الديوان » فلسطين » محمود درويش »

فرس للغريب

أعِدُ لأرْثيك، عِشْرينَ عاماً من الحُبِّ. كُنْتَ
وَحيداً هناكَ تُؤَثِّثُ مَنْفىً لسَيِّدةِ الزَّيْزَفُونِ، وبَيْتا
لِسَيِّدنا في أعالي الكَلام، تَكَلِّمْ لِنَصْعَدَ أًعْلى
وأَعْلى ... على سُلِّم الْبِئْرِ، ياصاحِبي، أينَ أنت؟
تَقَدَّمْ، لأحْمِلَ عنكَ الكَلاَم ... وأَرْثيك

.... لو كانَ جسْراً عَبَرْناهُ. لكِنَّه الدّارُ والهاوية
وللقَمَر البابِليِّ على شَجَر اللَّيلِ مملكة لم تَعُدْ
لنا، مُنْذُ عادَ التَّتارُ على خَيْلنِا. والتتَّارُ الجُدُدْ
يَجُرُّونَ أسْماءَنا خَلْفَهُم في شعابِ الجِبال، ويَنْسَوْنَنا
ويَنْسَوْنَ فينا نَخيلاً ونَهْرَيْنِ: يَنْسَوْنَ فينا العِراقْ

أَما قُلْتَ لي في الطَّريقِ إلى الرِّيحِ : عمَّا قَليل
سَنَشْحَنُ تاريخَنا بالمَعاني ’ وتَنْطَفِئُ الحَرْبُ عمَّا قَليل
وعمَّا قَليلٍ نُشَيَّدُ سُومَرَ , للنَّاسِ والطَّيْرِ من كلّ جِنْسِ؟
وَنَرْجعُ مِنْ حَيْثُ جاءَتُ بِنا الرِّيح ..../
...لم يَبْقَ في الأَرْضِ مُتَّسَعٌ لِلقَصيدَةِ ’ يا صاحِبي
فَهَلْ في القَصيدَةِ مُتَّسَعٌ ’ بَعْدَ الْعِراق؟
وَروما تُحاصِرُ أَمْطارَ عالَمِنا , والزُّنوجُ يَدُقُّونَ أقْمارَها
نُحاساً عَلَى روما تُعيدُ الزَّمانَ إلى الْكَهْفِ روما
تَهُبُّ على الأَرْضِ فَاُفْتَحْ لِمَنْفاكَ مَنْفى....

لَنا غُرَفٌ في حَدائِقِ آبَ , هُنا في البِلادِ الَّتي
تُحِبُّ الكِلابَ وَتَكْرَهُ شَعْبَكَ واسْمَ الْجَنوبِ لَنا
بَقايا نِساءٍ طُرِدْنَ من الأُقْحُوانِ . لَنا أَصْدِقاءُ
من الغَجَرِ الطَّيِّبينَ لَنا دَرَجُ الْبارِ رامبو لنا ولنا
رَصيفٌ مِنَ الكَسْتَناءِ لَنا تكنولوجيا لِقَتْل الْعِراق

تَهُبُّ جَنُوبيّةً ريحُ مَوْتاكَ . تَسْأَلُني : هَلْ أَراك؟
أَقولُ : تَراني مَساءً قَتيلاً على نَشْرَةِ الشَّاشَةِ الْخامِسَة
فَما نَفْعُ حُرّيّتي يا تَماثيلَ رودانَ ؟ لا تَتَساءَلْ ’ ولا
تُعَلِّقْ على بَلَحِ النَّخْلِ ذاكِرَتي جَرَسً قَدْ خَسِرْنا
مَنافِينَا مُنْذُ هَبَّتْ جَنوبِيّةً ريحُ مَوْتاك...../

...لا بُدَّ مِنْ فَرَسٍ لِلْغَريبِ لِيتْبَعَ قَيْصَرَ , أوْ
لِيَرْجِعَ مِنْ لَسْعَةِ النَّاي . لاَ بُدَّ مِنْ فَرَسٍ لِلَغَريبْ
أَما كانَ في وُسْعِنا أَنْ نَرى قَمَراً وَاحِداً لا يَدُلُّ
على امْرَأَةٍ ما ؟ أما كان في وُسْعِنا أَنْ
نُمَيَّيزَ بَيْن البصيرَةِ ’ يا صاحبي , والبَصَرْ؟

لَنا ما عَلَيْنا من النَّحْلِ والمُفْرَداتِ . خُلِقْنا لِنَكْتُبَ عَمّا
يُهَدِّدُنا مِنْ نِساءٍ وَقَيْصَرَ ... والأَرْضِ حِيْنَ تَصيرُ لُغَةْ,
وَعَنْ سِرِّ جلجامشَ الْمُسْتَحيلِ , لِنَهْرُبَ مِنْ عَصْرِنا
إلى أَمْسَ خَمْرَتنا الذَّهَبِيَّ ذَهَبْنا , وَسِرْنا إلى عُمْرِ حِكْمَتِنا وكانت أَغاني الحَنينِ عِرَاقيّةً , والعراقُ نَخيلٌ ونَهْران.../

.... لِي قَمَرٌ الرَّصافَةِ . لي سَمَكٌ في الفُراتِ ودجْلَةْ
ولي قارِئُ في الجَنُوبِ ولي حَجَرُ الشَّمْسِ في نَيْنَوى
وَنَيْروزُ لي في ضَفائِرِ كُرْديّةٍ في شَمالِ الشَّجَنْ
ولي وَرْدَةٌ في حَدائقِ بابلَ لي شاعرٌ في بُوَيْب
ولي جُثَّتي تَحْتَ شَمْسِ العِراق

على صورَتي خَنْجَري وعلى خَنْجري صورَتي كُلَّما
بَعُدْنا عَنِ النَّهْر مَرَّ الْمَغولشيُّ , يا صاحبي , بَيْنَنا
كَأَنَّ القَصائِدَ غَيْمُ الأَساطيرِ لا الشَّرْقُ شَرْقٌ
ولا الغَربُ غَرْبٌ تَوَحَّدَ إِخْوَتُنا فِي غَريزَةِ قابيلَ . لا
تُعاتِبْ أَخاكَ , فإنَّ الْبَنَفْسَجَ شاهِدَةُ الْقَبَر.../

....قَبْرٌ لِباريسَ , لُنْدنَ , روما , نيويورك . موسكو , وقبر
لِبَغْدادَ , هَلْ كانَ من حَقَّها أَن تُصَدِّقَ ماضَيَها الْمُرْتَقَبْ؟
وَقَبْرٌ لإيتاكَةِ الدَّرْبِ وَالْهَدَفِ الصَّعْبِ , قَبْرٌ لِيافا...
وَقَبْرٌ لِهوميرَ أَيْضاً وَلِلْبُحْتُرِيِّ , وقبرٌ هو الشِّعْرُ , قبرٌ
من الرِّيحِ...يا حَجَرَ الرُّوحِ ’ يا صَمْتَنا !

نُصَدِّقُ , كَي نُكْمِلَ التّيهَ , أنَّ الخَريفَ تَغَيَّرَ فينا
نَعَمْ, نَحْنُ أَوْراقُ هذا الصَّنَوْبَر , نَحْنُ التَّعَب
وقَدْ خَفَّ , خارجَ أجسادِنا , كالنَّدى ..وَانْسَكَب
نَوارِسَ بيضاءَ تبحثُ عن شُعَراءِ الْهَواجِس فينا
وعَنْ دَمْعَةِ الْعَرَبيَّ الأَخيرةِ , صَحْراء... صَحْراء /
..... لَمْ يَبْقَ فِي صَوْتِنا طائِرٌ واحِدٌ لِلرَّحيلِ إلى
سَمَرْقَنْدَ أَو غَيرها , فالزَّمانُ تَكَسَّرَ واللُّغَةُ انْكَسَرَتْ
وهذا الهَواءُ الَّذي قد حَمَلْناهُ يَوْماً على كَتِفَيْنا
فمَنْ يَحْمِلُ الآنَ عِبْءَ الْقَصيدةَ عَنّا؟

ولا صَوْتَ يَصْعَدُ , لا صَوْتَ يَهْبطُ , بَعْدَ قَليل
سَنُفْرِغُ آخِر أًلفاظِنا في مَديحِ المكانِ ،وَبَعْدَ قليل
سَنَرْنو إلى غَدِنا , خَلْفَنا , في حَريرِ الكَلامِ القَديم
وسَوْفَ نُشاهِدُ أحْلامَنا في الْمَمَرَّاتِ تَبْحَثُ عَنّا
وعَنْ نَسْرِ أَعْلامِنا السُّود..../

