الديوان » العصر الأندلسي » الأرجاني »

إلى من يشار بهذا العذل

عدد الأبيات : 55

طباعة مفضلتي

إلى من يُشارُ بهذا العَذَلْ

وقد رحَل القلبُ فيمن رَحلْ

يَقِلُّ معَ القُرْبِ تَنْويلُكمْ

وصَبْري على النّأيِ منكم أقَلّ

ولم يَغْتِمضْ بالكرَى ناظري

ولكنّه بكَ عنك اشْتغَل

أٌراقِبُ طَيفاً منَ الظّاعِنينَ

إذا هجَروا مُستهاماً وصَل

وفي الحيِّ كُلُّ كليلِ اللِّحاظِ

يُطالِعُنا من خَصاصِ الكِلَل

يُذيبُ الفؤادَ بتَعْذيبهِ

وأيْسَرُ أمْرِ الهَوى ما قَتل

ويَجْني علَيَّ بإعْراضِه

وماذا على ظالِمٍ لو عَدَل

وسُودُ الذَّوائبِ بِيضُ الوجو

هِ صُفْرُ التّرائبِ حُمْرُ الحُلَل

أَطعْنا لَهُنّ شفيعَ الصِّبا

ورُحْنا عُصاةً على مَن عَذَل

إلى أن أَمرَّ على شُرْبها

مِزاجُ الوَداعِ كُؤوسِ القُبَل

فللّهِ ذاكَ الزَّمانُ الحميدُ

ولله تلكَ العُهودُ الأوَل

وقد راعَني أن بدَتْ شهبةٌ

كما أومضَتْ ظُبَةٌ من خِلَل

وليس الشّبابُ سوَى مَركَبٍ

إلى اللّهْوِ ما حَمّلوهُ حَمل

فيا ليت أَطْرَبُ بعدَ المَشيبِ

لِحُسْنِ الغزالِ وطيبِ الغَزل

على ذلك العَيْشِ منّي السَّلامُ

فما كان إلاّ خِضاباً نَصل

فلا السُّمْرَ أَهْوَى سوى ما يُهَزّ

ولا البِيضَ أَهْوَى سوى ما يُسَلّ

وما الفَخْرُ إلاّ لِذ رَونقٍ

نَضاهُ بِيُمْنَى يدَيهِ بَطَل

مُعرَّسُ قائمِه في يَدٍ

ومَسْرَى مَضاربِه في أَجَل

يَزيدُ اتّقاداً بهُوجِ الخُطوبِ

ويُطفأ فيها اللّئيمُ الوَكِل

وتَخْبو الذُّبالُ بتلك الّتي

إذا عَصفتْ بالضِّرامِ اشْتَعل

ولي مَنطِقٌ يَبهَرُ السّامِعينَ

إذا طالَ طابَ وإن قَلَّ دَلّ

وعِرْضٌ يُباخلُ صَيْدَ الملوكِ

فلا يَبذُلونَ ولا يُبْتَذَل

وصَبْرٌ على نَكَباتِ الزَّمانِ

ورَجْعٌ لقَوْلِ عسى أو لَعَلّ

أبا الفَرجِ اسْمَعْ نداءَ امْرئٍ

به ضَرَبوا في هَواكَ المَثَل

وأَعرِفْ تَفاصيلَ ما مَرَّ بي

وأَصْغِ إلى بَعْضِ تلك الجُمَل

وآخِرُ عَهدي بظِلِّ النّعيمِ

صَفا لي بقُرْبِك ثُمَّ انْتقَل

فودَّعْتُ مَجدَك لا عَن قلىً

وفارَقْتُ فضْلَك لا عَن مَلَل

وسار بنا زمَنٌ عاثِرٌ

بَطيءُ النُّهوضِ سَريعُ الزَّلَل

وشَنُّوا الحُروبَ على أصفهان

لِيُخْرِجَ منها الأعزَّ الأذلّ

وطال مُقامي على بابِها

وأشفقْتُ من هَوْلِ ما قد أظَلّ

فعاودْتُ أرْجانَ مثْلَ الّذي

يَفِرُّ إلى غَرَقٍ من بَلل

وأصبَحْتُ في طَرَفٍ شاغِرٍ

كما لُزَّ في الكِفّةِ المُحْتَبَل

وشَدَّ على القَوسِ كلتا يدَيْهِ

فَصَبَّ السِّهامَ عليها زُحَل

فَضيَّعْتُ ما كان من تالدٍ

ولم أكتَسِبْ طارِفاً في العَمل

وعُدتُ إليكَ أَجوبُ البِلا

دَ أَخبِطُ في سَهْلِها والجَبَل

إلى أن أَتيتُك بعْدَ العَناءِ

ولم يَبْقَ منّي إلاَّ الأَقَلّ

وما لم يَمَلَّ عِنادي الزَّمانُ

فحاشاك من نُصْرَتي أنْ تَمَلّ

وهانَ على فَلَكٍ دائِرٍ

متى شاءَ إطْلاعَ نَجْمٍ أَفَل

وكم نقَص البَدرُ من مَرّةٍ

فقابَلَه الشَّمْسُ حتّى كَمَل

وكم قُلتَ ثُمّ فَعلْتَ الجميلَ

وما كُلُّ مَن قال قَولاً فعَل

وكم عَضّني زمَنٌ مُزمِنٌ

بنابٍ منَ الخَطْبِ فيه عضَل

فلم يُحْيِ نَفْسي سِوى سابِقٍ

إلى الحَمْدِ وهْو الحكيمُ الأجلّ

شفَى بالعطاءِ مَريضَ الرَّجاءِ

وطِبُّ العُلا فوقَ طِبِّ العِلَل

تَدارَكْ بقيّةَ نَفْسٍ قَضَتْ

وأحسِنْ تَلافِيَ هذا الخَلل

فأنت كما يَرتَضيهِ العَلاءُ

أخو الحَزْمِ يُبرِمُ مَهْما فتَل

فتىً طالَما قَلّبتْ كَفُّه

أُمورَ المَمالِك عَقْداً وحَلّ

فما فاتَهُ غَرَضٌ في الأناةِ

ولا نالَه زلَلٌ في العَجَل

وأَبيضُ مثْلُ الحُسامِ العَتيقِ

تَداوَلَهُ الدّهرَ أيدي الدُّول

يَحوزُ من الدّهرِ حُسْنَ الحديثِ

وكُلُّ جليلٍ سِواهُ جَلل

ويَستَرِقُ الرَّوضُ من خُلْقِه

ومن شَرَفِ الشِّعْرِ أن يُنْتَحل

ويَقْتَبِسُ الغَيثُ من جُودِه

وقد يهَبُ المَرْءُ ما لم يُسَل

رأَى حُسْنَ خُلْقِكَ عَصْرُ الرَّبيعِ

فما يَنْبُتُ الوَرْدُ إلاّ خَجَل

وحَلَّت عُلاك نُحورَ الزّمانِ

وقد كان أَزْرَى بِهِنَّ العَطَل

فلا زِلتَ في زمَنٍ مُسْعِدٍ

ولا زلْتَ في عُمُرٍ مُقْتَبَل

فما هُزَّ حَدُّك إلاّ مضَى

ولا شِيمَ بَرقُك إلاّ هطَل

معلومات عن الأرجاني

الأرجاني

الأرجاني

أحمد بن محمد بن الحسين، أبو بكر، ناصح الدين، الأرجاني. شاعر، في شعره رقة وحكمة. ولي القضاء بتستر وعسكر مكرم وكان في صبه بالمدرسة النظامية بأصبهان. جمع ابنه بعض شعره في..

المزيد عن الأرجاني