الديوان » لبنان » أبو الفضل الوليد »

دعيني أمت حرا يخلده الذكر

دَعيني أمُت حُرّاً يُخلِّدُهُ الذِّكرُ

فعِندي سواءٌ طالَ أو قصُرَ العمرُ

رأيتُ حياةَ الماجدينَ قصيرةً

ولسنا نُبالي طولها ولنا الدَّهر

ألا رُبَّ نفسٍ فارقت جسمَ فاضلٍ

فشرَّفتِ المثوى وشرَّفها القَبر

تمنَّيتُ أن ألقى الشَّهادةَ باسلاً

لأن شهيدَ الحبّ ليسَ له أجر

يموتُ الذي يَسعى إِلى المجدِ مرَّةً

وأمّا الذي يهوى فميتاتُه كُثر

أَأرضى لِنفسي أن تكونَ ذليلةً

وقد حَسدتها في سماءِ العُلى الزُّهر

وأشرقَ نورُ الحقِّ بينَ جوانحي

كأني إذا أَسريتُ يَصحَبني الفَجر

تطلّبتُ من روحِ الطبيعةِ قوَّتي

ففي نظري سرٌّ وفي مَنطِقي سِحر

وما أنا إِلا عابدٌ لجمالِها

وما هيَ إِلا هذه اللّهجةُ البكر

سَلي البحرَ والغاباتِ والرَّوضةَ التي

يُقبِّلها ثَغرُ الرَّبيعِ فتَخضَرُّ

سَلي الطيرَ والأرواح والبركةَ التي

لها قطراتٌ مثلما انتثرَ الدرُّ

سلي النجم والآفاق والجبل الذي

جثمتُ عليه مثلما جثم النسر

تُجبكِ فشا في ذلكَ الشِّعر سرُّنا

فلم يبقَ سرٌّ للجمالِ ولا ستر

وما الشِّعرُ إِلا أن ترنَّ قصائدي

ونثري هوُ النَّثرُ الذي دونَه الشَّعر

فكم لي من الشِّعرِ الرّقيقِ قصيدةٌ

لها طَرِب الجلمودُ واضطربَ البحر

معانيَّ فيها من خِلاقِ فتوّتي

ومصدرُها العينانِ والقلبُ لا الفِكر

أبيتُ أُذيبُ الشعرَ وهو يُذيبُني

كذلك في الوادي التقى النَّحلُ والزَّهر

كثيرونَ قالوا الشَعرَ بل نَظموا بلا

شُعورٍ لأنَّ القلبَ أعوزَهُ الحرُّ

فما كلُّ عصفورٍ يُغنّي كمُسهرٍ

سَمِعناه صفّاراً وليلاتُنا قُمر

عَلوتُ بأشعاري إِلى قِمَّةِ العُلى

وحلَّقتُ حتى لا لِحاقُ ولا نكر

بَني أمّ قلبي في هواكم ضحيَّةٌ

فَمِنهُ لكم نفعٌ ومنكم لهُ ضرُّ

كما فجّرَ الينبوعَ موسى بضربةٍ

فأنكرهُ شعبٌ يلذُّ له الكفر

ويا ليلُ لولا الشّعرُ ما بَقيَ الهوى

ولا الحسنُ في الدُّنيا ولا المجدُ والفخر

بُثينةُ أعطاها جميلٌ جمالَها

وفي شِعرِ قيسٍ حُسنُ ليلى له نضر

بيَتريسُ مع دَنتي أتانا حَديثُها

ولورةُ مع بترَركَ طابَ لها ذكر

وإني عن البيضِ الغواني لفي غِنَىً

لأن الهوى فيهِ الخيانةُ والمكر

لهنَّ قلوبٌ كالمرائي تناوَبت

وجُوهاً وأما العهدُ فالمدُّ والجزر

فلم أرَ قلباً واسِعاً لِفضيلتي

وحبّي وقلبي ليسَ يُقنِعهُ النّزر

ولي من عروسِ الشعرِ خيرُ زيارةٍ

فيُطربني لحنٌ ويُنعشني عطر

فَأُشرِفُ من سجنٍ أَلِفتُ ظلامَه

على جنّةٍ أغصانها أبداً خُضر

وأُطلِعُ نورَ الشعرِ من عمقِ ظلمةٍ

وأجملُ أبياتٍ يولّدُها العسر

وإني على البَلوى صبورٌ لأنني

سَلوتُ بقولي الخطبُ يحمِلهُ الحرُّ

ضرَبتُ بسيفِ العزمِ ضربَ مجاهدٍ

له انقدَّ قلبُ اليأسِ وابتسم الصّبر

فجاءَت بناتُ المجدِ تضفرُ غارَها

أكاليلَ للنّدبِ الذي همُّهُ ندر

نعيمي شقاءٌ في الحياةِ وهكذا

شقائي نعيمٌ مِنهُ حَيَّرني السرُّ

تردَّيتُ ثوبَي خِبرةٍ وسياحةٍ

وسرتُ كَنسرٍ لا يطيبُ له وكر

وغامرتُ بحراً بعد بحرٍ مُصمِّماً

على نيلِ آرابٍ لها المسلِكُ الوعر

فما راعني الموجُ الذي عجَّ مُزبداً

وأعظمُ منه ما يجيشُ بهِ الصَّدر

ومثلَ شَتبريانَ في سَفَراتِه

شَقيتُ ومن أسفارِنا بقي السَفر

فشِعري لهُ في كلّ أرضٍ تردُّدٌ

وجسمي لهُ ظِلٌّ ورِجلي لها أثر

أُعلّلُ نفسي بالمواعيدِ والمُنى

وذلكَ أمرٌ دونَه القتلُ والأسر

فما رَضيَت يوماً بعيشِ سكينةٍ

وهل تشتفي نفسٌ يُرغِّبُها الزَّجر

وذابلةِ الخدّينِ مثلي نحيلةٍ

قد ابيضَّ منها الفعلُ والذَيلُ والشعر

رَأَتني فقالت أنتَ يا سيّدي هُنا

أَأَنتَ إِلى الأسفار أحوَجَك الأمر

وما كان أبناءُ النَّعيمِ لغربة

تجمَّع فيها البؤسُ والذلُّ والقهر

فدَيتُ أباكَ الشهم لا كان مَوقِفٌ

أرانيكَ بالأحلام والوهم تَغترُّ

فقلتُ لها إنّ القضاءَ يَقودُني

إِلى حَيثُ لا أدري ولا ينفَعُ الجّهر

فلا تَفتحي جرحي القديمَ لأنّهُ

عميقٌ فيَستَولي على قلبكِ الذُّعر

بَكيتِ لمن يشقى وأنتِ شقيَّةٌ

لكِ الشكرُ يا ذات الوفاء لك الشكر

فما أبردَ الدّمعَ الصفيَّ على الحَشى

فللنَفسِ منهُ في مَصائبها ذخر

لقد عَرَفتني في البلاءِ كريمةٌ

وأنكرني قومٌ لهم نظرٌ شزر

لعمرُكَ كم تحتَ العباءَةِ من فتى

كريمٍ تَساوى عندَه العسرُ واليسر

وتحت هشيم الكوخِ كم من فضيلةٍ

أواها على ضيقٍ ولم يأوها القَصر

إلى وَطني أصبو وأذكرُ في النّوى

حلاوةَ عيشٍ فيهِ تذكارُها مرُّ

وما الحسنُ إِلا ما تَعشَّقهُ الفتى

وللقلبِ بعدَ العينِ في حُبّهِ عذر

قباحةُ أرضي في هيامي ملاحةٌ

وكلُّ جمالٍ بعدَها ما له قدر

فيا حبّذا الحمراءُ مَهدُ صبوَّتي

ويا حبَّذا الوادي ويا حبَّذا النَهر

ألا عَلمت أمي هنالِكَ أنّني

أعيشُ بلا أُمٍ وهذا هو الفَقر

إذا قَبَّلت أُمٌ جبينَ وليدِها

وفي عينهِ خمرٌ وفي قلبها سكر

وإِن عانقت أختٌ أخاها فضمَّها

وضمّته حيناً وهي ترنو وتفتر

شرَقتُ بريقي غيرةً وتحسُّراً

وقلتُ أهذا الكِسرُ ليسَ له جَبر

لقد ظَمِئَت نفسي إِلى بَردِ قبلةٍ

هي الماءُ للنّفسِ التي عَيشُها قَفر

أحنّ إِلى قبلاتِ أمٍّ ثمينةٍ

وقبلاتِ أختٍ فوقَها رَفرفَ الطُّهر

وأصبو إِلى نارٍ تجمَّعَ حولها

أحبّاؤنا في ليلةٍ ريحُها صرُّ

أيا قُبَلَ الأحبابِ أنتِ عَزاؤنا

فكلُّ فؤادٍ لم تحلّي بهِ صفر

أمفديةٌ بالروح أنتِ صبيّةً

من الصبحِ والنُعمَى وشِعري لها ثَغر

أترمُقُني عَينانِ ملؤُهما هوىً

وأحنو على رأسٍ غدائرهُ شُقر

أبيتُ على ظَهرَي جوادٍ ومركبٍ

وتمشينَ مِكسالاً يُحجِّبُكِ الخِدر

وإني لأستَجلي مُحيّاكِ كلَّما

بدا الشَّفَقُ الوَرديُّ أو نوَّرَ الزُّهر

فيا حبّذا الوردُ المنوّرُ في الحمى

وعندكَ منهُ اللونُ والنضرُ والنشر

عجبتُ لهذا الدهر كم أحوجَ الفتى

إلى تجرُباتٍ عندها يَنحني الكبر

سَقاني بكأسِ الفقرِ طوراً وتارةً

بكأسِ الغِنى حتى استوى الخيرُ والشر

أيا ابنةَ سوريّا أيا ابنةَ يعربٍ

أيا بنةَ أجدادٍ مناقِبُهُم غُرُّ

لقد ذبلت أغصانُنا في رَبيعها

ولكنْ أُرَجِّي أن يُعاودَها النضر

إذا جاعتِ الأشبالُ بعدَ رَخائها

تعزَّت بأن يبقى لها النابُ والظفر

سَيرجع ذياكَ الزمانُ الذي مضى

وفيهِ لنا السلطانُ والعزُّ والنصر

فنَمشي إِلى نَيلِ العُلى تحتَ رايةٍ

تُظِلُّ بلاداً صانها جيشُها المَجر

وإن لم يَنَل أهلُ المكارمِ مأرباً

كفاهم من الدُّنيا الفَضيلةُ والذكر

وما العيشُ إِلا بالشعورِ فساعتي

كعامٍ وعامي بالشُّعورِ هو الدَّهر

معلومات عن أبو الفضل الوليد

أبو الفضل الوليد

أبو الفضل الوليد

إلياس بن عبد الله بن إلياس بن فرج بن طعمة، المتلقب بأبي الفضل الوليد. شاعر، من أدباء لبنان في المهجر الأميركي. امتاز بروح عربية نقية. ولد بقرنة الحمراء (في المتن)..

المزيد عن أبو الفضل الوليد

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة أبو الفضل الوليد صنفها القارئ على أنها قصيدة عامه ونوعها عموديه من بحر الطويل


حرف الشاعر

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس