الديوان » العصر الايوبي » ابن سناء الملك »

وصفتك واللاحي يعاند في العذل

وصفتُكَ واللاَّحِي يعاند في العذْل

فكنت أَبا ذرٍّ وكان أَبَا جَهْلِ

له شاهِدا زور من النَّهْيِ والنُّهى

عليك ومن عينَيْكَ لي شاهدَا عَدْلِ

حبيبةُ هذا القلبِ من قبلِ خلقِه

يحبُّكِ قلبي قبلَ خلقِك مِنْ قَبْلي

رأَيتُ مُحيّاً منكِ تحتَ ذوائبٍ

فأَجلستُ طرفي منك في الشَّمْسِ والظِّل

أَلا فارْفَعِي ذَا الشَّعرَ عنه إِنَّني

أَغارُ عليه من مُداعَبة الحِجْلِ

إِذا نشبَ الخلخالُ فيه فإِنَّه

يعانِقُه والخِلُّ يصبو إِلى الخِلِّ

عجبتُ له إِذ يطمئن مُعانِقاً

أَما أَذْهلَ الخلخالَ خوفُ بَني ذُهْل

بشْوك القَنا يحمُون شهدَ رُضَابها

ولابُدَّ دون الشَّهد من إِبَر النَّحل

تطلَّعُ من بدرِ السماءِ إِلى أَخٍ

وتنظرُ من زُهر النُّجوم إِلى أَهْلِ

لها ناظرٌ يا حيرةَ الظبي إِذْ رنا

به كَحَلٌ ناداه يا خَجلة الكُحل

وأَثقلَها الحسنُ الَّذي قد تكاثرَتْ

ملاحتُه حتَّى تَثَنَّت مِنَ الثِّقل

وإِني لأَبْكِي وهْي تبكي تَطَرُّباً

جعلتُك من هذا التَّطرُّب في حِلِّ

إِذا استحسَنُوا في وردةٍ دمعةَ الحيا

فَما نَظَروا في خَدِّها دمْعَة الدَّلِّ

وإِنَّ فمي مُغرىً بفيها لأَنَّه

رحيمٌ به أَبْصَرتم الثَّدْيَ للطفل

وقد فَطمتْني النائباتُ وإِنَّني

علمتُ بها أَنَّ الفطامَ أَخُو الثُّكل

ووصلٌ تولَّى أَدْمج الدَّهرُ ذِكْرَه

كما أُدمِجَت في منطقٍ أَلِفُ الْوَصْب

تَقَضَّى فجسمي في أَواخرَ مِن ضَنىً

عليه وعقلي في عَقَائلَ مِنْ حَبْلِ

سأَمنعُ عَيني كُلَّما يمنعُ البكا

عليه وأُسلي النفس عَنْ كُلِّ مَا يُسْلِي

وأُغْلِقُ بابَ العِشْقِ عنِّي لأَنني

جهلتُ إِلى أَن صارَ بَاباً بِلا قُفْلِ

فبدرُ الدُّجى أَشْهى إِليَّ من الخَنَا

وأَقبحُ في عينِ الكريمِ مِنَ الْبُخْلِ

ومن عرفَ الأَيَّام مثلي فإِنَّه

يعيشُ بلا حبٍّ ويحيَا بِلاَ خِلِّ

ومن كانَ في هَذا الوَرى مثلَ يوسفٍ

ومن أَيْن هَذا المثلُ كان بِلاَ مِثْلِ

تَخِرُّ له الأَملاَكُ ذُلاًّ وإِنَّما

تَعِزُّ إِذا خرَّت لَديه مِن الذُّلِّ

أَعاديه مِن غِلمانِه في بِلادهم

يُصرِّفهم بينَ الولاَية والْعَزْلِ

وأَنفُسهُم عَاريةٌ منه عِنْدهم

مَتى ما أَرادَ اسْتَرجَعَتها يدُ الْقَتْل

إِذا راسلَ الأَعداءَ يوماً فإِنَّما

كَتائِبُه كالكُتْب والخيلُ كالرُّسْل

له صارِمٌ يَشْفي به الدينُ صدرَه

ويُنجِزُ وعدَ النَّصر مِنه بِلاَ مَطْل

يُغيِّبُ عَنَّا لونَه بنجيعهِ

فما يتحلَّى سيفُه حُلَّةَ الصَّقْلِ

فلا تحسَبوا بالكَفِّ جرَّد نصلَه

ولكنَّه قد جرَّد الكفَّ بالنَّصْلِ

ظُباه كمثل البَقْلِ لَوْناً وإِنها

لَترعى العِدى رَعْي الظِّبا ورقَ البَقْل

حِدادٌ عِدَاةٌ للحديد تقُدُّه

من الْبُعد حتَّى كُل غمدٍ بلا نَعْل

تكاد تَقُدُّ الهامَ من قبل طَبْعها

وتخرُجُ من سجن الغُمودِ بلا سَل

يُجرِّدها من يغمِدُ الجورَ عدلُه

ويَقوى بها من يُضعِفُ الفقرَ بالْبَذْلِ

ويَحمِلها مَنْ حَمَّل الدينَ كلَّه

عليه وما يَشْكو سوى خِفَّةِ الكُلِّ

هَل الكرَكُ الثَكْلَى بأَوْلادِهَا انْتَهَتْ

عَنِ النَّسلِ مِمَّا جُرِّعَتْه من الثُكْلِ

وكانُوا لها كالعِقْد إِلاَّ أَنَّه وهَى

وأَضْحى لَها جَيْشُ ابن أَيَّوبَ كالغُلِّ

أَتاهُمْ بمثل الرَّمل يَثْقُل خيلَهم

إِلى الأُفْق ما فوقَ الطَّريقِ من الرَّمْلِ

عساكِرُ أَرواحُ العساكر شِرْبُها

وليسَ لها غيرُ الفوارِس مِنْ أَكْل

وما طالَ دِرع الذِّمْر تَحصُّناً

ولكن ليغدو طرفه مِنه في جلِّ

إِذا ما انْحنوا للِحَمْل حاكَوا قِسهم

على أَنهم للموتِ أَجْرى من النَّبْلِ

يكلِّفُهم غزوَ الفرنجِ بِدارِهم

ويَسُهل إِلاَّ أَنَّه ليسَ بالسَّهْل

إِذا كنتَ من قتلاكَ تملأُ سُبْلها

فكيفَ يسيرُ الجيشُ فيها بلا سُبْلِ

جيادُهُمُ تخشَى العِثَارَ من القَنا ال

قصيفِ وتَخْشَى في الدِّمَاءِ مِنَ الْوَحْلِ

وما خالَفَتْك الجُردُ قَطُّ وإِنَّها

لَتَلْحقُ مَنْ عَادَيْتَه وَهْيَ في الشَّكْلِ

وأَرْجُلُها لو قُطِّعت لسَرتْ بمن

عليها لَهمْ والصِّل يَسْعى بِلاَ رِجْل

جَنى أَهلُ تِلكَ القلعةِ الشَّرَّ إِذ رأَوْا

هواديَها كالباسِقَاتِ مِن النَّخْلِ

غدا بَعْلُها الإِبْرِنْس يلعنُ عُرسَه

بها وهي لا تنفَكُّ من لعنةِ الْبَعلِ

يرى الخيلَ والفرسانَ يَغْشَون رُوحه

فَيُضْطر لاستعماله غَفْلَةَ الغُفلِ

وقد رجَمتها المنجنيقاتُ إِذ رَمَت

لشيخٍ لعينٍ كافرٍ جاهلٍ رَذْلِ

فماتَت وما مَات يُفْتح ملكُه

فخلَّفَها تبكي الفروعَ على الأَصلِ

وصبَّحتَ أُخرى صبَّحتْك بِأَهْلها

ومَسَّتْكَ إِذْ أَمسيت وهْيَ بِلا أَهْل

فَنابُلْس لما أَن نزلتَ بِرَبعها

أَقامَت بِهم حقَّ الضِّيافة والنُّزْل

أَحسوا بطل للخريفِ فجاءَهم

ربيعٌ من النَّبل المسدَّدِ كَالْوَبْلِ

ولَمْ أَرَ أَرضاً جادَها الغيثُ قبلَها

وتُصبحُ تشكو بَعده غُلَّةَ المَحْلِ

وما شَرِقُوا بالماءِ والرِّيق إِذ رَأَوْا

جيوشَك لكن بالفوارِس والرَّجْلِ

شبَبَت وقودَ الحربِ بالبيضِ والقنا

عليهم فقد أَضْحت دماؤُهُمُ تَغْلِي

وما أُغْمِدت عَنْهم سيوفُك أَوْ أَتَتْ

على الغِرِّ والشَّيخِ المغَفَّلِ والكَهْلِ

يُعانق في قتلاهُمُ فيه عابداً

لصليب بلا حُبٍّ له عابدُ العجل

أَبَدْتَ النَّصَارَى واليهودَ بمعرَكٍ

وما جاءَ هذا قطُّ في سَالِف النَّقْلِ

وكانتْ بهم تلك البلادُ تَنَجَّستْ

فنابَ دمٌ منهمْ عن الماءِ فِي الْغَسْلِ

ولم يبقَ إِلاَّ من سبَى الجيشُ منهمُ

وإِن كان يَسْبي الجيشَ بالحدقِ النُّجلِ

عذارى أَسارى كُبِّلت بِشعورها

فَجرَّحها في السَّاقِ والمعصمِ الْعَبْلِ

وقدْ شُغِلتْ عن أَهْلِها بإِسَارها

وأَنتَ بشكرِ الله في أَشْغَل الشُّغْل

تكبِّر فيها اللهَ في الجامِع الَّذي

جمعتَ به بين الفريضَةِ والنَّفْل

وصليتَ فيها جمعةً بجماعةٍ

تُناديك للإِسلامِ يا جَامِعَ الشَّمْلِ

وعُدْتَ بفضل اللهِ للخلق سَالِماً

وأَي زمانٍ لم تَعُد فيه بالفَضْلِ

فقَد شُغِل الأَملاكُ عن شكرِ رَبِّهم

سوى أَنْتَ بالرَّيحانِ والرَّاح والنّقْلِ

يقولون ما لا يفعلون أَما اسْتَحَوْا

من الملكِ المُغْنى عَن القول بالفِعْل

لك الحكْمُ في الدُّنْيا وما هُو بالهوَى

مع الجودِ بالدُّنيا وما هو بالهَزْلِ

فحبُّكَ مفروضٌ على كلِّ مسلم

ويُعلَم هذا فيكَ بالعَقل والنَّقْلِ

معلومات عن ابن سناء الملك

ابن سناء الملك

ابن سناء الملك

هبة الله بن جعفر بن سناء الملك أبي عبد الله محمد بن هبة الله السعدي، أبو القاسم، القاضي السعيد. شاعر، من النبلاء. مصري المولد والوفاة. كان وافر الفضل، رحب النادي،..

المزيد عن ابن سناء الملك

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة ابن سناء الملك صنفها القارئ على أنها قصيدة رومنسيه ونوعها عموديه من بحر الطويل


حرف الشاعر

شُعراء مميزون

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس