الديوان » العصر الأندلسي » الأرجاني »

أذاكرة يوم الوداع نوار

عدد الأبيات : 80

طباعة مفضلتي

أذاكرةٌ يومَ الوَداع نَوارُ

وقد لَمَعتْ منها يَدٌ وسِوارُ

عَشِيّةَ ضَنّوا أن يَجودوا فعلَّلُوا

وخافوا العِدا أن يَنْطِقوا فأشاروا

حدَوْا سُفْنَ عِيسٍ لم تزَلْ بصُدورِها

تُخاضُ من اللّيلِ البهيم غِمار

فَحلُّوا قِفاراً مَرّتِ الظُّعْنُ فوقَها

وخَلَّوا ديارَ الحَيِّ وهْيَ قِفار

غدَوا دُرَراً أصدافُهنّ هوادِجٌ

وليس لها إلاّ السّرابَ بِحار

وأثمانُها الأرواحُ تُبذَلُ والوغى

لَهُنّ عُكاظٌ والرِّماحُ تِجار

أعِدْ نظَراً يا رائدَ الحَيِّ قاصداً

إلى أينَ من حُزْوَى المَطِيُّ تُثار

أما همْ إلى قلبي من العينِ غُدْوةً

يَسيرون أن زَمُّوا الجِمالَ وساروا

إلى كَبِدٍ تَشكو الغرامَ جديبةٍ

سَروْا من جفونٍ سُحْبُهنّ غِزار

وما رَحلوا إلاّ انتجاعاً فلو دَرَوْا

بِما بي لَحاروا في المَسيرِ وجاروا

بنَفْسي غزالٌ أَعرضَ البُعدُ دونَه

فعادَ رَبيبُ الوَصْلِ وَهْوَ نَوار

تُعاتَبُ عيني حين يَعلَقُ خاطري

ولَومُ المَشوقِ المُستهامِ ضِرار

ويَقْلَقُ قلبي حين يَطْرُقُ ناظري

فَبعْضِيَ من بَعْضي عليه يَغار

فهل نَهْلةٌ تَشْفي الغليلَ لمُدْنَفٍ

ففي الصّدْرِ من نارِ الفراقِ أُوار

يُواصِلُ قلبي وهْو للعين هاجِرٌ

لَصيقُ فؤادٍ شَطَّ منه مَزار

فليت ديارَ النّازحاتِ قلوبُنا

لِتسلُوَ أم ليت القلوبَ دِيار

أبى القلبُ إلاّ ذِكْرَهُنّ وقد بَدا

معَ الصّبحِ أشْباهاً لَهنَّ صُوار

وليلةَ أهْدَيْنَ الخيالَ لناظري

وبالنّومِ لولا الطّيفُ عنه نِفار

تَقنَّصْتُه والأُفْقُ يجتابُ حُلّةً

من الوَشْيِ يُسدَى نَسْجُها ويُنار

فلا يَحسَبِ الجوزاءَ طَرْفُك أنّها

هَدِيٌّ لها شُهْبُ الظّلامِ نِثار

وأنّ الثُريّا باتَ فِضّيُّ كأسِها

بأيدي نَدامَى الزَّنْجِ وهْو يُدار

فليس الدُّجَى إلاّ لنارِ تَنَفُّسي

دُخانٌ تَراقَى والنُّجومُ شَرار

رُوَيْداً لقَلْبي بالهوَى يا ابنَ حامدٍ

وإلاّ فلَيْلِي ما بَقيِت نَهار

إذا طَلَعتْ في بلدةٍ لكَ رايةٌ

فللظُّلْمِ منها والظّلامِ فِرار

فِدىً لعزيزِ الدّينِ في الدّهرِ عُصبةٌ

أجارَ من الخَطْبِ الجسيمِ وجاروا

منَ البِيضِ أمّا بَحرُه لعُفاتِه

فَطامٍ وأمّا دُرُّه فكِبار

فتَى الدّهرِ ما ثار امْرؤٌ لِيَؤمَّه

فَيْبقَى له عند المطالِبِ ثار

يُلِمُّ بمَغْشِيِّ الرِّواقَيْنِ للِنّدَى

وللبأسِ يوماً إن أظَلَّ حِذار

عِراصٌ تَرى رُسْلَ الملوكِ تَحُلُّها

كما انتثَرتْ فوق الرِّياضِ قِطار

إذا سار وَفْدٌ زائرون فَودَّعوا

تَناهَى إليها آخَرونَ فَزاروا

هُمامٌ إذا ما شاء صَبَّحَ مارِقاً

بأرْعَنَ عينُ الشّمسِ منه تَحار

وكُلُّ فتىً للعينِ والسّيفِ إنْ غَزا

يَعِزُّ بجَفْنٍ أنْ يُلِمَّ غِرار

مشيحٌ إذا الجَبّار صَعّرَ خَدّه

أعاد دَمَ الجَبّار وهْو جُبار

ورَدَّ طِوالَ السّمهريّ قصيرةً

غداةَ لجَيْن المَشْرفيَ نُضار

بحيثُ دنانير الوجوهِ مَشوفة

بنَقْرِ بنانِ المرهَفاتِ تُطار

وحيث وَقور الطَّودِ من هَوْلِ يَومِه

يَرَى وهْو نَفْع في السّماء مُثار

وإن شاء نابَتْ عن رماحٍ بكَفّهِ

أنابيبُ حتّى لا يُشَنّ غِرار

حديداتُ خَرْقِ السَمْعِ إنْ صَمّتِ القنا

تَغلغلَ فيه للقَضاء سِرار

إذا غرسَتْها كَفّه في صحيفةٍ

غدَتْ ولها غُرّ الفتوح ثِمار

ايا مَن تَفوقُ النّجمَ غُرّةُ طِرْفِه

إذا انشَقَّ عنه للعيونِ غُبار

تَخيَّركَ السّلطانُ للنُّصحِ صاحياً

فشابهَ سِرّاً من هَواكَ جِهار

غدا كاشتقاقِ اسمَيْكُما مَعْنَياكُما

صفاءً فحَبْلُ الائتِلافِ مُغار

وهل يَتّقي رَيْبَ الزّمانِ ابنُ حُرّةٍ

وأنت له مِمّا يُحاذِرُ جار

وما كان يَغشَى البدْرَ لو كنتَ جارَهُ

خُسوفٌ يُغَطّي وَجهَهُ وسِرار

ولكنّه من نورِ غَيرِك قابسٌ

فلا غَرو إن لَوَّى خُطاهُ عِثار

حَسودُك تُمسي طارقاتُ همومِه

وهنّ له دون الشِّعارِ شِعار

كتطْبيقِ سَيْفٍ فيه إطباقُ جَفْنِه

فأشفارُ عينَيْهِ عليه شِفار

إذا ضافَهُ هَمٌّ يصافِحُ قَلّبَه

ورَتْ منه ما بين الأضالعِ نار

وجاءتْ لأدْنَى مِسحةٍ فكأنّما

له الصَدْر مَرْخٌ والبَنانُ عَفار

طلعْتَ ثَنِيّاتِ المناقبِ كُلَّها

فما في العُلا إلاّ إليكَ يُشار

وما الدّهْرُ لولا أنّه لك خادِمٌ

وما الأرضُ لولا أنّها لكَ دار

تَواضَعُ عن عُظْمٍ وتُزْهَي بنَظرةٍ

بمُؤْخَرِ عَينٍ منك حينَ تُعار

فعندك إن جَفّ الغمائمُ نُجعةٌ

وفيك إذا خَفَّ الجبالُ وَقار

دُعيتَ عزيزَ الدّينِ أْيمَنَ دَعوةٍ

فباسْمِك من رَيْبِ الزّمانِ يُجار

بمَحْكيَ عَيْنٍ منه إذ يَسِمُ الثَّرَى

لك الخيلُ يَضحِي للبلادِ قَرار

وفي الأُفْقِ يَحكيه الهلالُ فَيزدَهِي

به الدّهرَ إذ يَعلوهُ منك شِعار

مَلكْتَ إذَنْ أرضَ الورى وسماءهمْ

فهل فوق هذا للفَخور فَخار

حَلفْتُ بعاديِّ البِناء مُحجَّنٍ

يُجابُ له عَرْضُ الفلا ويُزار

وتأميل عفْوِ الله تحت ظِلالِه

إذا ضَمَّه والزّائرينَ جِوار

وأبيضَ من ماء العيونِ لأجلِه

وأحمرَ من ماء النَّحورِ يُمار

وتَرجع أصواتِ المُهِلّينَ كلّما

دَمِينَ جِمالٌ أو رُمِينَ جِمار

لمَا أنت إلاّ بيتُ مجدٍ وسُؤددٍ

للُقيْاهُ يُسْرَي دائماً ويُسار

على أنَّ حَجَّ البَيتِ في العامِ مَرّةً

وحَجُّكَ في اليومِ القَصيرِ مِرار

لك البَدَراتُ الكُومُ يُنْحرْنَ للقِرَى

إذا نُحِرَتْ للآخَرينَ عِشار

فمنك نُضارٌ صُرَّ مِلءَ جُلودِها

إذا كان منهم جِلّةٌ وبِكار

مَواهبَ سَبّاقِ السُّؤالِ برِفْدِه

على حينَ جُلُّ الأُعطِياتِ ضِمار

فتىً فيه آمالُ الوفودِ إذا اعتفَوا

طِوالٌ وأعمارُ الوُعودِ قِصار

أفاضَ اللُّها حتّى قضَوا أنّ مالَهُ

لراجِي نَداهُ في يدَيْهِ مُعار

لكُلِّ سوى الدّينارِ عند فِنائهِ

ذِمامٌ إذا ما حَلّه وذِمار

وما كان لَونُ التبْر ذاك وإنّما

عَلاهُ لخَوفِ الجودِ منك صُفار

فَعيِّدْ كذا ما طافَ بالبيتِ زائرٌ

وخَبّتْ مَهارٍ شَطْرَه ومِهار

ولمّا تَجنّبتَ الحرامَ وشُربَه

أتَتْكَ حلالاً من يَديَّ عُقار

فخُذْها كؤوساً ليس في نَشوةٍ بها

لِذي الفضلِ عابٌ يَتّقيهِ وعار

ولي خاطِرٌ أضحَى وأَدنَى بَيانِه

لأبناء آدابِ الزَّمانِ مَنار

وصَدْرٌ كبَيْتِ النَّحْلِ فيه لَواسِعٌ

على أنّ أَرْيَ الشِعّرِ منه يُشار

حَدَتْنيَ من دَهْري إليك حوادثٌ

وقد قيلَ في بعضِ الشُّرور خِيار

وكم قَعد الأقوامُ عنك فأظلَمُوا

وجاؤوكَ يَرجون الغِنى فأناروا

وإنّي لفي قَيْدَيْ أياديكَ راسِفٌ

فما لي إلى وَشْكِ الرّحيلِ بِدار

وكيف أَجوبُ الأرضَ والشُكْرُ مُوثِقي

ألا إنّ طولَ المُنْعِمينَ إسار

فلا زلتَ أُفْقاً فيه للمجدِ مَطلعٌ

وقُطباً عليه للعلاء مَدار

معلومات عن الأرجاني

الأرجاني

الأرجاني

أحمد بن محمد بن الحسين، أبو بكر، ناصح الدين، الأرجاني. شاعر، في شعره رقة وحكمة. ولي القضاء بتستر وعسكر مكرم وكان في صبه بالمدرسة النظامية بأصبهان. جمع ابنه بعض شعره في..

المزيد عن الأرجاني

تصنيفات القصيدة