الديوان » مصر » علي الجارم » العيش مخضل الجوانب أخضر

عدد الابيات : 86

طباعة

العَيْشُ مُخْضَلُّ الْجَوانِبِ أَخْضَرُ

واليومُ من نَسْجِ السّحائبِ أَنْضَرُ

والرَّوضُ يَصْدَحُ بالبَشائِرِ أيْكُهُ

فالعُودُ عُودٌ والأَزاهِرُ مِزْهَرُ

يَجْرِي النَّسيمُ به فَيَجْتازُ الرُّبا

صُعُداً وتَجْذِبهُ الغُصونُ فَينْفِر

كم زَهْرةٍ عَلِقَتْ بفَضْلِ رِدَائه

فالوردُ مِلءُ ردائِه والعَبْهر

إن ضجَّ من آبٍ وحَرِّ وَثاقِهِ

فاليومَ يَدْرُجُ ما يشاءُ ويَخْطِر

يَطْفُو على وَجْهِ الْجَدَاوِلِ طائراً

غَرِداً يُصَفِّقُ بالْجَنَاحِ ويَطْفِرُ

في كفِّهِ البُشْرَى وفي هَمساتِهِ

نُعْمَى الحياةِ وعزُّ مِصْرَ الأَوْفر

والشمسُ ضاحكةٌ كأنّ شُعاعَها

أَملُ الوُجوه المُشْرقُ المُسْتَبْشِر

تَخْتالُ في يومٍ تَرَقَّبتِ العُلا

مِيلادَه ورَنتْ إِليه الأَعْصُرُ

نَهَضت به آمالُ مِصْرَ وأَقْسمتْ

مِنْ بعد هذا اليومِ لا تَتَعثَّرُ

فَلكَم تَمنَّى الدينُ طالِعَ صُبْحِه

واهْتزَّ من شَوْقٍ إِليه الْمِنْبَرُ

تَمْشِي المُنَى فيه تجُرُّ خِمارَها

خَفَراً ويَزْهُوها الْجَمالُ فَتسْفِر

فازتْ به مِصْرٌ بخَيْرِ مُتَوَّجٍ

يَنْهَى كما يرضَى الإِلهُ ويأمر

يومٌ إِذا زُهِيَ الزمانُ بِمثْلِه

فبمِثْلِه يُزْهَى الزمانُ وَيفْخَر

السَّعْدُ في ساعاتِهِ مُسْتَوطنٌ

والعِزُّ في جَنَبَاتِه مُتَبخْترُ

هو في فَمِ الدُّنْيا حَدِيثٌ خالِدٌ

يَحْلُو على الأَيَّامِ حين يُكَرَّر

هو طَلْعةُ الرَّوْض النَّضِيرِ وظِلُّه

ونَمِيرُه ونسيمه المُتَعطِّر

أملُ البلادِ تمسّكَتْ بحباله

في الحادثاتِ وعيدُ مصرَ الأكبر

عيدُ بأَنْوار الْجَلالِ مُتَوَّجٌ

وبمُنّة النَّصرِ العَزيزِ مؤَزَّر

هو صُورةٌ للبِشْرِ أُحْكِم رَسْمُها

لو أنَّ أَيَّامَ السُّرورِ تُصَوَّر

لانَتْ به الدُّنيا وأَخْصب عَيْشُها

وبيُمْنِهِ اخْضرَّ الزمانُ المُقْفِر

وشَدَتْ لِمَطْلعِه القُلوبُ كأنّها

طَيْرٌ تُغرِّد للرِّياضِ وتصْفِر

هو في كِتَاب الدَّهْر سَطْرٌ مَجَادَةٍ

خَشَعَتْ لِهَيْبَةِ ما حَواه الأسْطُرُ

وثَبَتْ به مِصْرٌ وقد طال الكَرَى

وَمَضَتْ إِلى قَصَب الفَخَارِ تُغَبِّرُ

وَعَلَتْ بفَضْل مَلِيك مِصرَ مَكَانةً

لم تَقْتَعِدْها في السَّماءِ الأَنْسُر

تَتَقطّعُ الآمالُ دون بُلوغها

وتَوَدّ رُؤْيتَها العُيونُ فَتحْسرُ

تَرْنُو لها الْجَوْزاءُ نَظْرةَ حَاسِدٍ

وبِذكْرِها تَلْهو النُّجومُ وتَسْمُر

وإذا سَما الملِكُ الهُمامُ لغايةٍ

فالصَّعبُ هَيْنٌ والعَسيرُ مُيَسَّر

عيد الجلوسِ وأنت عِزةُ أمةٍ

تَعْلو بمَوْلاها العَظِيم وتَكْبُر

غنَّاكَ شِعْري فاستَمعْ لِغنَائِه

إِنَّ البَلابلَ في الْخَميلةِ نُدَّر

ما كلُّ من عَرَك المَزَاهِرَ مَعْبَدٌ

يَوْماً ولا كلُّ المَواضِع عَبْقَر

إن الرماحَ حَدائدٌ مَنْبُوذَةٌ

حتى يُثقِّفَ جِانِبيْها سَمْهَرُ

حيَّتْ طلائِعَكَ القوافِي هُتّفاً

وشَدَتْ لمَقْدَمِكَ الكريمِ الأَشكُر

والشعرُ مرآةُ النُّفوسِ وصُورةٌ

مَحْسوسةٌ ممَّا تُكِنُّ وتشعر

يا عِيدُ كَمْ بك من جَمالٍ زاهرٍ

يَبْهَى بإِشْراقِ المَليك وَيبْهَر

كم مِنْ مَواكبَ وارداتٍ تَرْتَجي

شَرَفَ المُثُولِ ومِنْ مَواكبَ تَصْدُر

والشعبُ يَزْحَمُ بالمَناكبِ طامِعاً

في نَظْرةٍ تُحْيِي القلوبَ وتَجْبُر

ضاقتْ به السَّاحاتُ حتى أصبحتْ

كالبَحْرِ يَقْذِف بالعُبَاب وَيزْخَر

حتى إِذا ظَهر المَليكُ كأنَّه

بَدْرٌ به انجابَ الظَّلامُ الأَخْدر

في بُرْدِهِ أملُ الكِنانةِ باسِمٌ

وبِوَجْهه نورُ الْجَلالَةِ مُسْفِر

شَخصتْ له الآمالُ تُسرِع خَطْوَها

ودنَا لرُؤيته العدِيدُ الأكْثرُ

تَرْنُو العُيونُ فَتَجْتلي من نوره

فَيْضاً ويَغْلِبُها السَّنا فَتَحَيَّر

والناسُ بين مُسَبِّحٍ ومُكَبِّرٍ

لَبّى نِدَاه مُسبِّحٌ ومُكَبِّر

والبِشْرُ قد ملأ الوُجوهَ نَضارةً

فتكادُ من فَرْطِ النَّضارةِ تَقْطُر

والقُطُرُ يهتفُ أن يعيشَ فؤادُهُ

والشَّعْبُ يجهَرُ بالدعاءِ وَيَجأَر

في مَوْكِبٍ لم يَلْقَ كِسْرَى مثلَه

في السَّابقين ولم يَنَلْه قَيْصَر

قَدَرُوا مآثرَك النَّبيلةَ قَدْرَها

وكذاك مَحْمودُ المآثرِ يُقْدَر

أَحْسنتَ للشَّعب الكَرِيمِ رِعَايةً

فَشَدا بنعمتِكَ التي لا تُكْفَر

اللّهُ قد خَلَقَ المكارمَ والنَّدَى

شَجَراً يُظَلِّلُ في الهَجِير ويُثْمِر

إِنّ الذي ملك القُلوبَ بعَطْفه

أَوْلَى بتَمْجيدِ القُلوبِ وأجدَر

شِعْري استبقْ في الحاشِدين مُبادِراً

لا يُدرِكُ الآمالَ مَنْ يتأَخّرُ

وانزِلْ برَأْس التّين واخْشَعْ مُطْرِقاً

ممّا تُحِسُّ مِنَ الْجَلال وتُبْصِرُ

فهنالك المَجْدُ المُؤَثَّلُ سامِقاً

والملْك حولَكَ واسعٌ مُسْتَبْحِر

هذا ابنُ إِسماعيل فانثُر حولَهُ

دُرَراً تَدُومُ على الزَّمانِ وتُذْخَر

ساسَ البلادَ بِحكْمةٍ عَلَويّة

بسَدادِها تعتزُّ مِصْرُ وتُنْصَر

عَزْمٌ كما صَال الْحُسام وهِمّةٌ

أَسْمَى من النَّجم البَعيدِ وأَبْهر

ومَضاءُ رَأْي لو رَمَى حَلَكَ الدُّجى

لَمضى الدُّجَى مُتَعثِّراً يَتَقَهْقر

بلغتْ به مِصْرُ مَنازِلَها العُلاَ

يُومِي إِليها طَرْفُه فَتُشَمِّر

تَمْضِي كما يَمْضِي الشّهابُ مُجِدَّةً

لا يبلغُ الشأوَ البعيدَ مُقَصِّر

مَلأ البِلادَ عوارِفاً ومَعارفا

تُزْجَى إلى أَقْصى البلاد وتنْشَر

وأعَاد مجدَ الخالِدين بنَهْضةٍ

تَجْتَاح شُمَّ الرَّاسياتِ وتُقْهَر

فتلفَّتَ التارِيخُ مشْدوهَ النُّهَى

وتَطلّعتْ من حُجْبِهنّ الأدْهُر

لا تَدْهَشِ الدُّنيا فصَوْلَةُ عَزْمِهِ

أَقْوَى على كَبْح الصِّعابِ وأقدَرُ

الخالدون على الزمان جدودُهُ

والسابقون قبيلُه والمعشَر

النهضةُ الكبرَى إِليهم تنتمِي

وجلائلُ الآثارِ عنهم تُذْكر

درجوا وأمّا مجدُهم فمُخلَّدٌ

باقٍ وأما ذِكْرهم فمُعَمَّر

أفؤادُ عش للنيلِ ذُخراً إِنما

بِنَدَا كما تحيا البلادُ وتنضُر

قد فاض في طول البلاد وعرضها

لكنّه في جنبِ فَيْضِك يَصْغُر

يتبرّكُ الوادي بلَثْم بنانِهِ

فيعودُ وهو المعْشِب المُخْضَوضِرُ

الْخِضْبُ والإِغداقُ فيضُ يمينه

والمسكُ كُدْرَةُ مائِهِ والعنبر

تِبْرٌ إِذا غَمَر البلادَ رأيتَها

والدرُّ مِلءُ نُحورِها والْجَوْهَر

والأرض وَشْيٌ طُرِّزتْ أفوافُه

والزهرُ منه مُدَرْهَم ومُدَنَّر

أَنَّى جرَى هَمس الخمائلُ باسمه

وتبسَّم النّسرينُ والنِّيلُوفَر

وسرت بمقَدمِه البشائرُ حُوَّما

السُّحْبُ تُنْبِىءُ والنسائمُ تُخبر

إن أصبحتْ مصرُ الخصيبةُ جنَّةً

في عهدك العُمَريِّ فهو الكَوْثَرُ

عِشْ في حِمَى الرَّحمنِ جلّ جلالُه

ترعاك عينٌ لا تنامُ وتخفُرُ

واهنأ بعيدك إنه فألُ المُنَى

فَبيُمْنه تعلو البلادُ وتظْفَر

لا زلتَ ترفُلُ في مطارفِ صحّةٍ

هي كل ما يرجو الزمان ويُؤْثِر

واسلَمْ لمصرَ فأنتَ أنتَ فؤادُها

وحياتُها ولُبابُها المتخَيَّر

فاروقُ زَيْنُ الناشئين المرتجَى

كَرُمت أوائِلُهُ وطَاب العُنصُر

مجدُ الشبابِ مَنَاطُ آمالِ العُلا

وسَنَا الحياةِ ونَجْمُ مصرَ النيّر

أَنبتَّه خيرَ النباتِ يزَيِنُه

خُلُقٌ كأمواهِ السحابِ مُطَهَّرُ

الفضلُ يلمَعُ في وضيء جبينه

زهواً كما ابتسم الربيع المُبْكِر

إنّ الصعيدَ لمُزْدَهٍ بأميرِهِ

جَذْلانُ يصدَحُ بالثناء ويجهر

لو تَسْتطيعُ الباسقاتُ بأرضه

سَعْياً لجاءت نحو بابِكَ تشكُر

عاش المليكُ وعاش فاروقُ الْحِمَى

يزهو بطلعته الوجودُ ويُزْهِر

نبذة عن القصيدة

المساهمات


معلومات عن علي الجارم

avatar

علي الجارم حساب موثق

مصر

poet-ali-jarim@

30

قصيدة

293

متابعين

علي صالح عبد الفتاح الجارم،أديب،وكاتب وشاعر مصري،ولد سنة 1881م في مدينة رشيد بمصر. بدأ تعليمه القراءة والكتابة في إحدى مدارسها ثم أكمل تعليمه الثانوي في القاهرة، بعدها سافر إلى إنكلترا لإكمال ...

المزيد عن علي الجارم

اقتراحات المتابعة

أضف شرح او معلومة