقن اللغات العربية والسريانية واللاتينية والإيطالية، ودّرَس علوم اللاهوت، وترهب سنة 1693م ودُعي باسم..

المزيد عن جرمانوس فرحات

تصنيفات القصيدة