الديوان » العصر العثماني » جرمانوس فرحات »

هذا سلام والصدور رحاب

عدد الأبيات : 43

طباعة مفضلتي

هذا سلامٌ والصدورُ رحابُ

وهوى المنازلِ في الفؤاد حِرابُ

تغدو به الأشواقُ نحو أحبَّةٍ

سيماؤهم أن لا يُرَدَّ جواب

قد راعني صوتٌ يجاوبُهُ الصدى

إلفٌ نزيحٌ والبلادُ خراب

ما رابني إلّا غرابٌ نائحٌ

النوح بينٌ والخرابُ غُراب

أنعَى دياراً دونها قلبٌ به

شوقٌ له دون الديار حِجاب

ورمى الزمانُ ربوعَها بصروفه

فخلَت وبان لبينها الأصحاب

ضَرَبت بها أيدي الشتات كأنها

أيدي سبا ولها الفراقُ ضِراب

فترى الغوائلَ ضمنَ ساحتها وقد

ضَرَبت قباباً تحتهن عِقاب

لم أدر ذاك لشرِّ سكّان الحمى

أو إنما ذاك العِقابُ ثواب

يا ملةً ما كان أسطعَ نورَها

حتى انثنى فغشِي سناه ضَباب

مرَّت ترى أحبابَها أعداءها

إن العداوةَ شرُّها الأحباب

ذهبت محاسنها فزال نقاؤها

والشمس من كدر الكسوف تُعاب

ضحكت على ساداتها أعداؤها

وشكت فأبكاها أسىً وعتاب

زلَّت بجَذب زمامها حتى انحنى

منها وفيها أرؤسٌ ورقاب

فكأنها فوق الأنام مصيبةً

وكأنها تحت الأنام تراب

وأذاقها ذاك العدو بِخُبثِه

صاباً ولكن ليس فيه صواب

ولقد دعاه اللَه دعوةَ منجبٍ

وسكوتُه عمن دعاه خطاب

وأحبَّه مولاه دون أخيه في

معنىً يشير إلى خِفاهُ كتاب

وكناهُ في يوم الصراع بكُنيةٍ

حارت بها الأفهام والألباب

فانصاعَ لا يحنو على أمٍّ غدت

تحويه في جزء العلى فيُهاب

فتأمَّلوا يا ماررينَ بها ترَوا

مرأىً مخيفاً في وِعاهُ عَذاب

أُمّاً براها الذلُّ حتى أصبحت

ومصابُها للشامتين مصاب

ذاقت من ابنٍ مرَّها بمرارةٍ

مُرّاً وأدنى مُرِّ ذاكَ الصاب

نكصَت فعاجلها التأسُّفُ فانثنت

تدعو الذهابَ وهل يُجيب ذَهاب

ما كل من نادى يُجاب نداؤه

إن السكوتَ عن الجواب جواب

حاشاك يا صهيون يا أم القرى

أن تقفري وبنوكِ منكِ قِراب

قومي استنيري إن جفوتِ جاهلاً

ذئباً فإن المفسدين ذئاب

قومي استنيري ما لنورِك خامداً

هل غالكِ ذاكَ الغبي الكذّاب

قومي استنيري إن وجهَك بالحيا

متبرقعٌ وعدوُّكِ المِحراب

تبكي وقد نظرت بنيها شُرَّعاً

للموت حتماً والديارُ يباب

من ذا يبشِّرُها بفقد حواسدٍ

وبفقد باغٍ ما عليه ثياب

للَه يا روما السعيدة إنني

مظلومةٌ حقّاً وأنت الباب

حتامَ أدخل بابها ويصدُّني

عنك العداةُ وهم لديك كلاب

حاشاي أن أبغي سواك موئلاً

ما كلُّ رأيٍ في الأنام صواب

حجبوك يا شمسَ الهدى فكأنهم

ما بيننا في الإقتران سحاب

لا تنكروا ما قد رأيتُ منَ الذي

آويتِه إن اللئيم يُعاب

ربَّيتُ إبناً فاستهانَ بأمِّه

ورفعتُهُ ليكون فيه ثواب

فكأنني أذنبتُ حين رفعته

وجزا المسيء بما يسيء عقاب

ولبست فيه العار ثوباً فاضحاً

بين الأنام وما عليَّ نقاب

من منصفي من ظالمٍ متظلِّمٍ

سحقاً لحلوٍ بالمرار يُشاب

أصبحتُ في ثوب الحِداد ولا تسل

عن حال شيخٍ يزدريه شباب

هذا قضاء الله فاصبر طائعاً

إن المطيع له السلام ثواب

فعليك يا دار الأحبة والرضا

مني سلامٌ والصدورُ رِحاب

معلومات عن جرمانوس فرحات

جرمانوس فرحات

جرمانوس فرحات

جبرائيل بن فرحات مطر الماروني. أديب سوري، من الرهبان. أصله من حصرون (بلبنان) ومولده ووفاته بحلب. أتقن اللغات العربية والسريانية واللاتينية والإيطالية، ودّرَس علوم اللاهوت، وترهب سنة 1693م ودُعي باسم..

المزيد عن جرمانوس فرحات