الديوان » لبنان » أبو الفضل الوليد »

بكت لفتى يفني قواه تعمدا

بَكت لِفتى يُفني قواهُ تَعمُّدا

وقالت ألا تَنفكُّ تهزأُ بالرّدى

رأيتُكَ بَسَّاماً لباكٍ وعابسٍ

وما كنتَ إِلا صابراً مُتَجلِّدا

فقلتُ دَعيني للمكارِمِ إِنني

رأيتُ اقتِدائي بامرئ القيس أمجدا

لئن تكشُفي عمّا سمعتِ خفوقَهُ

ترَي أسداً بينَ الضّلوعِ مقيَّدا

ألم تعرفي قلباً كبيراً وتسمَعي

زئيراً هو الشِّعرُ الذي قد تردَّدا

خُذيهِ وهاتي مثلهُ قلبَ حرَّةٍ

وإلا دعيهِ للفضائل مُفرَدا

عميقٌ وعالٍ مثلَ بحرٍ وكوكبٍ

فؤادي الذي أبدى هواك وأبَّدا

تصبَّاهُ حُسنُ الشّكل من كلِّ صورةٍ

فأضحى له مُستعبَداً مُتعبِّدا

فَتَحتَ ظِلالِ الدّوحِ كم من بُحيرةٍ

تريني مساءً خدَّها المتجعِّدا

نعم إنّ قلبي كالفراشةِ حائمٌ

على زهراتٍ الروضِ يطلبُ مَرقدا

فمِن بُرعمٍ وسنانَ يُغمِضُ جَفنهُ

إِلى زَهرةٍ ريّا يُفتِّحُها النّدى

وبكرٍ مفدَّاةٍ قصيرٌ نِطاقُها

تُعَرّضُ مِنهُ ساقها المتجرّدا

هواها هوى بي خاضعاً متذلِّلاً

على أنّني أُدعى الفتى المتمرِّدا

يروعُ سلامي أو كلامي فؤادَها

فتخفي حياءً خدَّها المتورِّدا

أرى وجنتيها جنّتين وثغرَها

من الكوثرِ المُحيي ألذَّ وأبردا

وعن مِعصَمٍ ريّان ضاقَ سوارُها

فكانَ كبلَّورٍ يُخالِطُ عَسجدا

إذا صَهلَ الوثّابُ قالت لأمِّها

سمعتُ صهيلَ المهرِ ها هو قد بدا

أتانا فتانا اليومَ يُعدي جوادَه

وما زالَ قلبي عاديا كلّما عدا

أغازلُها والطّهرُ سهرانُ بيننا

كأنّا اتخذنا في الحديقةِ معبدا

وربّةِ مَلهَىً خمرُها كلِحاظِها

حَكت قَصباً فوقَ المياهِ تأوّدا

كما انشقَّ كُمَّا بُرعمَينِ تقارَبا

يكادُ ثُدَيّاها يشقّانِ مجسدا

تُحدّثُ حتى أستعيدَ حديثَها

وتبسمُ حتى أستزيدَ التودُّدا

إذا أترعت كأسي تجرّعتُ نِصفها

لأبقى على الندمانِ والخمرِ سيّدا

فكم بعد سكري من رضابٍ وخمرةٍ

أرتني سبيلَ الطّيباتِ مُمهَّدا

فقلتُ لها حتّامَ أنتِ ضنينةٌ

فجُودي بما أذكى القلوبَ وبرّدا

فقالت بعينيها وفيها وكفّها

تعالَ نُعطّر كالأزاهرِ مقعَدا

ألا حبّذا بردٌ يَفوحُ عبيرُه

ويا حبّذا حسنٌ يدلّ على الهُدى

مَلكتُ بهِ كنزاً وسعدي على يَدي

فأضحى بياضاً كلُّ ما كان أسودا

هنيئاً لمن وفَّي الشبابَ حقوقَه

فغازَلَ مِعطاراً وروَّضَ أجردا

وتعساً لمن بينَ المدامةِ والهوى

سَرى في ليالي الضائعينَ مُعَربدا

لشدَةِ ما يَلقى تحجّر قلبه

فلا ترجُ للخيرِ الدَّمَ المتجمّدا

يقول كذا مرَّت ليالي شبيبتي

على جَسدي والقلبِ سيفاً ومبرَدا

ألا رُبَّ ليلٍ بالقمارِ قَطعتُه

فأصبحتُ منه فاقداً متفقّدا

بمخمَلةٍ خَضراءَ بعتُ سعادتي

ونمتُ على سوداءَ لهفانَ مُبعَدا

أمضّي نهاري بائساً مُتَندّماً

وأقطعُ ليلي شاحباً مُتسهّدا

كَتَبتُ على قَبرِ المقامرِ آيتي

لقد عاشَ ملحوداً وقد مات مُلحدا

فكم مرةٍ قامرتُ للسَّعدِ والغِنى

وليسَ لمِثلي أن يُمالَ ويسعدا