صَحْراءُ للصَّوْتِ , صَحْراءُ لِلصَّمْتِ , صحراءُ لِلْعَبَثِ الأَبَدِيّ
لِلَوْحِ الشَّرائِع صَحْراءُ للكُتُبِ المَدْرَسيَّةِ , للأَنبِياءِ وللعُلَماءْ
لشيكسبيرَ العَرَبِيُّ الأَخَيرُ : أَنا العَرَبِيُّ الّذي لَمْ يَكُنْ
أَنا العَرَبِيُّ الَّذي لَمْ يَكُنْ

قُلِ الآنَ إنَّكَ أَخْطَأْتَ , أَو لا تَقُلْ
فَلَنْ يَسْمَعَ المَيِّتونَ اعْتِذارَكَ منهم , ولَنْ يَقْرَؤوا
مَجَلاٌتِ قاتِلِهمْ كَيْ يَرَوْنَ , ولن يَرْجِعوا
إلى الْبصْرةِ الأَبَديَّةِ كَيْ يَعْرِفوا ما صَنَعْت
بأُمِّكَ , حِينَ انْتَبَهْتَ إلى زُرْقَةِ الْبَحَر..../


....قُلْ إنَّنا لَمْ نُسافِرْ لِنَرْجِعَ .... أَوْ لا تَقُلْ س
فإنَّ الكلامَ النِّهائِيَّ قيل لأُمِّكَ , باسْمِك :
أَعِنْدَكَ ما يُثْبِتُ الآنَ أَنَّكِ أُمِّي الوَحيدَة؟
وَإن كانَ لا بُدَّ من عَصْرِنا , فَلْيَكُنْ مَقْبَرَةْ
كَما هُوَ , لا مِثْلَما تَتَجَلّى سُدُومُ الجَديدَة
وَلَنْ يَغْفِرَ المَيِّتونَ لِمَنْ وَقَفوا , مِثْلَنا ’ حائِرين
على حافَّةِ الْبِئْر : هَلْ يُوسُفُ السُّومَرِيُّ أَخُونا
أَخُونا الْجَميلُ , لنَخْطَفَ مِنْهُ كَواكبَ هذا المساءِ الْجَميل ؟
وإن كانَ لا بُدَّ من قَتْلِهِ , فَيَكُنْ قَيْصَرٌ
هُوَ الشَّمْسُ فَوْقَ الْعِراقِ الْقَتيل !

سَأْولَدُ مِنْكَ وَتُولَدُ مِنّي . رُوَيْداً رُوَيْداً سَأَخْلَعُ عَنْك
أصابعَ مَوْتايَ , أَزْرارَ قُمْصانهمْ , وبِطاقاتِ ميلادِهِمْ
وتخلعُ عنِّي رَسائلَ مَوْتاكَ لِلْقُدْسِ ’ ثُمَّ نُنَظَّفُ نظَّارَتَيْنا
من الدَّمِ ’ يا صاحِبي ’ كَيْ نُعيدَ قِراءَةَ كافْكا
ونَفْتَحَ نافِذَتَيْنِ على شارعِ الظِّلّ.../
....في داخِلي خارجي . لا تُصَدِّقْ دُخانَ الشِّتاءِ كثيراً
فعمّا قليلٍ سَيَخْرُجُ إِبْريلُ مِن نَوْمِنا خارِجي داخلي
فلا تَكْتَرِثْ بِالتَّماثيلِ ... سَوْفَ تطَرزُ بِنْتُ عِراقيَّةٌ ثَوْبَها
بأَوَّلِ زَهْرَةِ لَوْزٍ , وتَكْتُبُ أَوَّلَ حَرْفٍ من اسْمِك
على طَرَفِ السَّهْمِ فَوْقَ اسْمِها......
في مَهَبَّ الْعِراق

معلومات عن محمود درويش

محمود درويش

محمود درويش

محمود درويش شاعر المقاومه الفلسطينيه ، وأحد أهم الشعراء الفلسطينين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة و الوطن المسلوب .محمود درويش الابن الثاني لعائلة تتكون من خمسة أبناء وثلاث بنات..

المزيد عن محمود درويش

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة محمود درويش صنفها القارئ على أنها قصيدة عامه ونوعها التفعيله من بحر


حرف الشاعر

شُعراء مميزون

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس