الديوان » لبنان » أبو الفضل الوليد »

طربت لرؤيا أشرقت فاضمحلت

طَربتُ لرؤيا أشرَقت فاضمحلَّتِ

وقلبي لها طورٌ عليهِ تجلّتِ

فما زلتُ أهوى خلوةً وسكينةً

لِتَمثيلِ رؤيا دونها كلُّ رُؤيةِ

فأُغمِضُ أجفاني وأشتاقُ أن أرى

بروحي جمالاً لا أراه بمُقلتي

فروحي مع الأرواحِ في دارِ أنسِها

وجسمي مع الأجسامِ في دارِ وحشتي

غريبٌ أنا بينَ الذين أُحِبُّهم

وأُبغِضُهم والموتُ آخرُ غُربتي

الى الملإ الأعلى أحنُّ لأنني

عن الملإ الأدنى أُنزّهُ رفعتي

لقد جمَحت نفسي فرُضتُ جماحَها

فلانت ودانت لي بقطعِ الأعنّة

ولكنّها تهفو إلى هفواتِها

إذا هاجَها في الحربِ لمعُ الأسنّة

فأردعُها بالصبرِ والحلمِ والرِضا

وفيها خمارٌ زائلٌ بعدَ سَكرة

وبين عِراكِ الحقِّ والبطلِ أذعَنت

لنهي نُهاها إذ عَنت فاطمأنَّت

تجرّدتُ عن كلِّ المذاهبِ ناظراً

إلى الدينِ والتاريخِ والبَشَرية

فلم أرَ إلا زخرفاً وخديعةً

وذلك رأيي بعد طولِ الرَّويَّة

تولّهتُ مَشغوفاً بما هو باطنٌ

من الحُسنِ حتى فزتُ منهُ بنظرة

فأنّى لمثلي أن يرى ما رأيتُهُ

ومن ليلةِ المعراجِ تُشتقُّ ليلتي

جناني عليهِ ضيِّقٌ ومقصِّرٌ

بياني لديهِ فهو فوقَ الطبيعة

فياليتني عيٌّ يُفكِّرُ صامتاً

ويا ليتَني ما كنتُ ذاكي القريحة

إذن لاكتَفى قلبي بذكرى نعيمهِ

وما هَزّني شِعري المذيبُ لمهجتي

فلا شرفٌ فوقَ الذي نلتُهُ ولا

كلامٌ لوَصفِ النَّعمةِ العلوية

تشوّقتُ حتى زارني الطيفُ مؤنساً

وأشرَقَ نورُ الطّلعةِ النَبويّة

قديمانِ شوقي والهوى غيرَ أنني

جَلوتُ دُجى شكّي بصبحِ الحقيقة

فقلبي وعيني مَطلعانِ لنورها

وما أطلعَ الأنوارِ غيرُ الدُّجنَّة

وفي غفوَتي أو غفلتي جاءني الهُدى

وكانت على غيبُوبةِ النومِ يقظتي

تبلّجَ حلمي كالصباحِ من الدُّجى

فنّورَ قلبي للضياءِ كنورة

فأصبحتُ بين الطّيبِ والنورِ لا أعي

وطارت شعاعاً مُهجتي للأشعة

فكم من شعاعٍ ذرَّ كالسّهمِ نافذاً

فتحتُ له قلباً غدا كالكنانة

فيا لكِ رؤيا نوّرت كلَّ ظلمةٍ

ويا لك ريّاً عطّرَت كلَّ نسمة

ألا ليتَ عمري كلَّهُ كان ليلةً

ويا ليتني في ليلةٍ أبدية

فليلةُ سعدي قد رأيتُ ظلامَها

ضياءً وفي آفاقها ألفُ نجمة

فوالله لا أدري مصابيحُ تلكَ أم

صَبائحُ جيلٍ جُمِّعَت في صبيحة

أُعاهِدُ ربي أن أُصلِّي مُسلِّماً

على أحمدَ المختارِ من خيرِ أُمّة

هداني هواها ثم حبّبَ شرعُهُ

إليَّ فصَحَّت مثلَ حبي عقيدتي

فمن قومُهُ قومي أدينُ بدينهِ

لأني أرى الاسلامَ روحَ العروبة

توسّلتُ بالقربى إليه فلم تضع

لدى العربيّ الهاشميّ شفاعتي

فشرّفني بعد العروبةِ بالهُدى

وفضّلني بين الورى لقرابتي

وأنعمَ بالرؤيا عليَّ وطالما

تصبّت فؤادَ الصبِّ منذُ الصبوّة

وأهدى إليّ النيّراتِ وإنما

هِدايتُهُ في الحلمِ أغلى هَديّة

فبعدَ الذي شاهدتُهُ مُتشهِّداً

غدا الملأ الأعلى شهودَ شهادتي

تفتّقَ ليلي زهرةً حولَ مَضجعي

وشقَّ حِجابَ الغيبِ نورُ البصيرة

فأبصرتُ جناتٍ تميلُ غصونُها

وأنهارُها تجري لبردٍ ونضرة

وفي البابِ رضوانٌ تشرّفَ حارساً

عليهِ من الدّيباجِ أَفخرُ حلّة

فحييتُهُ مستأنساً بلباسهِ

وقلتُ بأحلى لهجةٍ مُضريّة

سلامٌ على جناتِ عَدنٍ وأهلِها

أنا عربيٌّ مثلُهم ذو صَبابة

فقال على الآتي سلامُ محمدٍ

لكَ الخيرُ يا ابنَ الأُمةِ اليعربية

أماناً وأمناً فادخُلِ الخلدَ خالداً

وحمداً على حسنِ الهُدى والسلامة

هنالِكَ جناتٌ حَوَت كلَّ طيّبٍ

وطَيِّبةٍ للصالحين أُعِدَّت

مشى مؤمنٌ فيها ومؤمنةٌ معاً

رفيقَي نعيمٍ خالدَينِ لغبطة

وطافت بها الأملاكُ من كل جانبٍ

صفوفاً وأفواجاً لذي العرش خرّت

وحفَّت به جنداً تغطي وُجُوهَها

بأجنحةٍ وَرديّةٍ زَنبقيّة

ولكنّها لم تذوِ قطُّ ولم تحل

لديمومةٍ في النضرةِ القُدُسية

فسقياً لجناتٍ يدومُ ربيعُها

ويخلُدُ أهلوها لرغدٍ ونعمة

مقاعِدُهُم خزٌّ وعاجٌ ولبسُهُم

حَريرٌ عليهِ كلُّ وشيٍ وسبغة

وتحديثُهُم همسٌ وتسبيحُهم صدىً

وتسليمُهم تنعيمُ صوتٍ ولفظة

فحيَّيتُهم مُستبشراً فتَبسّموا

وردّوا فأحياني جمالُ التحيّة

وقالوا سلاماً فاشربنَّ رَحيقَنا

حلالاً وهذا عهدُ أهلِ المودّة

يَطوفُ بها الوالدانُ والحورُ بيننا

بأكوابِ درٍّ أو قوارير فضّة

شربتُ ولم أنطق وقاراً وإِنّما

تمطّقت كي ألتذَّ أطيبَ رَشفة

فما أعذَبَ الكأس التي قد شربتُها

فكان بها سكري الذي منه صَحوتي

وأصبحَ في نفسي جمالٌ عَشِقتُهُ

كمالاً يُريني الطّيفَ من كلِّ صورة

وفي الأُفقِ الأسنى على عَرشهِ استوى

إلهُ الورى ذو القدرةِ الأزلية

غمامةُ عليّينَ تحجبُ نورَهُ

ترفَّعَ ربُّ العرشِ عن كلِّ هيئة

وإذ كنتُ مَسلوبَ القوى متحيِّراً

سمِعتُ نديّاً من خلالِ الغمامة

فملتُ إلى ذيالكَ الصوتِ ساجداً

وقد خَرّتِ الأطوادُ مثلي لخشية

فقالَ وفي ألفاظه الرعدُ قاصفٌ

دعوتُكَ فاسمع أنتَ صاحبُ دعوة

وكن منذراً بينَ الورى ومبشِّراً

وبلِّغ جميعَ المسلمينَ وصيّتي

وأضرم لهم نارينِ للحربِ والهدى

وقلبُكَ في ديجورهم كالمنارة

وأنشد من الشعر الحماسيِّ رامياً

على كلِّ قلبٍ من جمارِ الحميّة

فشِعرُكَ وحيٌ منزلٌ في جهالةٍ

كما أُنزلَ القرآنُ في الجاهليّة

تشجع وآمن يا وليدُ فأنتَ لي

رسولٌ وفي الإبلاغِ فضلُ الرسالة

أنا المصطفى المبعوثُ للحقِّ والهدى

وقد صحّفوا في مِصحفي كلَّ آية

هو الدينُ والفرقانُ بالحقِّ مُنزَلٌ

لإصلاحِ دنياهم ومَنعِ الدنيّة

وإن لم يكن منهُ صلاحُ شؤونِهم

فذاك لجهلٍ حائلٍ دونَ حكمة

فقل يا عبادَ الله جاروا خصومَكم

بتَوسيع ديني أو بتطبيق سنتي

دعوا عَرضاً منهُ على حفظِ جوهرٍ

يُطابق لخيرٍ مُقتضى كلِّ حالة

وللدينِ والدنيا اعملوا وتنافسوا

ليُحمدَ في الدارينِ حسن المغبّة

فقوّتُكم منهُ وقُوتُهُ بكم

فلوذوا من الدنيا بسورٍ وسورة

لقد عزّ إذ كنتُم رجالاً أعزةً

وفي ذِلِّكم قد باتَ رهنَ المذلّة

فعودوا إلى عهد الفتوحِ التي بها

بَنيتم على الإسلامِ أضخمَ دولة

وما قوةُ الاسلامِ إلا بدولةٍ

خلافيّةٍ بالمسلمينَ قوية

فقل لجميعِ المسلمينَ تجمّعوا

وصونوا وقارَ الدولة الهاشمية

دعتكُم رؤوماً فاستجيبوا دعاءَها

تموتوا لحقٍّ أو تعيشوا لعزَّة

أما لرسولِ اللهِ حقٌّ وحرمةٌ

ومن آلهِ المدلي بأظهرِ حجة

لأُمَّتِهِ الفضلُ العميمُ على الورى

بنشرِ الهُدى من صفحةٍ وصحيفة

على السيفِ والقرآنِ سالت دماؤها

لتثبيتِ ملكٍ شيّدتهُبشدّة

قد استَبسلت واستشهدَت في جهادِها

وما رَجعت إلا بفيءٍ وجزية

بَنت دولةً للمسلمينَ بهامِها

وأكبادِها ما بين فتحٍ ونصرة

لهم مهَّدَت في كلِّ قُطرٍ ومَعشرٍ

سبيلَ الغنى والحكمِ والعبقرية

بِميراثِها قد متّعتهم ولم تزَل

مجدّدَةً فيهم لعهدِ وعهدة

سلالةُ إسماعيلَ خيرُ سلالةٍ

فمنها رسولُ اللهِ خيرُ البريّة

لها حقُّ سلطانٍ وحقُّ خلافةٍ

وما نوزِعَت إلا لنزغٍ وشرَّة

فلا تنقضوا عَهدَ النبيِّ وعهدَها

وكونوا أمام اللهِ أهلَ المبرّةِ

يجود عليكم بالعروبة منةً

وفي شرعة الإسلام أكبر منةِ

هي الشرفُ الأعلى لكم فتشرَّفوا

بأطهرِ آيات وأشرفِ نسبة

على العربِ إرسالُ الوفودِ تتابعاً

إلى كل قُطرٍ فيه من أهلِ ملّتي

ليستطلعوا أحوالهم ويُثبّتوا

لساني وديني بعد ضعفٍ وعجمة

فيشرف كلُّ المسلمينَ تعرُّباً

كما شرفوا بالشّرعةِ الأحمدية

أبى اللهُ أن يستظهرَ الآيَ مؤمنٌ

ويبقى على ما فيهِ من أعجمية

فلا مؤمنٌ إلا الذي هو معربٌ

وهذا كتابُ اللهِ بالعربية

لقد حانَ أن يَستَعربوا ويُعرّبوا

بنيهم وأهليهم لإتمامِ وحدة

فتوحيدُهم للنطقِ والملكِ واجبٌ

كتوحيدِهم للهِ أو للخلافة

فلا لغةٌ للمسلمينَ سوى التي

بها نُزّلَ القرآنُ للأفضلية

ولا رايةٌ إلا التي طلعت لهم

مُبشِّرةً بالعتقِ بعد العبودة

بها أشرَقت بطحاءُ مكةَ حرةً

وقد ظلّلت أرضي وقومي وعترتي

هي الرايةُ العرباءُ تخفقُ للهدى

وللمجدِ فوقَ الحصنِ أو في الكتيبة

مباركةً كانت فللّهِ درُّها

ودرُّ الألى ساروا بها في الطليعة

رأوا تحتها الأحرام واللهَ فوقها

فقالوا لملكٍ ظلُّها أو لجنة

فمن يبغِ إرضائي ومرضاةَ رَبّهِ

يسلّم عليها شاخصاً نحو قبلتي

براءٌ أنا من مستظلٍّ برايةٍ

عليها لطوخٌ من دماءٍ زكيّة

فمهما يكن حكمُ الأجانب عادلاً

يخُن دينَهُ الراضي بحكم الفرنجة

فأجراً لمشهومٍ تكاره صابراً

وخزياً لمولى الدولةِ الأجنبية

ألا يا بني الإسلامِ كونوا عصابةً

فلا قوةٌ إلا بحبٍ وإلفة

ولا قدرةٌ بعد الشتاتِ على العدى

بغيرِ اتحادٍ فيهِ توحيدُ غاية

لكم دولةٌ في الشرقِ عاصمةٌ لها

دمشقُ التي عزّت بملك أميّة

وعاصمة الأخرى مدينة جوهرٍ

لتجميعِ أفريقيَّةِ المسلميّة

وبينهما القلزمُّ يفتحُ ترعةً

كهمزةِ وصلٍ بالبوارجِ غصّت

يجوس العدى كثراً خلالَ دياركم

ويغزونكم عزلاً على حين غفلة

ولم تُغنهم أموالكم عن نفوسكم

فزجّوا بنيكم عنوةً في الكريهة

تذودون عن أوطانهم في حروبهم

وأولادكم فيها جزورُ الذبيحة

وأوطانُكم مغصوبةٌ مستباحةٌ

موطأةُ المثوى لعلجٍ وعلجة

لدولتِهم أموالكم ودماؤكم

وأنتم بلا ملكٍ ومالٍ وعدَّة

أليس عظيماً أن تموتوا لأجلهم

وأن يقتلوكم في مواطن جمّة

فهل من حياةٍ في القصاصِ لغُفَّلٍ

وهل نهضةٌ فيها إقالةُ عثرة

لكم من بلاياكم بلاءٌ وعبرةٌ

فمن عِلةٍ أشفت شفاءٌ لعلّة

خذوا من أعاديكم وعنهم سلاحَهم

به تكشفوا أسرارَ فنٍّ وصنعة

ولا تقحموا قذّافةَ النارِ بالظُبى

فقد سَخرت من بأسِكم والبسالة

ويومَ التفاني تعتدون كما اعتدوا

وإن يخدعوكم تأخذوهم بخدعة

تُنال المعالي باجتهادٍ وقدرةٍ

وكل مُجدٍّ واجدٌ بعد خيبة

فعَبّوا لهم طامي الضفافِ عرمرماً

كتائبُه للحربِ والسلمِ صُفَّت

ورصّوا كبنيانٍ فخيمٍ صُفوفَهُ

لكي تُرهِبوا الأعداءَ من غيرِ حملة

فلا منعةٌ إلا بجيشٍ منظّمٍ

يجمّعُ أبناءَ البلادِ كإخوة

هو الجيشُ يمشي فيلقاً تلوَ فيلقٍ

لحوطِ الضواحي أو لخوضِ الوقيعة

فيالقُ أعطتها الرعودُ قصيفَها

وقد كَمَنَت في مدفعٍ وقذيفة

إذا الخصمُ أبزى تدفعُ الضيمَ والأذى

مدافعُ شدّتها القيونُ لشدة

بناتُ المنايا تلكَ فاعتصموا بها

فلا أمنَ إلا من بنات المنية

فمن سَكبها تسكابُ نارٍ وجلمدٍ

لخيرِ دفاعٍ دون حقٍّ وحرمة

فكم رغبوتٍ كان من رهبوتِها

لدن خشعت أبصارُ أهل القطيعة

هي الخيلُ معقودٌ بها الخيرُ فانفروا

على كل محبوسٍ بعيدِ الإغارة

خِفافاً إلى الجلّى ثقالاً على العدى

إذا الخيلُ بعد المدفعيّةِ كرَّت

مناصلُ حبسٍ أو مقانبُ غزوةٍ

مداعيقُ تعدو تحتَ فرسانِ جمرة

وما الحربُ إلا خدعةٌ فتربّصوا

لختلٍ وقتلٍ في غرارٍ وغرة

لقد كتبَ اللهُ القتالَ فجاهدِوا

لأجرٍ ومجدٍ أو لعزٍّ ومنعة

قِتالُ العدى فرضٌ على كل مسلمٍ

وإني بريءٌ من فتى غير مُصلت

أكبّوا على حملِ السلاح تمرُّناً

فإن تمرسوا يصبح كلهوٍ وعادة

تجندكم طوعاً وكرهاً فرضتُهُ

فكونوا جنوداً بُسَّلاً في الحداثة

ولا تطلبوا الإعفاءَ من غيرِ مانعٍ

لكم شرفٌ بالخدمةِ العسكرية

فهل كان إلا بالبعوثِ انتصاركم

وأوّلُ بعثٍ كان بعث أُسامة

ورثتم عن الأجدادِ مجداً مؤثلاً

وقد فتحوا الدنيا لديني وسُلطتي

ألا يزدهيكم ذكرهم في حقارةٍ

تغضّون عنها كلَّ عينٍ قذيّة

فأينَ المغازي والفتوحُ ترومُها

جنودٌ وقوادٌ شدادُ المريرة

مضى زمنُ العلياءِ والبأسِ والندى

لصعلكةٍ شوهاءَ بعدَ البطولة

بأبطاله المستشهدين تشبهوا

ورجُّوا له عوداً بصدقِ العزيمة

وفوقَ الجواري المنشآت تدرّبوا

على الخوضِ في عرضِ البحارِ الخِضمّة

وشدوا على أمواجها وتقحّموا

عباباً وإعصاراً لغنمٍ وسطوةٍ

فما خوضُكم في لجةٍ بأشدَّ من

تعَسُّفِكم في مهمهٍ وتنوفة

فللرملِ كالتيهور آلٌ وموجةٌ

وريحٌ فذو رحلٍ كربِّ سفينة

على قتبٍ أو هوجلٍ طلَبُ العلى

وإحرازُها من ناقةٍ أو سفينة

ففي البحر مجرى للشعوب ومكسبٌ

بتحصينِ ثغرٍ أو بتحصيل ثروة

فمن يقطعِ الصحراءَ والرمل عالجٌ

تخُض خيضةَ الروميّ خضراءَ لجّة

ويكبحُ من كلِّ البحور جماحَها

إذا أزبَدَت أمواجُها واكفهرّت

ويصنع أسطولا كثيرٌ سفينُه

لصدِّ مغارٍ أو لنقلِ تجارة

ففي ذلك الجاهِ العظيمِ لأمةٍ

توجّه ركباناً إلى كلِّ فرضة

وأسطولها المرصوفُ يحمي ثغورَها

فتأمنُ في أملاكِها فتحَ ثغرة

بدارعةٍ فولاذُها حرشفٌ لها

رست قلعةً تمشي إلى دكِّ قلعة

وغواصةٍ تحتَ المياهِ تسلّلت

ونسّافةٍ فوقَ المياهِ اسبكرّت

بوارجُ أسطولٍ إذا ما تزَحزَحَت

تُزَعزِعُ أركانَ الحصونِ المنيعة

فأعظِم بشعبٍ مستقلّ سفينُهُ

يتيهُ دلالاً بين مرسىً وغَمرة

فرادى وأزواجاً يسيرُ كأنه

عصائبُ طيرٍ في البحورِ المحيطة

لقد كان همُّ الملكِ ضبطَ ثغوركم

لدفعِ التعدّي أو لنفعِ الرعيّة

ومن خلفائي للأساطيل نجدةٌ

لغزوِ بلادٍ أو لفتحِ جزيرة

فأربى على كلِّ السفينِ سفينُكم

وبرّز تبريزاً ببأسِ وجرأة

ولاذت أساطيلُ الفرنجِ بمخبإٍ

وقد حُطِمَت ألواحُها شرَّ كسرة

لأسطولكم كانت طرائد هالها

ضراءُ ليوثٍ بحرُها كالعرينة

ولما تراجعتم كسالى تدرّأوا

وشدوا عليكم في أساطيل ضخمة

فكيفَ لكم أن تدفعوها بمثلِها

وقد كبّلوكم بالقيودِ الثقيلة

سَبَقتُم وكانوا لاحقينَ فشمّروا

ونمتم فللساعينَ حسنُ النتيجة

نتيجةُ سعي الرومِ تلكَ فهل لكم

بها عبرةٌ أو أسوةٌ بعد يقظة

خذوا خولاً منهم لدارِ صناعةٍ

وعنهم خذوا إتقان علمٍ ومهنة

وشيدوا على أشكالهم ومثالهم

بوارجَ فوقَ اليمِّ مثل الأئمة

يزكّي لها أمواله كلُّ مسلمٍ

فيبقى لهُ في اللوحِ أجرٌ بلوحة

بوارجُهم منها المداخنُ أشرفت

منابر تُلقي وعظةً بعدَ وعظة

أما قرعت أسماعكم بصعاقِها

ونيرانُها أجّت أجيجاً فعجّت

فلولا الأساطيلُ التي بجنودهم

أجازت إليكم ما مُنيتم بنكبة

ولا دنّسوا أرضاً ولا سفكوا دماً

ولا غصبوا إرثاً بأيدٍ أثيمة

فلا دارَ للإسلامِ إلا تهدمت

ولا قلبَ إلا ذابَ من حرِّ لوعة

كذا هدموا ملكي فمن ذا يردُّهم

إذا أزمعوا تهديمَ قبري وكعبتي

أما في نفوسِ المسلمينَ حميةٌ

لتطهيرِ أحرامي وحفظِ الأمانة

عليكم يمينُ اللهِ إن تألفوا الكرى

وإن تشعروا في النائبات بلذّة

فما كان مولاكم ولا كنتُ راضياً

بغيرِ جهادٍ فيهِ نيلُ الشهادة

تنادوا وثوروا واستميتوا لتنقذوا

دياراً من الاسلامِ في كلّ قبضة

لئن ثبتت أقدامكم ونفوسكم

رجعتم إلى اليرموكِ والقادسية

فبالصبرِ والتقوى ظهرتم على العدى

وما الصبرُ إلا عند أولِ صدمة

إذا لم يَعُد للمسلمينَ سفينُهم

وأسطولهم لا يأملوا عودَ صولة

مرافئهم مفتوحةٌ وثغووهم

معرّضةٌ للغزو من كلِّ وجهة

وما الثغرُ من أرضٍ سوى بابِ منزلٍ

فإن لم يُصَن يولج بدونِ وليجة

وإن وطأته الخيلُ والرجْلُ وطّأت

قواعدَ ليست بعدَهُ بحصينة

فما عصمَ الأمصارَ إلا ثغورُها

إذا اعتصمَ الأسطولُ فيها لعصمة

سواحلكم خيرُ السواحلِ موقعاً

ولكنّها ليست بكم ذات قيمة

فلما خَلت أيامُ أمجادكم خَلت

وللرومِ فيها رغبةٌ بعد رهبة

فهَمّوا بها واستَملَكوها رخيصةً

وما رَخِصت إلا لرخصِ المروءة

فلو أنها كانت سواحلَ أرضهم

لشادوا عليها ألفَ برجٍ وعقوة

وصفّوا بها أسطولهم متلاصقاً

كأسوارِ فولاذٍ قبالة عَدوة

فما صدّ أعداءً ولا سدَّ ثغرةً

سوى بارجاتٍ كالبروجِ اشمخرّت

تقذّفُ نيرانَ الجحيمِ بطونُها

إذا فغَرت فوهاتِها وازبأرّ ت

وترفُلُ من فولاذِها وحديدها

بأمتنِ درعٍ أو بأشرفِ لبسة

وبعد اقتدارٍ في الملاحةِ أقدموا

على طيرانٍ تم من دون طيرة

وطيروا نسوراً في مناطيدَ حلّقت

فنُفِّرَتِ الأطيارُ والجنُّ فرّت

فإمّا لتحليقٍ يكون اصطعادُها

وإمّا لتدويمٍ وإمّا لرحلة

فمنها امتناعٌ وانتفاعٌ لدولةٍ

ترى في الطباقِ السبعِ أرحب حَلبة

ومن علوِ طيارٍ وطيارةٍ لها

تُجرِّرُ ذيلَ المجدِ فوقَ المجرّة

تردّى ابنُ فرناسٍ وقد طارَ مخطراً

وأودى كذاك الجوهريُّ بسقطة

بذلك باهوا واقتفوا أثريهما

فما انتَحلت فضلَ التقدّمِ نحلتي

فدونَ المعالي ميتةٌ ترفَعُ الفتى

وكم خطرٍ دون الأمورِ الخطيرة

لقد كان منكم كلُّ ساعٍ وسابقٍ

وفي كلِّ مضمارٍ لكم بدءُ جولة

ولكن على الإهمالِ ضاعَ فعالكم

فهلا لحقتم باهتمامٍ وهمة

لكم فضلُ إبداعٍ وللغيرِ نفعُهُ

فبالجهدِ والتجريبِ إتمامُ خطة

توافوا إلى تاريخكم وتأملوا

عسى أن تروا خيراً بذكرى وعبرة

على حقِّ دنياكم حقيقةُ دينكم

وإنّ رجالَ العلم أهلُ الهداية

جميلٌ بكم إكرامهم واحترامهم

وقد أطلعوا نورَ الهدى والشريعة

فروحي وروحُ الله في كلِّ عالمٍ

على وجههِ سيمى التُّقى والفضيلة

ومن فيهِ أو عينيه مبعثُ علمهِ

ومن جبهةٍ وضّاحةٍ مستنيرة

خذوا العلم عن كل الشعوب إضافةً

إلى ما وضعتم من علومٍ صحيحة

وكونوا عليهِ عاكفين تنافساً

وباروا الألى فازوا بأكبرِ حصة

وصيروا جميعاً عالمينَ وعلّموا

بنيكم بترغيبٍ وحضٍّ وغيرة

فعن كلِّ أميٍّ يصدُّ نبيُّكم

وقد جاء أميّاً لصدقِ النبوءة

طلاباً ولو في الصينِ للعلمِ إِنه

يوفّقُ بين الدينِ والمدنية

إذا عم أدنى الشعب صارَ سراتُهُ

ملوكاً وألفى سادةً من أشابة

به الجوهر الأعلى يصانُ ويُجتلى

ولولاهُ كان المرءُ مثلَ البهيمة

سواءٌ جميعُ الناسِ خلقاً وصورة

ولا فضلَ إلا فضلُ علمٍ وفطنة

أُريدُ لكم ملكاً يجمِّع شملَكم

وتوحيدَ أوطانٍ ونطقَ رواية

بمدرسةٍ فيكم تجاورُ جامعاً

ومعرفةٍ مقرونةٍ بعبادة

هنا انقطع الصوتُ الرهيبُ وقد وعى

فؤادي كلامَ الحقّ والحقُّ إِمَّتي

فأجفلتُ مرتاعاً من الصمتِ وانجلت

غيابةُ نومي عن رسومٍ جلية

أفقتُ وفي عينيَّ أُنسٌ وبهجةٌ

وفي أذُني والقلب أعذبُ نغمة

ولكنَّ رؤياي المنيرةَ أظلمت

فأعقبني حزناً زوالُ المسرّة

فيا حبّذا جناتُ خلدٍ تحجَّبَت

وفي خَلدي مِنها تصاويرُ بهجة

شممتُ شذاها ثم شمتُ سناءها

فشمي وشيمي منهما حسنُ شيمتي

لبانٌ وكافورٌ ومسكٌ وعنبرٌ

ثراها الذي فيه حلا مسح لمتي

ونفحُ النعامى فيه نفحُ طيوبها

إذا رفرفت أفنانُها وارجحنَّت

وقلبي له منها رفيقٌ يهيجُه

حفيفٌ حكى ترنيمَ شادٍ وقينة

غناءُ الهوى فيهِ الغِنى عن مُخارقٍ

وعن مَعبدٍ فالصبُّ ذو أريحيّة

فكم منيةٍ فيها اشتياقُ منيّةٍ

وأغنيةٍ عن جسِّ عودٍ غنية

إذا ما تلاقى الحسُّ والجسُّ أسفرت

محاسنُ حلّت في الضميرِ وجلّت

فكلُّ طروبٍ فيهِ أوتارُ مُزهرٍ

ترنُّ لإنباضِ البنانِ الخفية

وما الطربُ الأعلى سوى ما تبينه

سجيّةُ نفسٍ مزدهاةٍ شجية

نَعِمتُ بإغفائي وقد كنتُ ساهراً

فحبت إلى الهيمانِ آخرُ غفوة

أحنُّ إلى الجنّاتِ في وحشةِ النوى

وأصبو إلى أطيافِ حلمٍ وبُرهة

شربتُ حميَّا الخالدينَ ترفُّعاً

ونزَّهتُ عن دنيايَ نفسي بنزهة

وطيّبتُ بالطوبى فؤادي فلم أزَل

أشمّ من الفردوسِ أطيبَ نفحة

وفي الشعر ريحانٌ وراحٌ وكوثرٌ

فما فيَّ من ريٍّ وريَّا لأمَّتي

معلومات عن أبو الفضل الوليد

أبو الفضل الوليد

أبو الفضل الوليد

إلياس بن عبد الله بن إلياس بن فرج بن طعمة، المتلقب بأبي الفضل الوليد. شاعر، من أدباء لبنان في المهجر الأميركي. امتاز بروح عربية نقية. ولد بقرنة الحمراء (في المتن)..

المزيد عن أبو الفضل الوليد

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة أبو الفضل الوليد صنفها القارئ على أنها قصيدة رومنسيه ونوعها عموديه من بحر الطويل


حرف الشاعر

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس