الديوان » لبنان » الياس فياض »

هذه قصة جرت لنسيم الروض

عدد الأبيات : 73

طباعة مفضلتي

هذه قصةٌ جرت لنسيم ال

روض فيما مضى من الأزمانِ

وردت في كتابِ سحرٍ قديمٍ

خطَّه فكرُ ساحر شيطانِ

لم يكن قادراً على فهم مع

ناهُ سوى شاعرٍ لعوب المعاني

وُجد الشعرُ حينما وُجدَ السح

ر شقيقين ليس يفترقانِ

قيل إِن النسيم قد كان يوماً

يتمشَّي على رُبى لبنانِ

هائِماً لا يقرُّ منهُ قرار

من مكانٍ يميلُ نحو مكانِ

تارةً يلثم الزهور وطوراً

يرتمي في معاطفِ الأغصانِ

إِذ أَتى منزلاً قديماً لشيخٍ

من شيوخِ القرى رفيع الشانِ

فانبرى داخلاً إليهِ من الكو

ةِ وثباً منغير ما استئذانِ

حيث بنتٌ للشيخ تغزل صوفاً

وهي في مأمن من الحدثانِ

تغزلُ الصوف كفُّها ولها جف

نانِ بالسحر والهوى غزِلانِ

عبثَ الزائِرُ الجريءُ بشعرٍ

ناعمٍ فوق رأسها الفَتانِ

فتدلَّت اطرافهُ الشقرُ من فو

قِ جفونٍ سودٍ وخدٍّ قانِ

ورأَى ذل النسيمُ جمالاً

ما رآهُ من قبل في إنسانِ

فغدا شاخصاً إليها مُديماً

نحوها نظرة الفتى الحيرانِ

ذلك الأهوَجُ الخفيفُ المرائي

القليلُ الثَباتِ في كل شانِ

فاضحُ العاشقين ناشرُ اسرار

الهوى بين كلّ قاصٍ ودانِ

اصبح الآن بابنة الشيخ صبّاً

مستهاماً بحبها متفاني

عاشق لا يُرى ويكفيهِ منها

ان يراها في كل حالٍ وآنِ

حيث كانت يكونُ في البيت او في ال

روض بين النسرين والريحانِ

همُّهُ كل همِّهِ أن يراها

في سرورٍ وغبطةٍ وأَمانِ

جاعلاً نفسه كما تشتهي حراً فبرداً

على اختلافِ الزمانِ

فإذا الليلُ كان ليلَ شتاءٍ

يخِزُ البردُ فيه وخز السنانِ

صار حالاً إلى هواءٍ لطيفٍ

فاترٍ وفقَ نسبةِ الميزانِ

وإِذا اليومُ كان يوماً شديداً

يلذعُ الحرَّ فيه كالنيرانِ

جاءها من ذرى الجبال بنفحٍ

منعشِ الروح منعشِ الجثمانِ

وإِذا استشعر انقباضاً بها يو

ماً مضى مسرعاً إلى البستانِ

وأتاها من الطيور الشوادي

بأَرقِّ الأنغامِ والأَلحانِ

وإِذا الفصلُ كان فصلَ خريفٍ

وغدا الروضُ مثل وجه العاني

وخلا خدرُها من الزهرِ من ور

دٍ ومن نرجسٍ ومن اقحوانِ

سار خلف الفراش في الحقل يج

ديه كما تُجتنى زهورُ الجنانِ

وأتاها منه بباقاتٍ حسنٍ

زاهياتٍ بأَجملِ الأَلوانِ

من عقيقٍ ولا زوردٍ وياقو

تٍ وتبرٍ وأَبيضٍ كالجمانِ

تتجارى في خدرها طائراتٍ

لامعاتِ الجناح كالعقيانِ

وإِذا كان في يديها كتابٌ

درسه محوجٌ إلى الإِمعانِ

وانتهت من قراءة الوجه منه

ثمَّ همت بدرسٍ وجه ثانِ

فتراهُ بنفخَةٍ قَلَبَ الوجهَ

فليست تحتاجُ مدَّ البنانِ

ولكم وقفةٌ له ليس تُنسى

عند ذاك السرير ذي الأركانِ

وقد استحوذ النعاسُ عليها

وتولّى الكرى على الأجفانِ

يجتلي حسنَ معصمين أَضاءا

فوق ملموم صدرها الملان

ولكم زحزح الستار وأدنى

ثغره فوق ثغرها الظمآن

فرواها كما ارتوى دون أن

تخجل منه وليس بالخجلان

هكذا عاش في هواها زماناً

ناعمَ البال خاليَ الأَشجانِ

حاسباً أنَّ للصفاء دواماً

هل دوام الصفاءِ بالإمكانِ

ودِّعِ الحبَّ يا نسيمُ فقد جا

ءَك خصمٌ أَقوى إلى الميدانِ

جاءُ من يخطبُ الفتاةَ فتىً في

عصرهِ كان أجهَلَ الفتيانِ

ما له ميزةٌ على غيرهِ إِلا م

بمالٍ يفيض كالغدران

غرَّها كثرَة الحلي فمالت

وقديماً تهوى الحليَّ الغواني

رضيَتهُ بعلا فواخيبةَ الآ

مالِ من ذلك المحبّ العاني

آه مهما يكُ النسيمُ لطيفاً

طيِّبَ النشرِ عاطرَ الأردانِ

ما الذي يستطيعهُ دون مال

وحُلّيٍ بهيَّة اللمعانِ

لهفَ قلبي عليهِ بعد مزيدِ

العزِّ يمسي في ذلّة وهوان

واقفاً خلف كوَّة البيت يشكو

بأَنينٍ كأَنَّة الثكلانِ

ولهُ كالحمامِ حيناً هديلٌ

وفحيحٌ حيناً كما الافعوانِ

ولكم حدَّثَتهُ بالشرِّ نفسٌ

ما لها بالشرور قبلُ يدانِ

فابتغى ان يصيرَ عاصفَ ريحٍ

هداماً بيتها على السكان

وللإدن وافتِ الكنيسةَ بالمو

كب تبغي إتمامَ عقدِ القرانِ

عيلَ صبراً فثارَ ثورةَ ليثٍ

وأَثارَ الغبارَ ملءَ العيانِ

وانبرى للشموع يطفئها غي

ظاً ولم يحترم جلالَ المكانِ

زاد حقداً فرامَ تجفيف ما في ال

كاس حتى تبقى بلا قربان

ومديرُ الناقوس مما اعتراهُ

أَسمَعَ الناسَ دقَّةَ الاحزانِ

كلُّ هذا لم يُجدِ نفعاً وتمَّ ال

عرسُ رغماً عن ذلك الهيجانِ

فمضى هائماً على وجههِ والصدرُ

يغلي بالحقدِ كالبركان

ساحَ في الأَرضِ مستغيثاً ملو

ك الريح من كلّ صادقٍ معوانِ

بين هَيفٍ وزَعزَعٍ ودَروجٍ

وسمومٍ وعاصفٍ مرنانِ

ثم وافى من بعد عامين في جيش

خضمٍّ يموجُ كالطوفانِ

يزرعُ الرُعبَ في البلادِ ويكسو

هوله الشيب مفرَقَ الشبّانِ

خارباً في طريقهِ كلَّ ما مرَّ

عليهِ من عامرِ البلدانِ

وصلَ البيتَ وهو يحسبُ أَن يُد

رِيهُ في الفضاء مثلَ الدخانِ

إذ يرى في جوانب الدارِ مهداً

فيهِ طفلٌ يبكي بغير بيانِ

ولدى الطفل امُّهُ وهي من خو

فٍ عليه شديدةُ الرجفانِ

فتلاشت قواهُ وانتصرَ الحبُّ

عليهِ والحبُّ ذو سلطانِ

فجثا قرب طفلها آخذاً عن

ها يهزُّ السريرُ كالغلمانِ

معلومات عن الياس فياض

الياس فياض

الياس فياض

(1872-1930) إلياس فياض. أديب لبناني، تعلم ببيروت، ثم بمدرسة الحقوق بالقاهرة. وكتب في مجلتي إبراهيم اليازجي (الضياء) و(البيان) في القاهرة، وتولى رئاسة التحرير بجريدة (المحروسة) اليومية. ثم عاد إلى لبنان،..

المزيد عن الياس فياض