رأيتُ حظوظَ الناسِ تمضي سريعةً

وما زالَ حظّي أعسرَ اليَدِ مُقعَدا

فهمتُ على وجهي أرى السَّهلَ ضيّقاً

وليلي قليلَ النَّجم والبحرَ مُزبدا

كما سارَ أعمى يَنكتُ الأرضَ بالعصا

فضلَّ وأمسى خائفاً مُتردِّدا

حذارِ سقوطَ النفسِ في شَهواتِها

فإن شقاءَ المرءِ أن يَتعوَّدا

وأمّا أنا فالحقُّ والفضلُ والحجى

رفاقُ شبابٍ لي مَددتُ لهم يَدا

ولولا عروسُ الشعرِ متُّ كآبةً

فكم ضربت لي في الشدائدِ مَوعِدا

وكم في الجوى أعرضتُ عنها وقد أتت

تُضَمّدُ جرحاً لم يكن ليُضَمَّدا

سلامٌ على الموتِ الذي فيهِ راحتي

فإنَّ حَياتي أن أموتَ وأخلدا

دَعيني أنم في القبرِ نومةَ ماجدٍ

فيسكنُ هذا القلبُ أو تسكُت العِدى

فلا خيرَ في العيشِ الذي دونُ مَطمعي

خُلِقتُ ليُغريني البعيدُ بأبعدا

كما وقعَ النسرُ الجسورُ على الذُّرى

فتاقَ إِلى أعلى وطارَ مُصعّدا

لعمرُكَ إنّ اليأسَ شرُّ بليَّةٍ

فأهونُ منهُ أن تموتَ وتُلحدا

فما الموتُ إِلا راحةُ الجسمِ في الثَّرَى

وما اليأسُ إِلا أن تعيشَ وتجمَدا

هو اليأسُ حتى يكرَه المرءُ نفسَهُ

ويُدمي بكفَّيهِ السماءَ مُهَدّدا

ويَقذفُ تجديفاً يروعُ سماعُه

كما يقذفُ السّيلُ العرمرمُ جلمَدا

وفي صَدرِه قلبٌ تلوّى كحيّةٍ

مُجرَّحةٍ تشتاقُ لسعاً مبرّدا

وفي رأسهِ نارُ الجحيمِ توقَّدت

فلم يرَ ماءً للسّعيرِ مُخمِّدا

أشبّانَ هذا العصر أبناءَ أُمتي

تعالوا نعالج داءَنا المتَجدّدا

بُلينا بما تحلو المنيَّةُ عندهُ

وبتنا لذكرى أمسِنا نكرهُ الغدا

كذلكَ يمضي في العذابِ شبابُنا

ويقضي الفتى الماضي العزيمة أمردا

إذا رامَ من تلكَ الربوعِ تزوُّداً

تقولُ له الأقدارُ لن تتزوَّدا

تفرَّقَ ما بينَ الأجانبِ شملُنا

فأصبحَ طَلّابُ العُلى متشرّدا

كذا تنضَجُ الأثمارُ قبلَ أوانِها

فتَهوى عَن الأغصانِ ذاهبةً سُدى

قد اخترمَت نفسي الكبيرةُ جسمَها

كما فلَّ طولُ الضَّربِ سيفاً مهنَّدا

أيخمدُ فكرٌ ساطعٌ مثلَ نجمةٍ

بها النازحُ الرحّالُ في الغَيهَبِ اهتدى

ويَسكُنُ قلبٌ كالقَصيفِ خفوقُه

على ألمٍ ردَّ الأعادي وبدَّدا

لئن كانَ هذا حظٌّ كلّ فضيلةٍ

فما هيَ إِلا اسمٌ فلا تكُ مُجهَدا

بكيتُ على الأسيافِ لما تكسّرت

وما صنَعت تلكَ الشفارُ لتُغمدا

ونُحتُ على الأوتار لما تقطَّعت

وقد خلَّفَت قلبَ الفضيلةِ مُكمدا

أُحِبُّكِ يا أرضَ الشآمِ فخلِّدي

لأبنائك الأحرارِ ذِكراً مُمجَّدا

معلومات عن أبو الفضل الوليد

أبو الفضل الوليد

أبو الفضل الوليد

إلياس بن عبد الله بن إلياس بن فرج بن طعمة، المتلقب بأبي الفضل الوليد. شاعر، من أدباء لبنان في المهجر الأميركي. امتاز بروح عربية نقية. ولد بقرنة الحمراء (في المتن)..

المزيد عن أبو الفضل الوليد

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة أبو الفضل الوليد صنفها القارئ على أنها قصيدة رثاء ونوعها عموديه من بحر الطويل


حرف الشاعر

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس