الديوان » العصر العثماني » نيقولاوس الصائغ »

خبرونا معاشر الفساق

عدد الأبيات : 90

طباعة مفضلتي

خَبِّرونا معاشرَ الفُسَّاقِ

امرَ ذاك البِلى وذاكَ المِحاقِ

يومَ أَهمى عليكُمُ اللَهُ عدلاً

وَبلَ نارٍ من عالياتِ الطِباقِ

تطلُبُ النارَ بالغريزةِ فَوقاً

كيفَ قد أُحدِرَت إلى الأَعماقِ

كيفَ بالقَسرِ قد هَوَت نحو أرضٍ

وَهيَ تسمو على الهَوا بالتراقي

وغَدَوتُم رمائماً بل رَماداً

قد ذَرَتهُ السَمُومُ في الآفاق

فنَما الفِسقُ مُنذُ ذاك بخَلقٍ

خُلِقوا من ذمائِم الأَخلاقِ

فُحشُكم عَمَّ كلَّ ارضٍ وقُطرٍ

سِيَّما في شآمِها والعِراقِ

آلَ لُوطٍ كأَنَّما من ثراكم

كُوِّنَ اللائطونَ اهلُ النِفاقِ

بَطُوءَ اللَهُ بالتجسُّدِ لكن

بدعكم كان علة الاعتياقِ

قد صَدَرتم عن الحيوةِ وأَنتم

تَرِدُون الرَدى بكأسٍ دِهاقِ

نَعَبَ البُومُ في عِراصِ حِماكم

ليسَ شيءٌ سِوى الالهِ بباقِ

عاثَ فيها البَوارُ طُولاً وعَرضاً

واستباها الدمارُ باستِيثاقِ

فَتَداعَت أَمصارُها مثلَ رِيحا

اذ تَداعَت بجلبة الأَبواقِ

ما بها من مُجاوبٍ لمُنادٍ

لا ولا من مُودِّعٍ أو مُلاقِ

وإلى الآنَ فالشُهودُ عليكم

ثَمَراتٌ تروِي عن الإِحتراقِ

بدُخانٍ تَمَّنَتهُ نباءَ

عن قَضاءِ المُهَيمِنِ الخَلاقِ

وأُصولٍ غُصونُها ذاوياتٌ

عَرِيتَ من ملابس الأَوراقِ

ارعدَ اللَهُ من عَلاهُ برُجزٍ

فابتداهُ بمُومِضٍ أَلاقِ

رَتَعَت منكم اللحاظُ بنُورٍ

هُوَ نارٌ مَزِيدةُ الإِشراقِ

ونَعِمتم بحَرّها فنعيماً

دائماً مُطلَقاً بغيرِ طَلاقِ

ارفعوا الهامَ وانصِبوا اللحظَ منكم

لِم خَفَضتم بهِ إلى الإِطراقِ

جاءَكم هاتفُ الحِمام حثيثاً

فاعقِدوا للرحيلِ حبكَ النِطاقِ

فَهوَ خيرٌ من عِلَّةٍ ودواءٍ

وطبيبٍ عِلاجُهُ غيرُ باقِ

ونِزاعٍ على فِراش المنايا

والتحادٍ محكَّمِ الإِغلاقِ

كلُّ حَيٍّ من الأَنام لموتٍ

واجتماعٍ مصيرُهُ لِفراقِ

قد أَمِنتم دَبَّ الوُحوشِ اليكم

وبِلىً تحتَ هَبوة الأَطباقِ

غيرَ أَنَّ الذي هَلَكتم فيهِ

مستمرٌّ بكم على الإِطلاقِ

قد نسجتم لكم غلائلَ يأسِ

وثِباتَ الرجاءِ من أَخلاقِ

واتخذتم من الحيوةِ نصيباً

وَهوَ يومَ المَماتِ شَرُّ خَلاقِ

هل وَثِقتم من العَذابِ لهذا انتمُ

في لَظىً شديدِ الوَثاقِ

يا لِسربٍ مُنِي بقُولَنجِ فِسقٍ

فأَتاهُ الدَمارُ كالتِرياقِ

