الديوان » العصر العثماني » جرمانوس فرحات »

أزل يا شقيق الروح مني بقيتي

عدد الأبيات : 165

طباعة مفضلتي

أزل يا شقيق الروح مني بقيتي

عسى من ذمائي ترتوي فيك غلتي

ويا مهجتي ذوبي أسىً وتحرُّقاً

ويا زفرتي زيدي بوقدك لوعتي

ويا كبدي رودي لذاتك مسكناً

يفيك وإلّا ذبت في ظل سكنتي

ويا صحتي إني لوصلك عائفٌ

فوصلك عندي أن تكوني فظيعتي

ويا حسن صبري فارتحل عن معالمي

وكن في عزاءٍ من بعادي وسلوتي

ويا عين سحّي من دموعٍ سخينةٍ

وشحّي علي بالمرائي البهية

ويا لاعج الأحزان بالشوق خلني

ويا قلب بعداً لا تقم بعد مهجتي

لا خير في قلبٍ عراه تقلبٌ

ولا خير فيما حزته من بقيتي

لقد قومت نار الجوى من جوانحي

حنايا ضلوعي فهي غير حنية

وقد محت الأهوال كنهي ومجثمي

وشخصي وجرمي ثم ظلي وخبرتي

ولم يبق إلّا زفرةٌ لو أطلعتها

لعادت سموماً أحرقت كل نسمة

وقد عادني من بعدها كل عائدٍ

بوهم مجازٍ لا بوهم حقيقة

وعدت بنفسٍ جاهدت في مصابها

فولت على أدبارها إذ تولت

ترى فضلها من نوعها مثلما ترى

سواها إذا ما قسته بالطبيعة

فتعريفها في ذاتها غير مضمرٍ

ولا متوارٍ إذ عن الشخص ورت

يريكهمُ آثارها من صفاتها

فتصدح عن معنىً خفيِّ السريرة

تراهم بجسمٍ خاملٍ غير حاملٍ

غوائلها لما له قد أقلت

ولو كان عبءُ الجسم للنفس حاملاً

وأن مزايا النفس فيه استعدت

لما كان أحوج فعلها من قوامها

طبيباً يداوي منهما كل علة

ولا كان أدى شأنها من شتاتها

لبعثٍ شريفٍ من مبانٍ قصية

لحسم أذاءٍ ذائعٍ من نكالها

أشاعت به داء الطغاة المضلة

أتاها إلهٌ من على العرش مقبلٌ

تقمص جسم الإنس حب البرية

أتاها وكانت بالعمى قد تبرقعت

فعوضها عنه بعينٍ صحيحة

أتاها ويم الإثم في الأرض زاخرٌ

يكسّر سفناً كالحصون المنيعة

ترى الناس كالجيشين في موقف الوغى

وكلٌّ يسوق النفس نحو المنية

عليهم دلاص الزغف من تحت مغفرٍ

على أعوجٍ كالصبح أو كالدجنة

أتاهم ربّاً خاضعاً متجسداً

وقد حجب اللاهوت ناسوت بشرة

وأنشا يقول الحق والحق واضحٌ

بأنوار آثار العلوم الجلية

أنا كنت قبل القَبلِ في أزليتي

وإنيَ بعد البَعد في أبديتي

أنا كنت قبل الأرض إذ هي لجةٌ

وطي السما في ضمن علم طويتي

أنا كنت من قبل الظلام ونورها

ومن قبل أرواح الجنان المنيرة

أنا كنت من قبل انفطار السما ومن

عليها وقبل الأرض من قبل فطرة

انا كنت حقّاً قبل منبت نبتةٍ

وقبلَ بَها زهرٍ وإيناعِ ثمرة

أنا كنت قبل الشمس بازغةً ضحىً

وقبل طلوع البدر في ليل ظلمة

أنا كنت من قبل الكواكب كلها

تقوم وتجري تحت طاعة حكمتي

أنا كنت قبل الكون والكون موجدٌ

بأمري وقبل الراسيات الوطيدة

أنا كنت حقّاً قبل خلقة آدمٍ

وبي وبأمري كان خلق البرية

أنا كنت في الفردوس أقضي وآدمٌ

يميس بثوب الأمن في كل قبلة

أنا كنت لما ضل تيهاً لجهله

وأخرج منها ساحباً ذيل خجلة

أنا كنت من أخنوخ لما ارتقى إلى ال

سماء بأمري لاقتضاء المشية

أنا كنت مع نوحٍ بطوفان مائه

أقيه ثجاج الماء ضمن السفينة

أنا كنت مع إبرام وهو مهاجرٌ

إطاعة أمري نحو أرضٍ غريبة

أنا كنت مع إسحق في يوم نحره

وفدَّيته بالكبش أعني ببشرة

أنا كنت مع يعقوب في يوم خوفه

وشرَّدتُ عنه العيش في كل بقعة

أنا كنت مع يوسف لدى السجن مخبراً

وما فاز بالتقليد إلّا بمنحتي

أنا كنت مع أيوب يوم ابتلائه

وعوضته الأضعاف عن كل بلوة

أنا كنت مع موسى بمصر أمدُّه

برايات آياتٍ عليه تجلَّت

أنا كنت مع شعبي بأرضٍ غريبةٍ

وخلَّصته من أسره بالأدلة

أنا كنت معه وهو في البحر سائرٌ

برجلٍ كمن يمشي على ظهر تربة

أنا كنت معه وهو في البر راحلٌ

أظلله من حر شمس الظهيرة

أنا كنت معه كل تأويب رحلةٍ

وإدلاج ترحالٍ بنارٍ مضيئة

أنا كنت معه حين ملكته العدا

وأسقيتهم إرضاه كأس المنية

أنا كنت حقّاً مع يشوع بحربه

وقد كان رد الشمس أهون قدرتي

أنا كنت مع داود في حال ضيقه

ولم يتق الأخطار إلّا بجنتي

أنا كنت أعظم مغرمٍ بسليمنٍ

ولم يحتكم بالقوم إلّا بحكمتي

أنا كنت مع يونان في البحر راسياً

وكنت بجوف الحوت معه بقوتي

أنا كنت مع دانيل في البئر رابضاً

وذدت زئير الأسد عنه بسطوتي

أنا كنت مع إلياس والغيث هاملٌ

ولم يقهر الأوثان إلّا بدعوتي

أنا كنت مع فتيان بابل حافظاً

لهم من أذىً أتون نارٍ ذكية

أنا كنت مع كل النبيين مرشداً

ولما جددت الوعد جئت بنعمتي

أنا كنت حقّاً في حشى البكر مريمٍ

مدى أشهرٍ مقدارها عد تسعة

أنا كنت في مهد المغارة نائماً

وفي بيت لحمٍ كان مولد بشرتي

أنا كنت في مغنى سليمان راقياً

بمنبره في عمر ستٍّ وستة

أنا كنت في حين قمت مجادلاً

وأفحمت أرباب العلوم العلية

أنا كنت في قانا وقانا عروسها

أحلت له ماءً بصهباء خمرة

أنا كنت للأعمى بسلوان شافياً

شفيت له من طينةٍ مأق حدقة

أنا كنت حقّاً راحضاً داء أحسبٍ

وغادرته منه بأشرف فطرة

أنا كنت في صحراء أرضٍ عريةٍ

فأشبعت آلافاً بكسرة خبزة

أنا كنت في الجمهور إذ مس مطرفي

فتاةٌ ونالت برء داء النزيفة

أنا كنت إذ وافوا بشخصٍ مخلعٍ

فقلت له كن سالماً حاز إمرتي

أنا كنت في صهيون إذ كنت مخرج ال

شياطين جهراً من حشى المجدلية

أنا كنت حقّاً فوق بئرٍ ركيةٍ

بسامرةٍ أفشي خفا السامرية

أنا كنت فوق البحر والبحر زاخرٌ

كأني أمشي فوق أرضٍ قوية

أنا كنت في طور التجلي مبوَّأً

بأكنافه والنور قد عم صحبتي

أنا كنت للعازار في السبت منهضاً

وكان له في الرمس عدة ميت

أنا كنت في أرجاء صهيون والجاً

وحزت بها مدحاً بأفواه صبية

أنا كنت أقدام التلاميذ راحضاً

عقيب عشائي رغبةً في المحبة

أنا كنت مذ قدست خبزاً وخمرةً

فصار دمي حقّاً وجسم طبيعتي

أنا كنت في ناسوت آدم قائماً

بأعبائه كيما أريه مزيتي

حقّاً لقد باء المسيح برفدنا

وكان تجسده لنا بالحقيقة

وقد شده الألباب سر انبعاثه

وآيته الجلي علينا تجلت

وقد ذهبت في سر ناسوته الورى

مذاهب يرويها أولوا الألمعية

فمن قائلٍ بالجزم والحزم والحجى

ومن قائلٍ إفكاً بسوء العقيدة

وقد أنكر الكفار ناسوته العلي

وأصروا به كالألسن الأعجمية

وقد سلَّم القوم اليهود مجيَّه

ولكنهم قالوا بناسوت بشرة

وأما أولوا الدين المسيحي فإنهم

تماروا به في حلبةٍ دون حلبة

فقد قال سيون الشقي وحزبه

أولوا السحر والكذب الردي والفرية

بأن يسوعاً كان بالجسم مثلنا

وليس إلهاً بل شبيهاً بآية

كذاك السميساطي يقول بقوله

فيزعم في أثنائه بالفضيلة

وقد قال ماني جسمه كان ظاهراً

خيالاً وما قد ذاق طعم المنية

وشبه وقت الموت في يوم صلبه

وهذا مقالٌ مفعمٌ كل شبهة

ألنتيس قال جسمه من سمائه

ولم يتخذه من بتولٍ نقية

وآريس الملعون ينكر معلناً

مساواته للآب رب البرية

ونسطوريوس قد ضل عنه بقوله

قنومان فيه مع تثني الطبيعة

وساويريوس يقضي بأن طبيعتي

يسوع تمازجتا كماءٍ وخمرة

وقد صارتا من بعد ذاك طبيعةً

موحدةً فاحذر ضلالته التي

كذلك ديسقوروس الغمر تابعٌ

لما نصه بل اتحاد القضية

وبرصوم مع يعقوب ضلّا ونافقا

ونفاقهما المرذول مع بعض شيعة

وسركيس مع أصحابه كان قائلاً

ضلالاً ومكراً إنه ذو مشيئة

وآنوريوسٌ فيه الرواة تخالفوا

فبعضٌ يماري بعضهم في الروية

ولكن رأيي فيه صدقاً بأنه

سديد المعاني مستقيم العقيدة

وغيرهم ممن طغوا وتسوسوا

وضلوا عن النهج القويم الطريقة

فلكهم في وهدة الكفر واقعٌ

وقد نهجوا نهج الطغاة المضلة

وليس لهم في رفضهم قط مخلصٌ

وليس لهم في فرضهم من محجة

عليهم من اللَه العلي ألف لعنةٍ

مضاعفة التعداد في ألف لعنة

وأما أولوا الرأي السديد الذي به

رأوا رؤية التوفيق في كل وجهة

يحدون إدراك العقيدة أنها

مبلغةٌ عن كابري الأيمة

بقولهم إن المسيح ابن مريمٍ

وإبن إلهٍ منذ بشرى البتولة

وقد وحدوا الأقنوم فيه بنصهم

وثنوا الطبيعة مع تثني المشيئة

فمتحدٌ لاهوته وهو كاملٌ

بناسوته من غير مزجٍ وخلطة

وإن اتحاداً جوهريّاً تراهما

وليس اتحاداً في اتفاق المحبة

إلى أن ترى الأقنوم في الكل منهما

له إقتضاءٌ باتحاد الحقيقة

فهذا هو الحق الصراح الذي به

تعلقت الآمال فيه فسرت

ونادى به الإجماع شرقاً ومغرباً

بواضح آياتٍ وصدق الأدلة

بإسناد آراءٍ له عن جهابذٍ

معنعنةٍ في النقل غير ضعيفة

ثقاتٍ إليهم قد غدا الخصم مومئاً

إشارة تسليمٍ لهم في القرينة

يؤيدهم ذاك المعزِّي لقوله

تَقوَّوا أنا معكم مدى كل حجة

على إسِّهِم نبني قواعدَ ديننا

كما شيد بالإنجيل هيكل بيعة

فإن كان توارة الكليم تنبأت

بمورد فادينا المسيح ونصت

فإنجيله ينبيك عن فعله البهي

وعن علمه المعلول عن فضل علة

فسل رسله ينبوك عنه مصرحاً

بتسطيرهم أقواله بالحقيقة

يبثون ما قد ناله من نكاله

وكم نال ذاك الجسم من كل بلوة

فكانت صلاةٌ شادها ضمن جنةٍ

ليصعد فيها آدماً فوق جنة

وكان تعريه يشير لآدمٍ

إلى سندسٍ يكسوه من نور بهجة

وقد كان وسم الجلد في رق جلده

يدل على سربال مجدٍ ونعمة

وتكليله بالشوك يؤذن معلناً

بإكليل آدم فوق عرش المسرة

وتسميره بالعود في حال صلبه

ليرفعه من فوق أرفع رتبة

لقد مادت الآفاق حزناً وخيفةً

لصلب يسوع رب كل الخليقة

ترى لكسوف الشمس أعظم حرقةٍ

كما لخسوف البدر أخسر صفقة

وقد سارت الأتراح في الأرض والسما

وقد حل ركب الحزن في كل طغمة

لما حل في ناسوت آدم ظاهراً

وأعلنه بالعار بين البرية

لقد حمل العود المبارك ثمرةً

طفا أكلها ناراً علينا تلظت

فإن كان آدم ساءه أكل ثمرةٍ

وأخرج منها من أراضٍ أريضة

فيجني جناة النجح ذا اليوم فائزاً

فأكرم بها من ثمرةٍ أريجية

فإن ضاع قدماً من جرى أكل ثمرة

فقد ضاء بعداً من جنى أصل ثمرة

هلم فقد نحيت يا آدم الولي

ونوجيت مدعوا إلى عرس جنة

هنيئاً بما قد حزته من مخلصٍ

وأنت بما قد جزته لم تبكت

وسقياً لنفسٍ عادها عيد ربها

ورعياً لها إذ في العلا قد تجلت

ترى العلم في أثنائها كف طابعٍ

وأن الذي تحتاجه كان كالتي

فها الآن فيها معرب الإسم سالماً

وعائدها قد عادها ضمن وصلة

وقد زان فيها فعلها فهو سالمٌ

كما شانها من فعلها عند علة

يجردها من مضمرٍ كان مبهماً

ويسندها في مظهرٍ كالأشعة

فتعجب من أصواتها عند شدوها

فتعرب عن معنىً خفي الطوية

وتختال من مرح الفضيلة والتقى

كما اختالت الحسنا بأثواب بهجة

وتلمح آثار النجاة بذاتها

وعالمها فوق الحصون المنيعة

ترى حولها من كل عضبٍ مجردٍ

يمانٍ وعسالٍ ضوي الأسنة

يذب زؤام الموت عن ربع أنسها

فلا الإنس ترزاها ولا روح جنة

فألسنة الأكوان تحمد فعلها

وتمدحها في فاتحاتٍ فصيحة

لكون علاها لم يشبه تنزلٌ

ولا عثرةٌ في الفترة الوثنية

ولم يغوها بالكذب نصٌّ مصدق

خلافاً بقسر القول من غير ميزة

ولكنها بالجد قامت على التقى

بتثليث أقنوم إلهٍ بوحدة

وإستفرقت في ذاته مستمدةً

سناه وذا قد أدركت في المحبة

فعادت كما شاء الإله سليمةً

سليمة برءٍ لا نقيض السليمة

وأوهبها من كنزه كل نعمةٍ

وورثها العلياء أشرف رتبة

عليها من الأنوار ثوبٌ مفوَّفٌ

يليه نطاق المن في كل شقوه

وقد شغفت في ذاته وهي دونه

تراه وهو من فوقها فوق سدة

ذهلت به عن عالم ليس علماً

بما علمته بعد بعد المشقة

فظلت بأمنٍ وارتياحٍ ولذةٍ

وفوزٍ وإنعامٍ وسعدٍ وفرحة

وقد شاقها مدح البتولة مريمٍ

وأعجزها مقدار مدح البتولة

رقت في كمال الفضل أعظمَ رتبةٍ

وحازت فتاة الفقر أكبر نعمة

هل النعمة الكبرى إليها تنزلت

أم اللَه أهلها لأشرف رتبة

وذلك لما حل فيها مؤنساً

وقد قبلته وهو بكر الخليقة

فلما رأى منها اتضاعاً وعفةً

تغلغل فيها لاتخاذ الطبيعة

إلى من أرى إلّا إلى متواضعٍ

يقول إله الكل ضمن النبوة

تواضعها قد صار علية مدحها

كذاك علاها صار علية مدحتي

معلومات عن جرمانوس فرحات

جرمانوس فرحات

جرمانوس فرحات

جبرائيل بن فرحات مطر الماروني. أديب سوري، من الرهبان. أصله من حصرون (بلبنان) ومولده ووفاته بحلب. أتقن اللغات العربية والسريانية واللاتينية والإيطالية، ودّرَس علوم اللاهوت، وترهب سنة 1693م ودُعي باسم..

المزيد عن جرمانوس فرحات

تصنيفات القصيدة