الديوان » العصر العثماني » أبو المعالي الطالوي »

ربع الغمام بربع ذاك المنزل

عدد الأبيات : 52

طباعة مفضلتي

رَبعَ الغَمامُ بِرَبعِ ذاكَ المَنزلِ

وَسَخا بِهِ نوءُ السِماك الأَعزَلِ

وَغَدَت عَلَيهِ مِنَ الزَمان نَضارَةٌ

شُفِعَت نَضارَتُها بِشَرخ مُقبِلِ

وَكَسا مَعالِمَهُ الرَبيعُ مَطارِفاً

خُضراً تُسدّيها رِياحُ الشَمألِ

وَمَشَت بِعُقوتِهِ الرِياحُ كَما مَشَت

صِرفُ الحُميّا في مَجاري المِفصَلِ

فَلَرُبَّما اِرتَبَعَت رباهُ فتيةٌ

مِثلُ البُدورِ طَوالِعاً لَم تَأفُلِ

طارَحتُها قِدماً حَديثَ صَبابَةٍ

وَهوَ سُلافٌ كَالسُلافِ السَلسَلِ

حَتّى اِرتَقَت شَرفَ السِيادة وَالعُلا

وَبقيتُ مُلقىً في الحَضيضِ الأَسفَلِ

وَلهانَ في تِلكَ المَعاهِدِ مُنشِداً

في إِثرِها حُزناً مَقالَ مُفَضِّلِ

لِلّهِ دُرُّ عِصابة نادَمتُهُم

يَوماً بِجِلَّق في الزَمان الأَوّلِ

حَيثُ الشَبابُ الغَضُّ مُقتَبِلٌ وَلي

بِهَوى الغَواني غَمرةٌ ما تَنجَلي

وَلَقَد وَقَفتُ عَلى المَعاهِدِ سائِلاً

عَهدَ الشَبابِ وَخابَ مَن لَم يَسألِ

وَذَكَرتُ أَيّامَ الصِبا فَبَكَيتُها

ذِكرى حَبيبٍ يَومَ بانَ وَمَنزِلِ

وَغَدوتُ أُنشِدُ في مَعالِمِ رَسمِهِ

وَالعَينُ سَكرى بِالدموعِ الهُمَّلِ

حُيّيتَ يا ربع الصِبا مِن مَنزلٍ

وَسُقيتَ رَيعانَ الغَمامِ المُسبلِ

وَرَسا النَسيمُ بِساحَتيكَ فَأَصبَحَت

عَرَصاتُ داركَ نزهَة المُتَأمّلِ

يا مَنزِلاً نَزَلَتهُ أَحداثُ النَوى

وَخُطوبُ دَهرٍ لِلصِعاب مُذلَّلِ

إِن يُمسِ رَبعُكَ مُبدلاً مِن ديمةٍ

بِالريمِ أَو مِن طِفلَةٍ بِالمُطفلِ

فَلَقَد شَهِدتُ بِكَ الحِسانَ كَواعِباً

بيضاً طَوالع كَالبُدور الكُمَّلِ

مِن كُلِّ غَيداء التَثَنّي ألبِسَت

أَعطافها بُرد الشَباب المُسدلِ

رُودٌ سَقاها الحُسنُ ماءَ شَبيبةٍ

فَغَدَت كَزَهرِ الرَوضِ غاداه الوَلي

قالَت وَقَد بَصُرت بَوَجهي شاحِباً

أزجي الركاب إِلى العُلا بِتَنقّلِ

أَقفُ المُطِيَّ عَلى الطلولِ رَواسِماً

أَبكي رُسوماً في مَحلّ مُحولِ

أَتَرومُ إِدراكَ المَعالي جاهِداً

نِضوَ القَريضِ بِمَعلَمٍ وَبِمَجهَلِ

تَاللَهِ لَن تَرقى مَحلاً سامِياً

حَتّى تُلِمَّ بِصَدر ذاكَ المحفلِ

هِيَ حَضرةُ المَولى المُعَظَّمِ قَدرُهُ

قاضي العَساكر مَن سَما شَرَفاً عَلي

مَن رَأيُهُ لِلمُهتَدي وَنَوالُهُ

لِلمُجتَدي وَعَطاؤهُ لِلمُرمِلِ

كُسِيَت بِهِ الأَيّام لِيلة تِمِّهِ

مُتَهَلّلاً كَالعارض المُتَهَلِّلِ

طلقُ المُحيّا قَد علتهُ مَهابَةٌ

فَكَأَنَّهُ مِن نُورِها في جَحفَلِ

عَفُّ الإِزارِ يَجُرُّ أَذيالَ التُقى

وَالدين بِالرَأيِ الأَسَدِّ الأَكمَلِ

لا تَزدَهيهِ مَطامِع الدُنيا وَلا

يَرنو لِزُخرُفِ حُسنِها المُتَعَجِّلِ

بِنَداه أَمسى الجود مُلقٍ رَحلَهُ

لَما اِغِتَدى فيهِ مَحَطَّ الأَرحُلِ

بَوَّأتُ أَطماعي بِهِ فَكَأَنَّما

بَوَّأتُ رَحلي في المَرادِ المبقِلِ

يا مَن لَهُ قَلم شباةُ قناتِهِ

أَمضى وَقُوعاً مِن شباة المنصُلِ

إِن يُمطِهِ الخمسُ الجَداول مُفرغاً

مِن بَحرِ فِكرٍ فيهِ دُرُّ المِقوَلِ

خَضَعَت لَهُ فُرسانُ كُلِّ بِلاغَةٍ

وَسَطاً بِناديها لِخِطبةِ فَيصَلِ

حَتّى يُرى عَبدُ الحَميدِ حَميدَ ما

أَنشاه مِن إِنشاء حُسن تَرسّلِ

وَاِبنُ العَميدِ عَميدَ نَشر بَلاغةٍ

في طَيِّها دُرُّ النِظامِ المُرسَلِ

لَكَ هَضبةُ العِلمِ الَّتي فرعت عُلا

هَامَ النَعائم وَالسماك الأَعزَلِ

لَو رامَ رِسطاليسُ يُدركُ شأوَها

لَم يَستَطع وَكَذا الرَئيسُ أَبو علي

مَولاي يا مَن جُود راحَةِ كَفِّهِ

يَربُو عَلى جودِ السَحاب الأَهطَلِ

لا تُغبِبُ الأَنواءُ ربعك إِنَّه

مِن حادِثِ الأَيّامِ أَحصنُ مَعقَلِ

وَليَهنِ مَنصِبُ دَولَةٍ قُلِّدتَهُ

عَفواً كَما مِن قَبلُ قيلَ لأَوّلِ

ما مَنصبٌ إِلّا وَقَدرُكَ فَوقَهُ

فَبِمَجدِكَ السامي يُهَنّا ما يَلي

وَإِلَيكَ وافَت غادةٌ أَمسَت عَلى

فَلَكِ القَريضِ بِوَصفِ مَدحِكَ تَعتَلي

شامِيّةُ المَنشا غَدَت لَكِنَّها

طائيّةُ الأَنسابِ مَهما تُسألِ

لَو أَنَّها عَرَضَت لِقُسٍّ خاطِباً

بِعكاظهِ لعرَته هِزّةُ أَفكلِ

قَصَدَت إِلى عُليا ذُراكَ لَعَلَّ أَن

يَرنُو لَها لَحظُ السَعادَةِ مِن عَلِ

فَتَعودُ صادِرَةً وَقَد أَنهَلتها

مِن وَردِكَ الفَيّاضِ أَعذبَ مَنهَلِ

لا زِلتَ مَحروسَ الجَنابِ بِدَولةٍ

تَسمو بِسُؤدد مَجدِها المُتَأَثِّلِ

وَعراصُ رَبعِكَ لِلوُفودِ مَحَطَّةٌ

تَأوي لَها آمالُ كُلِّ مُؤمّلِ

ما راقَ مَدحٌ في عُلاكَ وَما شَدَت

وُرقُ الحَمائم في الغُصونِ المُيَّلِ

وَسَرى نَسيمُ اللُطفِ مِنكَ مُبَشِّراً

بِبلوغِ آمالي بِغَيرِ تَعلُّلِ

معلومات عن أبو المعالي الطالوي

أبو المعالي الطالوي

أبو المعالي الطالوي

درويش بن محمد بن أحمد الطالويّ الأرتقيّ، أبو المعالي. أديب، له شعر وترسل. من أهل دمشق مولداً ووفاة. جمع أشعاره وترسلاته في كتاب سماه (سانحات دمى القصر في مطارحات بني..

المزيد عن أبو المعالي الطالوي

تصنيفات القصيدة