الديوان » العصر الايوبي » سبط ابن التعاويذي »

لك النهي بعد الله في الخلق والأمر

لَكَ النَهيُ بَعدَ اللَهِ في الخَلقِ وَالأَمرُ

وَفي يَدِكَ المَبسوطَةِ النَفعُ وَالضُرُّ

وَطاعَتُكَ الإيمانُ بِاللَهِ وَالهُدى

وَعِصيانُكَ الإِلحادِ في الدينِ وَالكُفرُ

وَلَولاكَ ما صَحَّت عَقيدَةُ مُؤمِنٍ

تَقِيٍّ وَلَم يُقبَل دُعاءٌ وَلا نَذرُ

مُرِ الدَهرَ يَفعَل ما تَشاءُ فَإِنَّهُ

بِأَمرِكَ يَجري في تَصَرُّفِهِ الدَهرُ

عِتادُكَ لِلأَعداءِ بيضٌ صَوارِمٌ

وَمُقرَبَةٌ جُردٌ وَخَطِيَّةٌ سُمرُ

وَأَنتَ أَمينُ اللَهِ فينا وَوارِثُ ال

نَبِيِّ وَمِن أَمسى يَحُقُّ لَهُ الأَمرُ

إِمامُ هُدىً عَمَّت سِياسَةُ عَدلِهِ

فَأَوَّلُ مَقتولٍ بِأَسيافِهِ الفَقرُ

يُقَصِّرُ باعُ المَدحِ دونَ صِفاتِهِ

وَتَصغُرُ أَن يَهدي الثَناءَ لَهُ الشِعرُ

وَمَن نَطَقَت آيُ الكِتابِ بِفَضلِهِ

فَما حَدُّهُ أَن يَبلُغَ النَظمُ وَالنَثرُ

وَكَيفَ يُقاسُ البَحرُ جوداً بِكَفِّهِ

وَمِن بَعضِ ما تَحويهِ قَبضَتُهُ البَحرُ

وَما لِضِياءِ البَدرِ إِشراقُ وَجهِهِ

وَأَنّى وَمِن إِشراقِهِ خُلِقَ البَدرِ

وَمَن يَستَهِلُّ القَطرُ مِن بَرَكاتِهِ

عَلى الناسِ ظُلمٌ أَن يُقاسَ بِهِ القَطرُ

وَكَيفَ يُهَنّى بِالزَمانِ وَإِنَّما

تُهَنّى بِهِ الأَيّامُ وَالعامُ وَالعَصرُ

تَغارُ مِنَ الأَرضِ السَماءُ لِوَطئِهِ

ثَراهَ وَمِن حَصبائِها الأَنجُمُ الزُهرُ

مِنَ القَومِ لِلأَملاكِ بِالوَحيِ مَهبِطٌ

عَلَيهِم وَفي أَبياتِهِم نَزَلَ الذِكرُ

بِمَجدِهِمُ سادَت قُرَيشٌ وَهاشِمٌ

وَمِن قَبلُ ما سادَت كُنانَةُ وَالنِضرُ

وَلاؤُهُمُ لِلمُذنِبينَ وَسيلَةٌ

فَلولاهُمُ ما حُطَّ عَن مُذنِبٍ وِزرُ

بِهِم شَرُفَت بَطحاءُ مَكَّةَ وَالصَفا

وَزَمزَمُ وَالبَيتُ المُحَجَّبُ وَالحُجرُ

وَكَيفَ تُجارى في الفِخارِ عِصابَةٌ

لِآدَمَ في يَومِ المَعادِ بِهِم فَخرُ

وَأَنتَ أَميرُ المُؤمِنينَ ذَخيرَةٌ

لِأَعقابِهِم طابَت وَطابَ بِها الذِكرُ

وَلَمّا أَبى الأَعداءُ إِلّا تَمَرُّداً

أَبى اللَهُ إِلّا أَن يَكونَ لَكَ النَصرُ

وَكَم زَجَرَتهُم مِن سُطاكَ مَواعِظٌ

فَما نَفَعَ الوَعظُ المُنَهنِهُ وَالزَجرُ

وَغَرَّهُمُ سِلمُ اللَيالي وَما دَرَوا

بِأَنَّ اللَيالي مِن سَجِيَّتِها الغَدرُ

أَريتَهُمُ مِن سُخطِكَ المَوتَ جَهرَةً

