الديوان » العصر العباسي » ابن الرومي »

يا ابن المدبر غرني الرواد

يا ابْن المدبِّر غرَّني الروَّادُ

عَمِرُوا وليس لهم سواك مَرادُ

أدعو على الشُّعراء أخبثَ دعوة

إذْ مجَّدُوك وغيرُك الأمجادُ

قل لي بأية حيلة أعملْتَها

هتفوا بأنك لا حُفِظْتَ جوادُ

فَلَتِلْكَ أحسنُ من نوالك موقعاً

والعِلم أفضلُ ما أراه يُفادُ

لقد استفاض لك الثناءُ بحيلةٍ

صعْبُ الأمورِ بمثلها ينقادُ

لو أنَّها عندي غدوتُ مخلَّداً

ما خُلِّدتْ أمُّ الهضاب نَضَادُ

حتى كأنِّي في صرارك درهمٌ

أو في مَزاودك الحريزة زادُ

بل ما عهدتُك وارتيادُك بالغٌ

بك حيلةً يرتادها المرتادُ

أنَّى وأنتَ مضلَّلٌ لا تهتدي

رُشداً ولا يَهْديكَه إرشادُ

ما كان مِثْلُكَ يهتدي لمحالة

حاشاك ذاك وأنْ تكون تُكادُ

لكنَّ جدْبَ الناس طال فأصبحوا

يُرضيهمُ الإبراقُ والإرعادُ

نحلَتْكَ حَمْدَ الحامديك مَواعدٌ

كُذُبٌ تجودُ بها وأنت جمادُ

بل ليس في الأفقين منك سحابةٌ

للوعْدِ مِبراقٌ ولا مرْعادُ

ولأنت أحْسَمُ للمطامع والمنى

من ذاك حين يَشيمُك الروَّادُ

أنت الذي آلى بكلِّ أليَّةٍ

ألا يُبَلَّ بريقه ميعادُ

بل أنت أجدر حين تُسْأَل أن تُرى

ومكان وعدك سائلاً إيعادُ

ما أنت والمعروف أو مفتاحُه

ذهبتْ بذَينك دونك الأجوادُ

لكن إخال معاشراً خيَّبتهُمْ

نصبوا الحبائل للأُسى فأجادوا

أثنوا عليك ليستميحك غيرُهُمْ

فيخيبَ خيبتَهم وتلك أرادوا

أعيى عليهم صيدُ مالك فاغتدوا

يتعلَّلون بأُسْوةٍ تُصطادُ

ولهم أُسىً متقدماتٌ جمَّةٌ

لكن أحبَّ القوْم أن يزدادوا

أُثني عليك بمثل ريحك ميِّتاً

في غبِّ يوم تزفُّك الأعوادُ

ولما صداك إذا نُبِشْتَ لثالثٍ

من مُلْحَدٍ وضجيعُك الإلحادُ

يوماً بأنتن منك حيّاً تُجتَدى

لا زال نتنُك دائباً يزدادُ

وغدت بجودك شبهةٌ خدَّاعةٌ

قامتْ ببخلك بعدها الأشهادُ

أرويتُ بالإصدار عنك حوائمي

لما أطال غليلَها الإيرادُ

وسلوتُ ذكراك التي من مثلها

تَجْوى القلوبُ وتقْرحُ الأكبادُ

آنستُ صدراً طالما أوحشْتَه

لا زال يُؤنس رحْلَك العُوَّادُ

وكأنَّ ذاك الذكْر أسودُ يعْتري

منه سويداء الفؤاد سَوادُ

بل إنما اتصلتْ بذكرك خَطْرَتي

أيامَ صدري ليس فيه فؤادُ

فاذهب كما ذهب السَّقَامُ إلى التي

ما بعدها للذاهبين معادُ

لا تَبْعدنَّ من الذي تُكْنَى به

وهو الذي تفسيرُه الإبعادُ

شاورتَ فيَّ وفي ثوابي خالياً

رأياً لعمرك لا يليه سدادُ

فأراك حرماني وقال قوارصٌ

تأتيك أنت لمثلها معتادُ

خَيَّبْتَني ثقةً بلؤمك إنه

لمن استعد لشاتمٍ لَعتادُ

عن مثله نكص الهجاء مقهقِراً

ونَبَتْ سيوفُ الشتم وهي حِدادُ

لا أنَّ لؤمَك جُنَّة لكنه

نَجَسٌ يعاف ورودَه الورَّادُ

كم ذاد عنك من الهجاء غريبةً

لا يستطيع ذِيادها الذُّوَّادُ

فاشكره إن خلَّاك تشكر منعماً

سُدٌّ أمامك منه بل أسدادُ

لو رُمْتَ صالحةً لغالك دونها

سجنٌ وقيدٌ منه بل أَقيادُ

لا زال ذاك السجن منك مظنةً

وتضاعفتْ فيه لك الأصفادُ

لؤْمٌ أبى لك شكْرَ ما أولاكَهُ

والشرُّ منه لنفْسِه أمْدادُ

وأما وذاك اللؤم لؤْماً إنه

لؤمٌ سبقتَ به الزمان تِلادُ

لئن اجتوتك له شتائم أصبحتْ

من شتمها إياه وهي تعادُ

لَتُلاقِينَّ شتائمي ناريَّةً

لا يجتويك حريقُها الوقَّادُ

فكذاك نار الهُون تَرْأم أهلها

حتى كأنَّهُمُ لها أولادُ

فاهرُبْ وأينَ بهاربٍ من طالبٍ

في كلِّ مُطَّلعٍ له مرصادُ

خذها إليك من الملابس ملبساً

تشقى به الأرواحُ والأجسادُ

ضَنْكاً إذا زُرَّتْ عليك زُرُورُه

ضاق الخناق فلم يَسَعْكَ بلادُ

ولئنْ شقيت بلُبْسِ بردٍ مثلها

فلطالما شقِيَتْ بك الأبرادُ

ولتخْزَيَنَّ بها إذا ما أنشدتْ

أضعافَ ما يُزْهَى بها الإنشادُ

لا تفرحنَّ بحسنها وجمالها

فليرحمنك فيهما الحسَّادُ

ولأرمينَّك بعدها بقصائد

فيها لكل رَميَّةٍ إقصادُ

لو خَيَّسَتْ فرعونَ ذلَّ لوقعها

فرعونُ ذو الأوتاد والأوتادُ

عُتْباك منها أن غضبْتَ مقالتي

ستُزادُ يا ابن مدبّرٍ وتُزادُ

من كل سائرةٍ بذمِّك يَرْتمي

بِركابها الأغْوار والأنجادُ

شنعاء تُضْرم فيك نار شناعةٍ

تبقى نوائرُها وأنت رمادُ

تحْبوك بدْأتُها بذكْرٍ نابِهٍ

عُقباه إخْمالٌ هو الإخْمادُ

ولَقلَّ ما يُجْدِي على متبجِّحٍ

ذكْرٌ يُماتُ بنَشْرِه فيُبادُ

ما ينفع الحطبَ المحَرَّقَ في الصِّلا

ضوءٌ جريرتُه عليه فسادُ

معلومات عن ابن الرومي

ابن الرومي

ابن الرومي

علي ابن العباس بن جريج، أو جورجيس، الرومي، أبو الحسن. شاعر كبير، من طبقة بشار والمتنبي. روميّ الأصل، كان جده من موالي بني العباس. ولد ونشأ ببغداد، ومات فيها مسموماً، قيل:..

المزيد عن ابن الرومي

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة ابن الرومي صنفها القارئ على أنها قصيدة مدح ونوعها عموديه من بحر الكامل

×

حرف الشاعر

تصنيفات الدول

الجنس