الديوان » العصر العباسي » ابن نباتة السعدي » سقى الله أيام الصبابة والخبل

عدد الابيات : 48

طباعة

سَقى اللهُ أيامَ الصّبابةِ والخَبْلِ

ودَهْراً رُمِينا فيهِ بالحَدَقِ النُّجْلِ

وصحبة فتيانٍ كأنّ وجوهَهمْ

وأخلاقَهم صُبحٌ تنفّسَ عن وَبْلِ

فَزعتُ إلى يأسي فلم أسلُ عنهُمُ

إذا اليأسُ لم يسلُ المحبَّ فما يُسلي

وحَيّا تحياتِ الوَداعِ ووَقْفَةً

وجدتُ بها ما لم يَجدْ أحَدٌ قَبْلي

تلافيتُ فيها قَسْوةَ الهجرِ بالبُكا

وداويتُ فيها عِزّةَ الحُبِّ بالذلِّ

عَشيّةَ استعدِي على البيْنِ مُسعِداً

تكاثِرُ في أرشاشِها عَدَدَ الرّمْلِ

فيا بينُ حُلْ بيني وبينَ عَواذِلي

إذا لم تَحُلْ بينَ المطيّةِ والرّحْلِ

ويا دمْعُ لا تهتِكْ عليّ سَرائِري

فلو شئتُ يومَ البينِ كذّبتُ ما تُمْلي

آتَحرِمُنا يا رَبُّ بالحِلمِ والنُّهى

وتَرزُقُ قوماً بالسّفاهَةِ والجَهْلِ

فلا تَبْتَلينا بالحَياةِ فإنّنا

خُلِقنا رِجالَ الجِدِّ في زَمَنِ الهزْلِ

نفرُّ إلى حَرِّ الغَرامِ من القِلى

ونَهْرُبُ من روحِ الفَراغِ إلى الشُّغْلِ

ورَكبٍ على الأكْوارِ عللتُ والدُّجى

تروّحُ أردافَ النّجومِ على رِجْلِ

لتَعلَقَ في الدُّنيا علائِقَ حاجةٍ

مكابرةً أوْ بالتّرفّقِ والخَتْلِ

ألا من لعيشٍ لا يَعودُ إذا مضى

ودهرٍ مَلولٍ لا يَدومُ على وصْلِ

يَجودُ ليَثْني ناظِري نحوَ جُودِه

أكلُّ عطاءٍ يمنَحُ النّاسُ من أجْلي

فَيا دَهْرُ قد حاولتُ عندكَ مَطمَعاً

فحَقُّكَ أنْ تُعْطي وتُسْرِفُ في البذْلِ

ظَفِرْتُ ولولا صاعدٌ ما رأيتني

أمُدُّ إلى الآمالِ كَفاً بلا نَصْلِ

لَما طالتِ البيْداءُ حينَ قصَدتُهُ

هَوىً لمسيري أو ضِراراً على إبلي

كسوتُ لُغامَ العيس لَمعَ سَرابِها

فَماجَ كَموجِ البَحْرِ يُزبِدُ أو يَغْلي

تنكَّبُنا هَوجُ الرّياحِ كأنّها

تُحاذِرُ أنْفاسَ المُخزَّمَةِ البُزْلِ

بَناتُ قِسيّ للحُداةِ وراءَها

تَرنُّمُ أوْتار القِسيّ على النّبْلِ

تَراها على طولِ الفَلاةِ كأنّها

تَدِبُّ دَبيبَ الكاسِيات من النّمْلِ

وإنّ نجومَ الليلِ تَمرُقُ في الدُّجى

وتحسِبُها تَنصاعُ فيهِ على مهْلِ

تخطّتْ أكفَّ الباخِلينَ فعرّسَتْ

بأروعَ معشوقِ الشّمائِلِ والفِعلِ

يُفرِّقُ ما بينَ المَكارِمِ والغِنى

ويجمَعُ ما بينَ الشّجاعةِ والعَقْلِ

هو الماءُ للظمآنِ والنّارُ للقِرى

وحدّ الظُّبى في الحرْبِ والغيثُ في المحْلِ

حَباني ولم أستحبهِ متطولاً

يَرى جودَهُ بعد السّؤالِ من البخْلِ

وأنّى اهتدتْ جَدوى يديكَ لخلّة

سترتُ أذاها عن عدُوِّي والخِلِّ

سَرَتْ كانقضاضِ النّجمِ في غلَسِ الدُجى

إلى مضجعي حتى وصلتُ بها حَبلي

سأشْكُرُ ما أوْلَيتني من صَنيعةٍ

ومِثلُ الذي أوليتَ يَشكُرُهُ مِثْلي

ويكفُرُكَ النّعْماء قومٌ غرستَهُمْ

فلم يُثْمِروا غيرَ الضّغينَةِ والغِلِّ

عِيالٌ على الأعْداءِ والجدبِ جامحٌ

وخيلٌ تُغادي بالقَنازِ من النَقْلِ

حَمَلْتَ جناياتِ المكارمِ فيهمُ

على ظهرِ عودٍ لا يُتَعْتَعُ بالحَمْلِ

ولم تكُ لمّا أحدَثَ الدّهْرُ نكبَةً

بمفترسٍ للحادِثاتِ ولا أكْلِ

كشَفْتَ لها ثَغْراً نَقيّاً وساعِداً

حَمياً وعَيناً لا تَنامُ على ذَحْلِ

كأنّ حُزُونَ العيشِ عندكَ سَهلةٌ

وشتّانَ ما بينَ الحَزونَةِ والسَّهْلِ

وما وجدَ الأعْداءُ عهدَكَ خائِناً

وعقدَكَ إلاّ وهو يُعْقَدُ بالحَلِّ

تركتَ لهمْ صَحنَ الرِّهانِ ونَقْعَهُ

وفُزْتَ بغاياتِ السّوابقِ والخَصْلِ

كما تركَ الظّبيُّ المُنَفَّرُ ظِلَّهُ

لقانِصِه لو كانَ يَقنعُ بالظِّلِّ

ولو شِئْتَ لما أثقبَ الكيدُ نارَهم

سَدَدْتَ فروجَ النّارِ بالحَطَبِ الجَزْلِ

لبلّتْ أنابيبَ الرِّماحِ فَوارسٌ

يَفِرونَ من ذُلِّ الحياة إلى القَتْلِ

خِفافٌ إلى الهَيْجاءِ خرسٌ عن الخَنا

وأسيافُهم في الهامِ تنطِقُ بالفصْلِ

ولكن ثَنيتَ الجهلَ بالحِلمِ فانثَنى

ومثلكَ من قادَ الجموحَ على رِسلِ

تتبّعْ بنيّات الضّغائِنِ بالأذى

فقد أفسَدَ الأعداءَ أخذُكَ بالفَضْلِ

من الحِلْمِ في بعضِ الأمورِ مَهانةٌ

إذا كانَ لا يَنهى عدوكَ عن جَهْلِ

وكنتَ حُساماً غيّرَ الدّهْرُ لونَهُ

فحادَثْتَهُ من جُودِ كَفِّكَ بالصّقْلِ

ووَفْدٌ كدَفّاعِ السَّحابةِ زارَني

بلا عِدَةٍ من راحتَيْكَ ولا مَطْلُ

حظيتَ به عندَ المَكارِمِ والعُلا

وغيرَُ يَحْظى بالمَلامَةِ والعَذْلِ

نبذة عن القصيدة

المساهمات


معلومات عن ابن نباتة السعدي

avatar

ابن نباتة السعدي حساب موثق

العصر العباسي

poet-Ibn-Nabata-Al-Saadi@

292

قصيدة

10

متابعين

عبد العزيز بن عمر بن محمد بن نباتة التميمي السعدي، أبو نصر. من شعراء سيف الدولة ابن حمدان. طاف البلاد، ومدح الملوك، واتصل بابن العميد (في الري) ومدحه. قال أبو ...

المزيد عن ابن نباتة السعدي

اقتراحات المتابعة

أضف شرح او معلومة