غَداةَ اِستَوى في عَزمِكَ السِرُّ وَالجَهرُ

تَشِفُّ لَهُم وَالحرَبُ مُلقىً جِرانُها

مِنَ الهَبَواتِ السودِ أَثوابُهُ الحُمرُ

أَبى اللَهُ إِلّا أَن يَموتوا أَذِلَّةً

وَفَرّوا وَسَيّانِ المَنِيَّةُ وَالفَرُّ

وَلَو صَبَروا ماتوا كِراماً أَعِزَّةً

وَلَكِنَّ عِندَ السوءِ خانَهُمُ الصَبرُ

وَقَد كانَ خَيراً مِن حَياتِهِمُ الرَدى

وَأَجدى عَلَيهِم مِن فِرارِهِمُ الأَسرُ

يَعِزُّ عَلى زُرقِ الأَسِنَّةِ عَودُها

وَما نَهَلَت مِنهُم ذُوابِلُها السُمرُ

تَحومُ ظِماءً وَالنُحورُ كَأَنَّها

مَناهِلِ وِردٍ وَالرِماحُ قَطاً كُدرُ

وَلَو شِئتَ حَكَّمتَ الأَسِنَّةَ فيهُمُ

وَبَلَّت صَداها الهِندُوانِيَّةُ البُترُ

وَلَم تُبقِ إِشفاقاً عَليهِم وَإِنَّما

تَبَقَّيتَهُم حَتّى يُميتَهُمُ الذُعرُ

قَذَفتَهُمُ بِالرُعبِ في كُلِّ مَسلَكٍ

فَكُلُّ سَبيلٍ أَمَّ رائِدُهُم وَعرُ

وَضاقَت بِهِم أَكنافُ رَحبَةِ مالِكٍ

وَأَقطارُها فيحٌ وَأَمواهُها غُدرُ

تَروعُهُمُ الأَحلامُ في سِنَةِ الكَرى

وَيُذهِلُهُم خَوفاً إِذا اِستَيقَظوا الفَجرُ

كَأَنَّ بَياضَ الصُبحِ بيضُكَ جُرِّدَت

لَهُم وَسَوادُ اللَيلِ عَسكَرُكَ المَجرُ

لَهُم زَفَراتٌ مُحرِقاتٌ كَأَنَّها

إِذا اِستَبرَدوا بِالماءِ مِن حَرِّها جَمرُ

طَوَوا مَكرَهُم تَحتَ الظُلوعِ خِيانَةً

فَحاقَ بِهِم خُبثُ الطَوِيَةِ وَالمُكرُ

نَبَت بِهِمُ أَوطانُهُم وَتَنَكَّرَت

وَحَقَّ لِأَوطانٍ بَغى أَهلُها النُكرُ

وَكانَت بِهِم غَنّاءَ حالِيَةَ الثَرى

مَواقِدُها سودٌ وَأَكنافُها خُضرُ

فَأَضحَوا حَديثاً في البِلادِ وَعِبرَةً

ذَخائِرُهُم نَهبٌ وَأَطلالُهُم قَفرُ

وَرُبَّ صَباحٍ لا يَعودُ مَساؤُهُ

نَعَم وَمَساءٍ لا يَكونُ لَهُ فَجرُ

لَقَد رَكَضَت خَيلُ المَنايا فَأَوجَفَت

بِهِم وَلَها فيمَن بَقي مِنهُمُ كَرُّ

فَلَم ينُجِهِم قَصرٌ مَشَيدٌ وَلا حِمىً

وَلَم يُغنِهِم مالٌ عَتيدٌ وَلا وَفرُ

عَزائِمُ مَنصورِ السَرايا مُؤَيَّدٍ

أَبى أَن يَرى هَضماً إِباءٌ لَهُ مُرُّ

وَهَل يَتَعَدّى النَصرُ مَلكاً شِعارُهُ

وَوَسمُ مَذاكيهِ غَداةَ الوَغى نَصرُ

وَأَقسِمُ لَو عادوا فَعاذوا بِعَفوِهِ

تَلَقَّتهُمُ مِنهُ الطَلاقَةُ وَالبِشرُ

فَلا يَطمَعِ الباغونَ في رَدِّ حُكمِهِ

فَلِلَّهِ في إِعزازِ دَولَتِهِ سِرُّ

وَلا يَطلُبوا عُذراً فَليسَ لِمُجرِمٍ

