الديوان » العصر الفاطمي » ابن حمديس »

متى صدرت عيناك عن أرض بابل

مَتى صَدَرَت عَيناكِ عن أرض بابلِ

فَسِحرُهُما في اللَّحظِ بادي المَخايِلِ

عجبتُ لرامٍ كيفَ أنشبَ منهما

بسهمين نَصْلاً واحداً في مقاتلي

أَأَنتِ الَّتي سَقَّيتِني سَمّ حيّةٍ

وخَيّلتِ عندي أنّه شَهْدُ عاسلِ

فيا نارَ وجدي كيف عشتِ تضرّماً

بماءٍ من الأجفان للنّار قاتلِ

ويا رَفْعَ أشواقي لقلبي وخَفْضَها

متى كان للأشواقِ فعلُ العوامِلِ

وذي جَهْلَةٍ بالحبّ أعلمتُهُ بما

ثناهُ عذيري بعدما كان عاذِلي

وقلتُ لهُ إِنَّ الهوى لأَخو الوغى

ولا بُدّ فيه للفتى من مُنازلِ

حذارِ حساماً حدُّهُ لحظةٌ فما

يُسَمّى غِشاءُ العينِ جفناً لباطِلِ

وأكثر ما تَرْوي السيوفُ الَّتي نضا

بها من عقولِ الناس فتحَ المعاقِلِ

أقارعةً سمعي بِثِقْلِ عتابِها

يخفّ على سمعي سماعُ الثّقائِلِ

مَتى يَتسلّى عنكِ صَبٌّ فؤادُهُ

كأنّ الهوى مُغْرىً بِهِ غَيرُ ذاهِلِ

وَكَيفَ وَفي عَينَيكِ قانِصُ فِتنَةٍ

تَقَنّصَني من غير نَصْبِ حبائِلِ

أرَى شَعَرَاتي السودَ قادتْك في الصبا

وَقَطَّعْتِ في عَصرِ المشيبِ سَلاسِلي

فَهَلّا وَشَعْري لصبْغَةٍ

لها ابتسمتْ عيناك صبْغ المكاحِلِ

وَعِبْتِ لَبوسي إذ غدا دونَ هِمّتي

وكم شَمْلَةٍ فيها كريمُ الشّمائلِ

وهل يُحْمَدُ الهنديّ من حليةٍ له

إذا لم يؤثّر في الطُّلى والكواهِلِ

وَما أَرَّقَ الأجفانَ إِلّا بَلابِلٌ

تُسامِرُها بَينَ الضلوعِ بَلابِلي

رَقيقَةُ أَطرافِ الغناءِ كَأَنَّهُ

إِذا طافَ بالأسماعِ جرسُ الخلاخِلِ

تَنالُ صغارَ الحَبّ لَقطاً وتحتسي

بشقّاتِ أقلامٍ ثمادَ المناهِلِ

لدى روضةٍ كالمسك في أنْفِ ناشقٍ

وكالعَصْبِ ذي التسهيمِ في عينِ نائِلِ

سَقَاها الحيا فَاستَوعَبَتْ مِنهُ ريّها

وأمسكَ عنها قطرَهُ غَيرَ باخِلِ

كأنّ لها بالحَزْنِ حِجْرَ أمينةٍ

تنوّمُ فيه خشفَها كلُّ خاذِلِ

يَنامُ كَوَقْفِ العاجِ فُصّلَ مَتْنُهُ

وطالَ به إهمالُ بعض العقائِلِ

وتَخشَى عَلَيهِ الخطفَ مِن كلِّ كاسِرٍ

إذا لم تُذِقْهُ الحتفَ كِفّةُ حابِلِ

حديقةُ نَوْرٍ دامعِ العين ضاحكٍ

كنشوانَ ذي جيدٍ من السُّكْرِ مائِلِ

وَرَبعِيَّةِ الأَزمانِ طَلقٍ هَواؤها

تَمُجُّ نَدى الأَشجارِ عِندَ الأَصائلِ

كأنّ ابن يحيى والحيا صنوُ جودِهِ

سقى تُرْبَها صَوْبَ الغوادي الهواطِلِ

مليكٌ له في الملكِ سَمْتٌ مُوَقَّرٌ

وهيبةُ مرهوبٍ وسيرةُ عادِلِ

عَظيمُ رَمادِ المَندَلِ الرّطبِ نارُهُ

تَرى الجَوَّ مِنها في دُخانٍ مُواصِلِ

وجزلُ الأيادي مُغمِدٌ لعُفاتِهِ

سيوفَ الأماني في رقابِ الفواضلِ

وتلك بحورٌ من عطاياه أُنشِئَتْ

لها سُفُنُ الآمال لا للجداوِلِ

أَبيٌّ أبَى إلّا انتِصاراً لدينِهِ

بصاعقةٍ محمولةٍ في الحمائِلِ

هوَ اللَّيثُ إِلّا أنّ رِفعةَ تاجهِ

على قمرٍ في هالةِ المُلْكِ كامِلِ

له نُورُ بشرٍ تُتّقَى سطواتُهُ

وكالنارِ في الإحراقِ ماءُ المفاصِلِ

يُوَجِّهُ وَجْهَ الحربِ نَحوَ عُداتِهِ

ويحشو حَشَاها بالقَنَا والقَنائِلِ

وما عقَدَ الرايات إلّا تَحلّلَتْ

به عُقَدُ الآراءِ بين القبائِلِ

لَهُ عَمَلٌ يَستَغرِقُ القَولَ في العُلى

وكم في الوَرَى من قائلٍ غيرِ عامِلِ

وَرَفع إِلَيهِ كلُّ عِيسٍ تَيَمّمَتْ

مَعالمَهُ بِعدَ اعتِسافِ المَجاهِلِ

وَكلُّ سَفينٍ تَحرثُ الماءَ عُوّماً

إذا هي شَقّتْ لُجّةً بالكلاكِلِ

فتىً لا يُحَيّي القِرْنَ إلّا بِضَربةٍ

تَسُلّ لسانَ السيف عن شِدْقِ بازِلِ

يَشُقُّ أَضَاةَ الدرعِ فَوقَ كَمِيِّها

بجدولِ بأسٍ منه لُجَّةُ نائِلِ

تَرى ضَيغَمَ الأَبطالِ يَعنو لِعِزِّهِ

ذَليلاً كَما استَخذى أَكيلٌ لآكلِ

ويصعبُ بعدَ الضّرْبِ إغْمادُ سيفِهِ

لِكُلِّ دَمٍ في مَتْنِهِ غَير سائِلِ

أَلا إِنَّ آسادَ الوَقائِعِ حِمْيَرٌ

نِعِمّا وهمْ غرّ الملوك الأوائِلِ

غطارفةٌ شُمّ العرانين قادةٌ

يَعُلّونَ أطرافَ الرّماحِ النواهِلِ

إذا ما سَطَوْا سرّوا بكفّ شذَاتِهمْ

وإن حاربوا جرّوا ذيولَ الجحافِلِ

كَأَنَّ نَدى أَيمانِهِم نَوَّرَت بِهِ

ذَوابِلُهُم فاعجَب لِنَورِ ذَوابِلِ

وما هي إلّا مشرَعاتٌ أسنّةٌ

عِطاشٌ تُرَوّى في حياضِ المقاتِلِ

إليك حدا الإنشادُ كلَّ نجيبةٍ

مُرَحَّلَةٍ إرقالها في المحافِلِ

ومدحُكَ منها خصّ كلّ لطيمةٍ

بمسكٍ مقيمٍ في التأرّج راحِلِ

وقَدرُكَ أعلى من مدائحِنا الَّتي

أبَرّتْ على إِحسانِ مِصْقَعِ وائِلِ

وإن قَصّرَتْ عن غايةٍ فلعلّها

تصيّرُ تحجيلاً لغرِّ الفضائِلِ

وإِن نَنظمِ الدرّ الَّذي أنت بحرُهُ

ففضلُكَ ألقاهُ لنا في السواحِلِ

فلا زالتِ الأعيادُ في كلّ عَوْدَةٍ

ترى الدينَ من مغناك في ظلِّ كافِلِ

معلومات عن ابن حمديس

ابن حمديس

ابن حمديس

عبد الجبار بن أبي بكر بن محمد بن حمديس الأزدي الصقلي، أبو محمد. شاعر مبدع. ولد وتعلم في جزيرة صقلية، ورحل إلى الأندلس سنة 471هـ، فمدح المعتمد بن عباد، فأجزل له..

المزيد عن ابن حمديس

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة ابن حمديس صنفها القارئ على أنها قصيدة رومنسيه ونوعها عموديه من بحر الطويل


حرف الشاعر

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس