الديوان » العصر الفاطمي » ابن حمديس »

صمت لله صوم خرق همام

صُمْتَ للَّه صَوْمَ خِرْقٍ هُمامِ

مُفْطِرِ الكفّ بالعطايا الجسامِ

أطلعَ اللّه للصيام هلالاً

ولنا من علاكَ بدرَ تمامِ

وشفاكَ الإلهُ من كلّ داءٍ

صحّ منه الجلالُ بعد السقامِ

كان يومَ السرور منك ركوبٌ

أرحَلَ الهمّ عن قلوب الأنامِ

إذ شكا من شَكاتك الناسُ والبا

سُ وطعنُ القنا وضرب الحسامِ

ثم ضجّوا لما رَأوْكَ صحيحاً

والعُلى منك ثَغْرُهُ ذو ابتسامِ

مَرَضٌ منك قبّلَ الكفَّ شوْقاً

ثمّ ولّى بخجلةٍ واحتشامِ

حَجَبَ الغيمُ منه في الأفق بدراً

وانجلى عن ضيائه بسلامِ

واقتضى الشهرُ من معاليك صنعاً

مُعْلياً منه همّةً باهتمامِ

قَطْعُ ضوءِ النهار صوماً وبرّاً

ودجى الليل بالسُّرَى والقيامِ

وسجودٌ من نور وجهك طوعاً

ما أطالَ السجودَ وجهُ الظلامِ

وخشوعٌ يعلوه منك وقارٌ

مُعْرِبٌ عن رَجَاحةٍ من شَمامِ

طابَ بينَ الملوك ذكرُكَ كالمسْ

كِ إذا فُضّ عنه طيبُ الختامِ

فهو ما بينهمْ به سَمَرُ اللي

ل وشَدْوٌ على كؤوس المدامِ

فلك اللّه من كريم السجايا

معرِقِ المجدِ في الملوكِ الكرامِ

ذِمْرُ حَرْبٍ له اقتحامُ هزبرٍ

وجوادٌ له يمينُ غَمامِ

بائنُ الخطتين نخشى ونرجُو

رَيثَ غَفرٍ له وبطشَ انتقامِ

قام للّه ذو انتصارٍ لدينٍ

رامتِ الرّومُ منه كلّ مرامِ

ورمى ثغرةَ العدوّ بسهمٍ

وثنى سَهْمَهُ عن الإسلامِ

بإعتزامٍ ككوكب الجوّ يرْمي

منهمُ كلَّ ماردٍ بضرامِ

وَبِحَرْبِيّةٍ لها نِفْطُ حَرْبٍ

يحرقُ الماءَ تارةً باضطرامِ

ترتمي في مُلَوَّناتِ لُبُودٍ

كرياضٍ نَوّرْنَ فوق إكامِ

فهي تجلو عرائسَ الموت سوداً

هَوّلَتْ في عباب أخضرَ طامِ

يا لها من جحافلٍ زاحفاتٍ

بضواري الأسود في الآجامِ

وذبالٍ على القنا مُشْعَلاتٍ

مطفئات الأرواح في الأجسام

وندى فاضَ من بنانِ كريمٍ

غيرِ مُصْغٍ في بَذْلِهِ للملامِ

ليس يُفْني بيوتَ مال عليّ

طولُ إنفاقها بكرّ الدوامِ

كيف يُفْني الشموسَ ما اقتبسَتْه

من سنا نورها عيونُ الأنامِ

مَلِكٌ قد علا مَصَامَ الثريّا

ليس فوق الثرى لهُ من مُسامِ

من ملوكٍ لهم سحائبُ أيْدٍ

بالندى والردى هوامٍ دوامِ

إن دعاهُمْ مُثَوِّبُ الموْتِ خاضوا

في حشا الحرب بالخميس اللهامِ

أو رماهمْ إقدامُهُم بكلومٍ

قَطَرَتْ منهم على الأقدامِ

وإذا جَرّدوا السيوفَ لضرْبٍ

وَلَغَتْ في الدماء لا من أُوامِ

لبِسَ البشرُ منهمُ قَسماتٍ

مائعٌ فوقهنّ ماءُ القَسَامِ

يا ابن يحيى الذي أبى عزُّهُ أنْ

يَقْعُدَ العزمُ عنده عَنْ قيامِ

أنا أثني عليك جَهْدي وعند ال

له يُثني عليك شهرُ الصيامِ

لي إلى الغيثِ من نداك انتجاعٌ

في خِضَمّ آذيُّهُ في التطامِ

تحسبُ الريحَ جِنّةً تعتريه

فهو كالقَرْمِ شِدْقُهُ ذو لغامِ

في حشا رادة كأمّ رئالٍ

ما لها في نِفارها من مُقامِ

بنتُ بَرٍّ في البحر تركبُ منها

كلكلاً يا لموجه من سنامِ

ذاتُ وصْلٍ تجرّها جرّ ذيلٍ

وهي تقتادُنا كوحي زمامِ

تتقي من جنوبها وقع سوط

فهي كالسهم طارَ عن قوْس رامِ

وحديثُ السّماع عنك عريضٌ

ضاقَ عن بعضه فسيحُ الكلامِ

لو لمستَ الجهامَ بالكفّ أضحى

عند ريّ العطاشِ غيرَ جهامِ

أو منحتَ الكهامَ منك مضاءً

فَلَقَ الهامَ وهو غيرُ كهامِ

أو جعلتَ الحِمامَ قِرْنَكَ في الحر

ب لجرّعْتَهُ مذاقَ الحِمامِ

فابْقَ في خُطّةِ العُلى ما تَغَنّى

في غُصُون الأراكِ وُرْقُ الحَمامِ

أذاعَ منه لسانُ الدّمْعِ ما كتما

لم يَبْكِ حتى رأى شيباً له ابتسَما

للَّه بالعيد بيضُ الغيدِ نافرةٌ

أهْيَ الحمائم شَامتْ أشْهباً قَرِمَا

لا تعجبنّ لدمعٍ بلّ وَجْنَتَهُ

لا بدّ للقطرِ من أرْضٍ إذا انسجما

صَدّتْ سليمى فما تأتي معاتبةً

ولا عتابَ إذا حبلُ الهوى انصرما

وأوْرَثَ الموتَ سرُّ البين حين فشا

عندي وعند حبيبٍ أورَثَ الصمما

ريحانةٌ في لطيفِ الروح قد غُرِسَتْ

لها النسيمُ الذي تُحيي به النّسما

كطينةِ المسكِ لا تخليكَ من أرَجٍ

إذا تَنَسّمَ رَيّاها امرؤ فغما

لها نظيرُ أقاحٍ ما به صدأ

بإسحلٍ زار من أطرافها عنما

لا تنكرِ الظُّلمَ من خودٍ مدلَّلَةٍ

في ظَلْمِها الدرُّ بالمسواكِ قد ظُلما

يَسمو بها عن صِفاتِ العِينِ أنّ لها

عيناً يُسَفِّهُ منّا سحرُها الحُلُما

وهل لعينِ مهاةِ الرملِ من سَقَمٍ

يُهْدي لكلّ صحيح في الهوى سقما

يا هذه إنْ أراكِ الدهرُ فيّ بلىً

فَجدّةُ الثَّوبِ تَبْلى كلما قدُما

إن الشبيبةَ في كفَّيك عاريةٌ

فإن وجدت لها رَدّاً فلا جَرَما

أصابَ فَوْدي بسهمٍ يا له عجباً

رمى المشيبَ ومن جُول الطويّ رمى

فشيبُ رأسيَ من قلبي الذي ازدحمتْ

فيه صروفُ همومٍ تُعْثِرُ الهمما

كأنّ سِقْطَ زنادٍ كان أوّلُهُ

لمّا تغذّى بِعُمْري في الوقودِ نما

وبلدةٍ لَطَمَتْ أيدي القلاصِ بنا

منها وجوهَ قفارٍ بُرْقِعتْ ظُلَما

إذا رميتُ بلحظ العين ساريَها

حسبتُهُ بين أجفانِ الدّجى حُلُما

ساريتُ فيها هداةً خلتُهُم ركبوا

رُبْدَ النقانقِ فيها أينُقاً رُسُما

شَقّوا بها جُنْحَ ليلٍ أليلٍ رَحَلوا

عن غُرّةِ الصبح من ديجوره غُمَما

حادَتْ بهم عن بقاع المحل جامِحَةٌ

ومن بنانِ عليّ زارَتِ الدّيَما

مملَّكٌ في رُوَاقِ الملك مْحتَجِبٌ

له تَبَرّجُ نُعمى تغمرُ الأمَما

ترعى سجاياهُ من قُصّاده ذِمماً

وليس يَرْعى لمالٍ بَذْلُهُ ذِمَما

لئن تأخّرَ عنه كلُّ ذي هممٍ

فاللّه قَدّمَ منه في العلى قدما

تُكاثِرُ القطرَ في الجدوى مكارمُهُ

وهي البحور فمن ذا يشتكي العَدما

إن الذي بَذَلَ الأموال ذو هِمَمٍ

سلّ الذكور فصانَ الدينَ والحُرَما

وَمَدّ ظلّاً على دينِ الهدى خَصِراً

لمّا تلظَّى حرورُ الكفر واحتدما

لا يقدحُ العفوُ في تمكين قدرته

ولا يواقعُ ذنباً كلّما انتقما

ما زال يهشِمُ من أسيافهِ وَرَقاً

من عهد حمير خضراً تحصُد القِمما

من كلّ برقٍ له بالقَرْعِ صاعقةٌ

على الأعادي بِضْربِ القَطرِ منه رمى

ماءٌ ونارٌ منايا الأُسْدِ بينهما

ما سُلّ للضرب إلّا سالَ واضطرما

في كلّ جيشٍ تثير النقعَ ضُمّرُهُ

يا جُنحَ ليلٍ بهيمٍ ظَلّلَ البُهَما

من كلّ مُقتحمِ الهيجاءِ يوقدها

كمِسْعرِ النار أنّى همّ واعتزما

إن ضاق خطوُ عبوس الأسد من جزَع

مَشَى إليه فسيحَ الخطو مبتسما

ما الليثُ يرتدّ للخطّيّ في أجَمٍ

إلا كظبي كناسٍ عنده بَغَما

يا ابن الملوك ذوي الفخر الألى ملكوا

رقّ الزمان وسادوا العُرب والعجما

كم من عُداةٍ وسمتمْ بالمنون لهمْ

يوماً فشيّبَ من ولدانهمْ لِمَما

أصبحتَ في الملك ذا قدرٍ إذا طمحتْ

عينُ المُسامي إليه فاتَها وَسَمَا

إنّا أُناسٌ بما نُثني عليك به

نُهدي إليك رياضاً نوّرَتْ كَلِما

من كلّ ناظمِ بيْتٍ لا شبيهَ له

فليس يُنْثَرُ منه الدهرَ ما نظما

مستغرق الذوق للأسماع يحسبه

من قالبِ السحر منه أُفْرِغَ الحكما

فانعمْ بعيدٍ سعيدٍ قد بَسَطْتَ له

للمعتفين يميناً تَبْسُطُ النعما

معلومات عن ابن حمديس

ابن حمديس

ابن حمديس

عبد الجبار بن أبي بكر بن محمد بن حمديس الأزدي الصقلي، أبو محمد. شاعر مبدع. ولد وتعلم في جزيرة صقلية، ورحل إلى الأندلس سنة 471هـ، فمدح المعتمد بن عباد، فأجزل له..

المزيد عن ابن حمديس

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة ابن حمديس صنفها القارئ على أنها قصيدة مدح ونوعها عموديه من بحر الخفيف


حرف الشاعر

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس