الديوان » العصر العباسي » ابن نباتة السعدي »

سواد الدجى طرفي وأنجمه صحبي

عدد الأبيات : 49

طباعة مفضلتي

سَوادُ الدُّجى طِرفي وأنجُمُهُ صَحبي

فهَلْ ركِبَ الظّلماءَ أشرفُ من رَكْبي

وإنّ طِلابي للعُلا وهي شيمَتي

عَجيبٌ ونَهبُ الهَمِّ لي وهو من نَهْبي

وفي النّفْسِ ثِقلٌ ليسَ تحمِلُهُ القُوى

وعَتْبٌ يبيتُ الدّهْرُ منه على نحْبِ

وقد زعَمَ الأقْوامُ أنّيَ مُعجَبٌ

تَواضُعُ قدري ما يَرونَ من العُجْبِ

فلولا ارتِفاعي يا شَريفُ عن الخَنا

رَغَتْ كلماتي فيكمْ رَغوةَ السُقْبِ

عَرَفْتُ صُروفَ الدّهْرِ حتى جهلتُها

وضاربتُها حتى فَنِيتُ من الضّرْبِ

فقد تركتْ سيفي أكَلَّ مَضارِباً

وأثلمَ حَدّاً من لساني في السِّبِّ

وعنَّفني في مركبِ الموتِ معشرٌ

وقالوا أيهوى الجَدبَ من هو في الخِصْبِ

وإني لأدري أن في العجزِ راحة

وأعلمُ أن السّهْلَ أوطا من الصعبِ

ولَو طَلَبَ الناسُ المكارمَ كلُّهم

لكانَ الغِنى كالفَقْرِ والعَبدُ كالرّبِّ

ولكنّ أشخاصَ المَعالي خَفيّةٌ

على كلِّ عينٍ ليسَ تنظرُ باللبِّ

لقد زادني حربُ الزّمانِ تَجارِباً

فلا عشتُ في يومٍ يَمُرُّ بلا حَرْبِ

ومن يكُ يَعتادُ الكروبَ فؤادُهُ

فإنكَ يا قلبي خُلِقْتَ من الكَرْبِ

أتَرضَى بأكْدارِ الموارِدِ مَشْرَباً

وقد كنتَ لا ترتاحُ للبارِدِ العَذْبِ

وتغري بلا ذَنبٍ عليَّ جَوانِحي

وقد كنتَ لا تجزي المسيءَ على الذّنْبِ

فإنْ كنتَ قلبي فابغِضِ الحُبَّ طائِعاً

ودَعني من بُعدِ الأحبّةِ والقُرْبِ

وإنْ كنتَ تأْبى ذاكَ فاعلمْ بأنّهُ

أبى المجدُ إلاّ أنْ أكونَ بلا قَلْبِ

أمَا لو تَخَيّرتُ الهَوى لمنحتُهُ

كمالَ عليَّ أو سلوتُ عن الحبِّ

فلولاهُ لم تلقَ المُنى في مَطالِبي

ولم تَلقَني بالسّهْلِ منها وبالرّحْبِ

ومَنْ كَعلي للفوارسِ تدّعي

وللبيضِ شامَتها القوائِمُ للوَثْبِ

يرى الشّمسَ أُماً والكواكبَ إخوةً

ويَنظُرُ من بدرِ السّماءِ إلى تِربِ

غَنيتُ عن الآمالِ حينَ رأيتُهُ

وأصبحَ من بين الوَرى كلّهم حَسْبي

فلم أطلُبِ المعرورَ من غيرِ كفِّه

وهلْ تُطلَبُ الأمطارُ إلاّ من السُّحْبِ

نمتكَ عرانينُ الوَرى وتَنازَعَتْ

نِطافَكَ أصْلابُ الجبابرةِ الغُلْبِ

فلا دَيْرُزُشْتٌ خانَ مَجْدُكَ مجْدَهُ

ولا فارسٌ شانَتْكَ في سالفِ الحُقْبِ

ورثتَ كتاباً عن يَلانَ وعنهُما

ورِثتَ بني سَاسانَ حِزباً إلى حِزْبِ

لأَلينُ من قلبِ الغَمامِ على الثّرى

وأقسى على صرفِ الزّمانِ من الهَضْبِ

هم قبلَ عادٍ في البلادِ وجُرْهُمٍ

أقاموا قَناةَ المجدِ كعباً على كعْبِ

تُقادُ مَذاكِيهمْ بغيرِ أعنّةٍ

وتركب في يومِ الهِياجِ بلا ركْبِ

رأى الفلكُ الدوارُ تربةَ بابِكٍ

أحقَّ وأوْلى منه بالأنجُمِ الشُّهْبِ

يَدِبُّ ويسْري نشرُكم في نسيمِها

ويَعبَقُ منكم في المياهِ وفي التُّرْبِ

وما بشروقِ الشّمسِ منها تشرفتْ

بكم شرُفَتْ شَرقُ البلادِ على الغَرْبِ

رأيتُكَ تَجني نارَ كلِّ قَبيلةٍ

فلا نارُ إلاّ ما تُنيرُ وما تجني

وتَفخَرُ بالعُجْمِ الكِرامِ عليهمُ

ولولاكَ كانَ العُجْمُ أدْنى من العُرْبِ

وكم لكَ من مالٍ وهبتَ وغارةٍ

نهبتَ وأعداءٍ أبَتَّ على عتْبِ

بكفٍ على عِلاتِها مُستَهِلّةٍ

وعُودٍ على عجمِ الخُطوبِ له صُلْبِ

وحَربٍ تثَنّى بالعَجاجِ وتلتَوي

بيضِ المَواضي والمُطَهّمَةِ القُبِّ

طِرادٌ مَصاليتُ الظُّبا من جفونِها

تُجَرُّ إليهِ والأسنّةُ في سَحْبِ

رأتْكَ فماتَتْ في الأكفِّ مخافةً

وللموتُ أدْنى أنْ تَموتَ من الرّعْبِ

فَما وطِئَتْ فيها السيوفُ على طُلى

ولا هجَمَتْ منهُ الرِّياحُ على شِرْبِ

وخطبٍ لِزلاتِ الزمانِ أقَلْتَهُ

ولو شِئْتَ خلّيْتَ الزّمانَ بلا خَطْبِ

صِحابُكَ فيما تَقتَنيه كَثيرةٌ

وتأْنَفُ أنْ تَلقى عدوكَ في صَحْبِ

يَوَدُّ ذُبابُ السّيفِ لو كانَ قائِماً

بكفكَ والأقلامُ تَغْبِطُ للكُتْبِ

سأحجبُ نَفسي عن مطامِعَ جمةٍ

لديكَ وما بيني وبينكَ من حُجْبِ

ولو شئتَ لمّا راثَ عندكَ مطلبي

هززتُكَ فيه هِزّةَ الصّارِمِ العَضْبِ

تركتُكَ لم أعصبْ بنانَك إنّني

رأيتُ ذَواتِ الدُرِّ تغني عنِ العَصْبِ

وكنتُ متى حاولتُ رفْدَكَ حُزتُهُ

بغيرِ خداعٍ من يديكَ ولا غَصْبِ

وما الجدُّ إلاّ أنْ أراكَ مُشَمّراً

كأنّكَ من بَذلِ المكارِمِ في لَعْبِ

تقلّدُ سِمْطَيْ لُؤلؤٍ من قَلائِدي

وأسرحُ من نُعْماكَ في بلدِ رَحْبِ

معلومات عن ابن نباتة السعدي

ابن نباتة السعدي

ابن نباتة السعدي

عبد العزيز بن عمر بن محمد بن نباتة التميمي السعدي، أبو نصر. من شعراء سيف الدولة ابن حمدان. طاف البلاد، ومدح الملوك، واتصل بابن العميد (في الري) ومدحه. قال أبو..

المزيد عن ابن نباتة السعدي

تصنيفات القصيدة