الديوان » العصر العباسي » ابن الرومي »

يبتُ أخو البلوى إذا الخلو غمضا

عدد الأبيات : 75

طباعة مفضلتي

يبتُ أخو البلوى إذا الخِلوُ غمَّضا

وفي قلبه جمر من الوجد لا الغضا

وأيّةُ بلوى كالبياض الذي بدا

وأيُّ فقيدٍ كالسَّواد الذي نضا

خليليّ إني نادبٌ عهد صاحبٍ

سقتْني لياليه الزُلال المرضرضا

ولاح بديلٌ منه رذل كأنما

سقتني لياليه الزُعاف المخضخضا

بعيشكما لا تُكثرا عذل مكثرٍ

ملامةَ دهرٍ قد أغصَّ وأجرضا

شعارُ الفتى ذمُ الزمان الذي أتى

ومن شأنه حمدُ الزمانِ الذي مضى

ولمْ لا وفي الآتي أخو العيش يُجتوَى

وفي الزمن الماضي أخو العيش يُرتَضى

شبابٌ وشيبٌ ما استدار على الفتى

شبيهُهُما إلا أمرَّ وأنقضا

نهارٌ وليلٌ أكّد الحلْفُ أنه

إذا بَنَيا مبنىً فشاداه قَوَّضا

مضى زمنُ اللحظ الذي كان يستبي

قُلوبَ المها فاجعله دمعاً مُغيَّضا

أرى مُطرياتي عِبنَني ورفَضْنني

وذو الشَيب أهلٌ أن يُعاب ويرفضا

وما انفكَّ موتوراً من ابيض رأسهُ

لَقىً للهوى لا ينقُضُ الوترَ مَنْقضا

وتلقى أخا الفرع البهيم مظفَّراً

إذا شاء أضْنى ذاتَ دلٍّ وأحْرضا

كذا الجند منصورٌ بتسويد زيّه

وتلقاهُ مخذولاً إذا هو بيَّضا

لشتّانَ ما بين الشباب وضدّه

شبابُ الفتى يُصمي إذا الشيبُ أنبضا

ينفِّرُ هذا كل صيدٍ محصَّلٍ

ويصطادُ هذا كل صيدٍ تعرّضا

تحبَّب دهري بالشباب مُلاوةً

فلما أحل الشيبَ رأسي تبغّضا

كأن شباباً كان لي فسُلبتُهُ

كسانيَ منه سالفُ الدهرِ مِعْرضا

سأثني بآلاء الشبيبةِ باسِطاً

لساني بها حتى أحينَ فأُقبَضا

وأُعنَى وأُغرى بالخضابِ ممرِّضاً

شباباً مريضاً حقُه أن يُمَرَّضا

وأُقسم أني لا أرى من شبيبتي

سوى قاسمٍ مستخلَفاً متعوَّضا

هو المرء نعماهُ شبابٌ مجدَّدٌ

وإن حث شيبي بالشباب فأوفضا

فتىً لم يزل مذ عدَّ عشراً وأربعاً

لكل جليلٍ مرتضىً أو مُربَّضا

لو امتحنَ الله البحارَ بجوده

لأضحتْ وأمست من عطاياه غُيَّضا

ولو لمستْ صُمَّ الصخورِ يمينُهُ

لأضحَتْ بسلسالٍ من الماء فيَّضا

وإن راض للسلطان خشناءَ صعبةً

فناهيكَ روّاضا به ومروِّضا

متى سلَّ سيفاً مارقٌ سلَّ رأيَهُ

فقطّعه والسيفُ للسيف يُنتضى

وأحسنُ من روض الربيع خلائقاً

إذا ذهَّبَ النَوْرَ الربيعُ وفضَّضا

إذا الناس أضحوا ظاعنين عن امرئٍ

نبا بهمُ أضحوا ببابيه خُفَّضا

أقاسمُ يا من يقسمُ الجودُ ماله

أثِبْ مِدَحاً غرَّاً وودّاً مُمحَّضا

ألم ترني أقرضْتُك الودّ طائِعاً

ولم تر قبلي مُعسراً قط أقرضا

فلم برتُ حتى قيل في ظل سخطةٍ

وأصبحتُ للتَّرحيم نَصباً معرَّضا

ولمْ لَمْ تُخيِّب ظن من قال خائبٌ

وهزَّ لظنّي فيك رأساً وأنغضا

إذا ما أشاعَ الناسُ أنْ قد حبسْتني

ولم أتدرّع بينهم خِلعةَ الرضا

فقد نالني بعضُ الذي رضخُوا به

فهل لك في أن تُرحضَ الشكَّ مَرحضا

وما ذاك إلا بالذي أنتَ أهلهُ

وإن لم يُطق شُكري بنعماك مَنْهضا

لعمري لقد صوِّرتَ أبيضَ مُشرقاً

فلم لا تُريني وجه نُعماك أبيضا

أُعيذ نَدى كفَّيك من أن يعوقه

لجاجٌ ومن قيلِ العدى كان فانقضى

تذكَّر مديحاً لو هززتُ لبعضِه

صفاً قاسياً لاهتز منه وروّضا

يُمخِّضُ ودي كل يوم وليلةٍ

بذلك صدراً لا يزال ممخّضا

وألقاك مهزوزاً به وكأنما

ألاقيكَ مشحُوذاً عليَّ مُحرَّضا

لقد خابَ من أضحى إليك مُبغَّضاً

وأمسى إلى الأعداء فيك مُبغَّضا

أحاط به شرّان والفقرُ ثالثٌ

وفي واحدٍ ما شفَّ قلباً وأرمضا

على أنني ما كنتُ عند ذوي النُهى

مقيتاً ولا بين الكرام مُرفّضا

وقد كاد قلبي من جفائكَ ينْتزي

ولكنني خفّضتُ جأشاً مخفَّضا

ولم لا وقد جرَّأتَ كل مُضاغنٍ

عليَّ فأضحى سيفُه ليَ مُنتضى

وأوهنْتَ ركني للعدى فتركْتَني

لمن رامني بالضَّيم عظماً مُرضَّضا

وقد كنتُ للأعداء قبلك مِقمعاً

إذا الحيّةُ النضناضُ يوماً تنضنضا

وكانوا يدبُّون الضَّراء فأصبحوا

وكل مبادٍ يركضُ الغيَّ مَرْكضا

فأصبحت مفروضاً عليّ اتقاؤهم

وما كان لو أعززت نصري ليُفرَضا

فيا ويح مولاك استغاث بمشربٍ

فأشرقَ واستشفى شفاءً فأمْرضا

ولولا اعتقادي أنك الخيرُ كله

لأجمعتُ توديعاً قضى الله ما قضى

وإني وإن دارتْ علي دوائرٌ

لأُعرضُ عمَّن صدَّ عني وأعرَضا

وما زلتُ عزّافاً إذا الزادُ رابني

بخبثٍ وعيّافاً إذا الماءُ عَرْمضا

ومن عجبٍ أني بسطت بمنطقي

عليك لساناً في الإسارِ مُقبّضا

ولولا رجاَءٌ فيك حيٌّ لما غدتْ

عروقي ولا راحت من الخوفِ نُبَّضا

بل العجبُ الوحشيُّ خوفيك بعدما

غدوتَ غياثاً للّهيفِ مُقَيَّضا

وماليَ أخشى من عدِمت مَراضعي

من العيش إلا فضلَه المتبرَّضا

لأقربُ من إصعاق غيثٍ غياثُهُ

وإن رجّع الغيثُ الرعودَ وأومضا

ومن عجب أني اقتضيْتك نائلاً

ووجهُك أولى أن يُعانى ويقتضَى

نظرتُ فلو ملّكتني ما ملكته

لما كنتُ من ذاك اللقاء معوَّضا

ومن عجب أني أطيلُ تعتُّبي

عليكُ وقد أصبحتَ في الخلق مُرتَضى

ظلمتُك بالشكوى وأنت انتعشتني

وألبستني ثوبَ الحياة مفضفَضا

وكم رمتُ حدّ السيف منك تسلُّطاً

عليك فلم تَنقُضْ بيَ الكفُّ مَنْقضا

حياءً وحلماً واعتلاءً عن التي

يكون الجنَى منها بناناً معضَّضا

وها أنا من ذنبي وعتبيَ تائبٌ

إلى سيدٍ كم غَضَّ عنّي وغمّضا

سأسْلم تفويضي إليك بأسره

ومثلي إلى عدلٍ كعدلك فوَّضا

وما زلتَ تسمو للعلا منك نظرةٌ

إذا شئتَ كانت منك طرفاً مغضَّضا

ودُونَكها من شاعرٍ لك شاكرٍ

وإن حرّك الخِيمَ الكريم وحضَّضا

قديرٍ متى شاء الإبانَة نالها

وإن شاء تدقيقاً أدقّ وأغمضا

إذا سُمته هجراً رأى بك راعياً

بصيراً بما يرعى أخلَّ وأحمضا

وإن سُمته مطلاً رأى بك عارضاً

من الغيثِ ألقى بَرْكه وتمخَّضا

وما ازدادَ فضلٌ فيك بالمدح شهرةً

بل كان مثل المسك صادفَ مِخْوَضا

لك الذِّكَرُ اللاتي هي الطُّهرُ كله

إذا ما فمٌ يوم بهن تمضمضا

إذا حاضت الأفواه من مدح جاهلٍ

لئيمٍ فما أضحت بمدحك حُيَّضا

معلومات عن ابن الرومي

ابن الرومي

ابن الرومي

علي ابن العباس بن جريج، أو جورجيس، الرومي، أبو الحسن. شاعر كبير، من طبقة بشار والمتنبي. روميّ الأصل، كان جده من موالي بني العباس. ولد ونشأ ببغداد، ومات فيها مسموماً، قيل:..

المزيد عن ابن الرومي

تصنيفات القصيدة