مِنَ اللَهِ في إِتيانِ مَعصِيَةٍ عُذرُ

وَلَولا الإِمامُ المُستَضيءُ وَرَأيُهُ

تَداعَت قُوى الإِسلامِ وَاِنثَغَرَ الثَغرُ

بِهِ أَيَّدَ اللَهُ الخِلافَةَ بَعدَ ما

تَفاقَمَ داءُ البَغيِ وَاِستَفحَلَ الشَرُّ

فَمَن مُبلِغٌ تَحتَ التُرابِ اِبنَ هانِئٍ

وَقَبرَ المُعِزِّ إِن أَصاخَ لَهُ القَبرُ

بِأَنَّ الحُقوقَ اُستُرجِعَت في زَمانِهِ

عَلى رَغمِ مِن ناواهُ وَاِفتَتَحَت مِصرُ

وَأَنَّ اللَيالي الدُهمَ بِالجَورِ أَشرَقَت

عَلى إِثرِها بِالعَدلِ أَيّامُهُ الغُرُّ

شَكَرناهُ ما أَولاهُ لا أَنَّ وُسعَنا

بِنا بالِغٌ ما يَقتَضيهِ لَهُ الشُكرُ

وَلَكِنَّنا نُثني عَليهِ تَعَبُّدا

وَإِن كانَ عَنّا ذا غِنى فَبِنا فَقرُ

فَما نَبتَغي في لَيلِنا وَنَهارِنا

مِنَ اللَهِ إِلّا أَن يُمَدَّ لَهُ العُمرُ

وَلَمّا أَحَلَّتنا الأَماني بِبابِهِ

تَيَقَّنتُ أَنَّ العُسرَ يَتبَعُهُ العُسرُ

فَلِلشِعرِ في أَبوابِهِ اليَومَ مَوقِفٌ

تَدينُ لَهُ الشِعرى وَيَعنو لَهُ النَسرُ

وَإِن يُمسِ مَدحي مُستَقَلِّاً لِمَجدِهِ

فَيا رُبَّ جيدٍ مُستَقَلٍّ لَهُ الدُرُّ

عَلَيكَ أَميرَ المُؤمِنينَ جَلَوتُها

عَرائِسَ لَم يَسمَح بِمِثلٍ لَها فِكرُ

غَرائِبُ تَسري في البِلادِ شَوارِداً

يُغَنّي بِها الحادي وَيَشدو بِها السَفرُ

سَبَقتُ إِلَيها القائِلينَ فَوِردُهُم

نَقائِعُ مِن أَوشالِها وَلِيَ الغَمرُ

وَإِنّي مِنَ الإِحسانِ في القَولِ مُكثِرٌ

وَلَكِنَّ حَظّي مِن فَوائِدِهِ نَزرُ

فَدونَكَ أَلفاظاً عِذاباً هِيَ الرُقى

إِذا طَرَقَت سَمعاً وَمَعنىً هُوَ السِحرُ

لَها رِقَّةٌ في قُوَّةٍ وَجَزالَةٌ

هِيَ الماءُ مَقطوبٌ بِسَلسالِهِ الخَمرُ

فَما كُلُّ مَن أَهدى لَكَ المَدحَ شاعِرٌ

وَلا كُلُّ نَظمٍ حينَ تَسمَعُهُ شِعرُ

معلومات عن سبط ابن التعاويذي

سبط ابن التعاويذي

سبط ابن التعاويذي

محمد بن عبيد الله بن عبد الله، أبو الفتح، المعروف بابن التعاويذي، أو سبط ابن التعاويذي. شاعر العراق في عصره. من أهل بغداد، مولده ووفاته فيها. ولي بها الكتابة في ديوان..

المزيد عن سبط ابن التعاويذي

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة سبط ابن التعاويذي صنفها القارئ على أنها قصيدة دينية ونوعها عموديه من بحر الطويل


حرف الشاعر

شُعراء مميزون

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس