الديوان » العصر العباسي » البحتري »

لأوشك شعب الحي أن يتفرقا

عدد الأبيات : 50

طباعة مفضلتي

لَأَوشَكَ شَعبُ الحَيِّ أَن يَتَفَرَّقا

فَيَدمى الجَوى أَو يُصبِحَ الحُبُّ أَولَقا

أَما إِنَّ في ذاكَ النَقا لَأَوانِساً

تَثَنّى أَعاليهِنَّ ليناً عَلى النَقا

فَعَلَّكَ تَقضي حَسرَةً حينَ لَم تَجِد

عُيونُ المَها يَومَ اللِوى فيكَ مَعشَقا

أَرَيّا الصِبا مِن عِندِ رَيّا أَتى بِهِ

نَسيمُ الصَبا وَهناً فَتامَ وَشَوَّقا

دَنَت فَدَنا هِجرانُها فَإِذا نَأَت

غَدا وَصلُها المَطلوبُ أَنأى وَأَسحَقا

تَجَمَّعَ فيها الحُسنُ حَتّى اِنتَهى بِها

وَأَفرَطَ فيها الظَرفُ حَتّى تَزَندَقا

وَما رُبَّما بَل كُلَّما عَنَّ ذِكرُها

بَكَيتَ فَأَبكَيتَ الحَمامَ المُطَوَّقا

وَعَزَّكَ مِهراقٌ مِنَ الدَمعِ حَيثُما

تَوَجَّهَ بَعدَ البَينِ صادَفَ مَهرَقا

وَطَيفٍ سَرى حَتّى تَناوَلَ فِتيَةً

سَرَوا يَجذِبونَ اللَيلَ حَتّى تَمَزَّقا

فَعاوَدَ يَومَ الهَجرِ أَسوانَ بَعدَما

قَرَعنا لَهُ باباً مِنَ الشَوقِ مُغلَقا

وَما قَصَّرَت في دَرغَنونَ رِماحُنا

فَيَرجَعَ مِنها الطَيفُ غَضبانَ مُحنَقا

أَظالِمَةَ العَينَينِ مَظلومَةَ الحَشا

ضَعيفَتَهُ كُفى الخَيالِ المُؤَرِّقا

فَلا وَصلَ حَتّى تَقضِيَ الحَربُ أَمرَها

بِمُفتَرَقٍ أَو فَضلِ عُمرٍ فَمُلتَق

وَما هُوَ إِلّا يوسُفُ بنُ مُحَمَّدٍ

وَأَعداؤُهُ وَالمَوتُ غَرباً وَمَشرِقا

وَعارِضُهُ المُستَمطِرُ الجودَ إِنَّهُ

تَجَهَّمَ فَوقَ الناطَلوقِ فَأَطرَقا

وَأَضعَفَ بِالقَبّاذَقَينِ سِجالَهُ

وَأَرعَدَ بِالأُبسيقِ شَهراً وَأَبرَقا

فَحَرَّقَ ما بَينَ الدُروبِ أَتِيُّهُ

إِلى مَجمَعِ البَحرَينِ حينَ تَخَرَّقا

إِذا اِنشَعَبَت مِن جانِبَيهِ غَمامَةٌ

إِلى بَلَدٍ كانَت دَماً مُتَدَفِّقا

وَبُردَ خَريفٍ قَد لَبِسنا جَديدَهُ

فَلَم يَنصَرِف حَتّى نَزَعناهُ مُخلِقا

وَبَدرَينِ أَنضَيناهُما بَعدَ ثالِثِ

أَكَلناهُ بِالإيجافِ حَتّى تَمَحَّقا

فَلَم أَرَ مِثلَ الخَيلِ أَبقى عَلى السُرى

وَلا مِثلَنا أَحنى عَلَيها وَأَشفَقا

وَما الحُسنُ إِلّا أَن تَراها مُغيرَةً

تُجاذِبُنا حَبلاً مِنَ الصُبحِ أَبرَقا

فَكَم مِن عَظيمٍ أَدرَكَتهُ صُدورُها

فَباتَ غَنِيّاً ثُمَّ أَصبَحَ مُملِقا

وَأَوحَشَها مِن يوسُفٍ حَملُ يوسُفٍ

عَلَيها المَعالي جامِعاً وَمُفَرِّقا

إِذا أَفلَتَت مِن سَملَقٍ بِنُفوسِها

أَعادَ عَلَيها رَئِدُ المَوتِ سَملَقا

حَوى كُلَّ ما دونَ الخَليجِ وَلَم يَدَع

فُؤاداً بِما خَلفَ الخَليجِ مُعَلَّقا

قَليلُ السُرورِ بِالكَثيرِ يَنالُهُ

فَتَحسِبُهُ وَهوَ المُظَفَّرُ مُخفِقا

يَرى الغَزوَ حَجّاً فَالمُقَصِّرُ مالَهُ

كَأَجرِ الَّذي طافَ الطَوافَ مُحَلِّقا

وَما لَيلَةُ الغازي بِقُرَّةِ مِثلُها

بِمَيمَنَةِ الشَقراءِ صُدغاً وَمَفرِقا

وَمُحتَرِسٍ مِن أَينَ رُمتَ اِغتِرارَهُ

وَجَدتَ لَهُ سَهماً إِلَيكَ مُفَوَّقا

إِذا جادَ كانَ الجودُ مِنهُ خَليقَةً

وَلَو ضَنَّ كانَ الضَنُّ مِنهُ تَخَلُّقَ

مَشاهِدُ مِن خَلفِ الصِفاتِ وَدونَها

إِذا المادِحُ السَكبُ اللِسانِ تَلَهوَقا

فَإِن قالَ بِالإِكثارِ قالَ مُقَلِّلاً

وَإِن قالَ بِالإِفراطِ قالَ مُصَدِّقا

بَنَت شَرَفاً في مَجدِ نَبهانَ وَالتَقَت

عَلى رَبَضِ الإِسلامِ سوراً وَخَندَقا

يَشُدُّ فَيَلقى أَيدِيَ القَومِ أَرجُلا

رَواجِعَ عَنهُ وَالسَواعِدَ أَسوُقا

فَإِن شَهَروا الماذِيَّ كَي ما يُرَهِّبوا

شَهَرتَ لَهُم بَأساً عَلَيهِم مُحَقِّقا

وَماذا عَلى مَن يَملَأُ الدَرعَ نَجدَةً

لَدى الرَوعِ أَلّا يُلبِسَ الدِرعَ يَلمَقا

وَفي كُلِّ عالٍ مِن قُراهُم وَسافِلٍ

لَهيبٌ كَأَنَّ الوَشيَ فيهِ مُشَقَّقا

حَريقٌ لَوِ النُعمانُ يَومَ أُوارَةٍ

رَآكَ تُزَجّيهِ دَعاكَ مُحَرِّقا

وَفي يَدِكَ السَيفُ الَّذي اِمتَنَعَت بِهِ

صَفاةُ الهُدى مَن أَن تَرِقَّ فَتَخرَقا

وَما أَظلَمَ الإِسلامُ إِلّا تَأَلَّقَت

نَواحيهِ في ظَلمائِهِ فَتَأَلَّقا

إِذا أُمَراءُ الناسِ عَفّوا تَقِيَّةً

عَفَفتَ وَلَم تَقصِد لِشَيءٍ سِوى التُقى

وَلَو أَنصَفَ الحُسّادُ يَوماً تَأَمَّلوا

مَعاليكَ هَل كانَت بِغَيرِكَ أَليَقا

قَطَعتَ مَداها وَهيَ أَبعَدُ غايَةً

وَجُزتَ رُباها وَهيَ أَصعَبُ مُرتَقى

وَكانَ طَريقُ المَجدِ خَلفَكَ واضِحاً

وَفِعلُ المَعالي لَو أَرادوهُ مُطلَقا

تَجودُ عَلى الطُلّابِ سَحّاً وَديمَةً

وَهَطلاً وَإِرهاماً وَوَبلاً وَرَيِّقا

فَإِن قُلتَ هَذي سُنَّةٌ كُنتَ حاتِماً

وَإِن قُلتَ فَرضٌ لازِمٌ كُنتَ مَصدَقا

وَجَدنا غِرارَ السَيفِ عِندَكَ واسِعاً

وَإِن كانَ مُفضى الجودِ عِندَكَ ضَيِّقا

وَما أَنا إِلّا غَرسُكَ الأَوَّلُ الَّذي

أَفَضتَ لَهُ ماءَ النَوالِ فَأَورَقا

وَقَفتُ بِآمالي عَلَيكَ جَميعَها

فَرَأيُكَ في إِمساكِهِنَّ مُوَفَّقا

معلومات عن البحتري

البحتري

البحتري

الوليد بن عبيد بن يحيى الطائي, أبو عبادة البحتري شاعر كبير، يقال لشعره (سلاسل الذهب). وهو أحد الثلاثة الذين كانوا أشعر أبناء عصرهم: المتنبي، وأبو تمام، والبحتري. قيل لأبي العلاء..

المزيد عن البحتري

تصنيفات القصيدة