ارسلَ اللَهُ نَبلهُ فذراهم

من حُصون منيعةِ الرُستاقِ

أَظمأَتهم تلكَ الصواعقُ لكن

سوفَ يُرويهمِ بِشُربِ الزُعاقِ

وابتلاهم برِعدةٍ أَخَذتهم

من مَهِيل الإِرعاد والإِبراقِ

أَعرَقَتهم شآمةٌ لا مَناصٌ

لهمُ بالإِشام والإِعراقِ

وبُروقٍ لمّا بدت عَربَسَتهم

فرَعَوها بَمدمَعِ الآماقِ

مُذ سَقى جِسمَهم وَلِيُّ اصطلاءِ

سَحَّ وَسميُّ دمعهم كالسواقي

فَتَرُوا في محبَّةِ اللَهِ قلباً

فصَلاهُ بجُذوةِ الإِحراقِ

أُشعِلَ الجمرُ منهُ لكنَّ أَنّي

لم يَبخ منكمُ بسَحِّ المآقي

عن سفاحٍ محرَّمٍ ولِواطٍ

وبدالٍ وغُبَّرٍ ونِفاقِ

ثم عزل ينفي اللِقاحَ تَلاهُ

وَلَعٌ لن يُباحَ بالإِتفاقِ

كلُّ إِلفٍ بإِلفهِ مُتَكَفٍّ

كلُّ عِلقٍ بمثلِهِ ذُو اعتِلاقِ

لم يَزَل بعضُكم يرضّعُ بعضاً

من فواق النفاق سُوءَ النِفاقِ

وكَرعتُم عندَ الظَماءِ أُجاجا

يا لهُ من فُجورِ ظامٍ وساقِ

خلتُم أَريَ ما اضَّلعتُمُ حُلواً

وَهوَ شَريُ الطُعومِ مُرُّ المَذاقِ

وصِغارٍ تَوحَّموا بكِبارٍ

فأَتَوا مِثلَهم بحُسنِ انتِساقِ

كمواشٍ توحَّمَت بعِصِيٍّ

وُضِعَت عِندَ وِردِها في المَساقي

كلُّ شخصٍ اضحى التنازُعُ فيهِ

فَهوَ موضوعُ عاملي الإِنشقاقِ

ان يكن مَصدَرٌ وفيهِ اعتِلالٌ

أَشبهتهُ الافعالُ بالإِشتقاقِ

لَحِقوا في مَسِيرِهم لاحقِيهم

كم وكم مُعرَبٍ على الإِلحاقِ

يَتَجارَونَ بالفَسادِ وكلٌّ

مُستَعِدٌّ بعَضبِهِ للَّحاقِ

قُربُهم بالجُسوم فَهوَ كَحرفِ ال

باءِ بالجَرّ خُصَّ بالإِلصاقِ

سَكَنوا في اللَظى بجازمِ سُخطٍ

بعدَ ذاك الحَراك والإِخفاقِ

رَقَدوا في هواهمُ فاستفاقوا

وهُمُ قُطبُ دائر الإِقلاقِ

ذلك الإِقتراضُ جِسماً بجسمٍ

قد حباكم جَسامةَ الأَوثاقِ

قرضكم في الكَساد مُدٌّ بصاعٍ

بِكَمِ الصاعُ في زَمانِ النَفاقِ

تَتَقاضَونَ بالتقايُض حقّاً

مُحرَماً في المبيع والمسواقِ

قد شنيتم بذا التعارُضِ عِرضاً

بِيعَ منكم بأَبخَس الأَسواقِ

يا ليكيفيَّةٍ بكم قد تناهت

في اشتِدادٍ بالخَرقِ والإِنخِراقِ

عَرَضٌ قد أَهان جوهرَ عِرضٍ

فادرِكوهُ بلُؤلُؤِ الآماقِ

لن تُفيدَ الاثيمَ أَدمُعُ يأسٍ

بل دموعُ الرَجاءِ بالإِنسحاقِ

ايُّها الفاسقُ المملِّقُ آهاً

من دواهي لِسانك الملاقِ

صدَّك اللَهُ بالبِلى والبلايا

والأَذى والشَقاءِ والإِملاقِ

لبسَ ملكُ الالهِ لَذَّةَ جِسمٍ

بل عناهُ بِشدَّةِ الاعراقِ

جَدِّدِ القلبَ تَملِكِ الطُهرَ إِذ لن

يُحفَظَ الخمرُ في رثيث الزِفاقِ

وانبُذَن ما جنيتَهُ مستمدّاً

فضلَ ذاتِ الحُنُوّ والإِشفاقِ

مريمَ البِكرِ عينِ كل سَناءِ

اشرفِ الخَلقِ صُفوةِ الخَلاقِ

سادت الناسَ والملائكَ طُهراً

بالغاً بالغُلُوّ والإِغراقِ

بحرُ جُودٍ يَمُدُّ من غير جَزرٍ

زادَ في الناسِ فيضُهُ باندِفاقِ

فُلكُ نوحٍ وقوسُ عهدٍ وثيقٍ

ثابتٍ وَهيَ قُبَّةُ المِيثاقِ

وَهيَ بابٌ قد جازهُ حِكمةُ اللَهِ

وما زالَ مُحكَمَ الإِغلاقِ

باثقاً رُوحَهُ نظيرَ ابيهِ

فَهوَ والآبُ مَصدَرُ الإِنبِثاقِ

وتَشَبَّث بها إذا شِئتَ تَرقى

للعُلى فَهيَ سُلَّمٌ ومَراقِ

ليسَ يجلو صَدى القُلوبِ سِواها

فَهيَ نُورُ العُقولِ والأَحداق

أَدركينا فلا يَشُقُّ عليكِ

ان تَشُقِّي ملابسَ الإِنشقاقِ

قد شَقِينا وقد غَدَونا أَسارى

وحَيارَى من حين وقع الشِقاقِ

لَستُ أَلقى سِواكِ عنِّيَ يُلقي

عِبءَ ثِقل الهُمومِ مما أُلاقي

كم وكم قلَّبَت خميساً وقلباً

ذا جَناحٍ لمُرهَفات الرِقاقِ

فَهيَ تسطو على العُداةِ ببأسِ

لا ببيض الظُبي وسُمرِ الرِشاقِ

فاجبُري يا بَتُولُ قلباً كسيراً

رام منكِ الوقاءَ يا خيرَ واقِ

لَذَّ لي في هَواكِ ذُلُّ غَرامي

وهِيامي وصَبوتي واشتياقي

انني لا أَزالُ في كل وادٍ

هائمَ القلب هاميَ الآماقِ

أَودِعيني السَلامَ او وَدِّعيني

عن أَمانٍ من قبلِ وشك الفِراقِ

إِنَّ ذَنبي قَضَى عليَّ فِراقاً

ليتَ شِعري متى يكونُ التلاقي

أُرفُقي بي فرُفقتي غادَرَتني

انكِ في الأَنامِ خيرُ الرِفاقِ

فعليكِ السَلامُ ما نَسَّم الرو

ضُ ولذَّ النسيمُ للإِنتِشاقِ

وتلظَّت حشاشةٌ وفُؤَادٌ

من مُحِبٍّ متيَّمٍ مُشتاقِ

وتصافت عشيرةٌ لوِدادٍ

وصَفَت أَدمُعٌ من العُشَّاقِ

وتبدَّى من بعدِ ليلٍ نَهارق

آخذٌ من دُجاهُ بالأَطواقِ

واستُحِثَّت إلى حِماكِ المطايا

سارعاتٍ تَمُدُّ بالأَعناقِ

معلومات عن نيقولاوس الصائغ

نيقولاوس الصائغ

نيقولاوس الصائغ

نيقولا (أو نيقولاوس) الصائغ الحلبي. شاعر. كان الرئيس العام للرهبان الفاسيليين القانونيين المنتسبين إلى دير مار يوحنا الشوير. وكان من تلاميذ جرمانوس فرحات بحلب. له (ديوان شعر - ط) وفي..

المزيد عن نيقولاوس الصائغ

تصنيفات القصيدة