الديوان » العصر المملوكي » الشريف المرتضى »

ماذا على الريم لو حيا فأحيانا

عدد الأبيات : 51

طباعة مفضلتي

ماذا على الرِّيمِ لو حيّا فأحيانا

وقد مررنا على عُسفانَ رُكبانا

ولَيتَهُ إذْ تحامى أن يُنَوِّلنا

لَم يستردّ الّذي قد كان أعطانا

بل ليتَ ماطِلَنا بخلاً ومانِعنا

يَوماً تشبّه بِالمعطي فمنّانا

لا يَستَفيق بجازينا بلا تِرَةٍ

بِالوَصلِ هَجراً وبالإعطاءِ حرمانا

وَكيفَ يأبى مواعيداً تُعلِّلنا

مَن كان يوسعنا مَطْلاً وليّانا

عُجنا إليه صدورَ اليَعْمَلاتِ وقدْ

نضا الصّباحُ ثيابَ اللّيلِ عُريانا

وَالرّكبُ بين صريعٍ بالكرى ثَمِلٍ

ومائلِ الرّأسِ حتّى خِيل نَشْوانا

محلّقِينَ تهادَوْا في رحالِهمُ

من بطن مكّةَ أفراداً وأقرانا

حلّوا حَقائِبهم فيها مفرَّغَةً

وَاِستَحقبوا مِن عَطاءِ اللَّه غُفرانا

مِن بعدما طوّفوا بالبيتِ واِعتَمروا

وَاِستَلمُوا منه أحجاراً وأركانا

وردّدوا السّعيَ بين المرْوَتين تُقىً

حيناً عجالاً وفوق الرَّيثِ أحيانا

وعقّروا بمِنىً من بعد حَلقهِمُ

كُومَ المطيِّ مُسِنّاتٍ وثُنيانا

وَاِستَمطَروا بعِراصِ المَوقفينِ وَقَد

غامَتْ عَليهمْ سَماءُ اللَّه رضوانا

أَرضٌ تَراها طِوالَ الدّهرِ مُقفرةً

وَالحجُّ يُنبتُها شيباً وشبّانا

مُسَلَّبِينَ كأنّ البعثَ أعَجَلهمْ

فَاِستَصحبوا من بطونِ الأرضِ أكفانا

للَّهِ دَرُّ اللّيالي في مِنىً سَلَفَتْ

فكم جميلٍ بها الرّحمن أولانا

خِلنا منازِلَنا مِنها وقد نَزَعَتْ

كلَّ النُّزوع عن الأوطان أوطانا

وَالقاطِنين بها والشّعبُ مفترقٌ

فينا وَفيهم لَنا أهلاً وإخوانا

وَبِالمحصَّبِ ظَبْيٌ سلَّ مِعْصَمَهُ

يرمي الجِمارَ فَأَخطاها وأصمانا

أَهدتْ إِلَينا وَما تَدري ملاحتُهُ

للعين بَرْداً وللأحشاءِ نيرانا

وسائلٍ عن طريقِ الحجّ قلت له

لا يَقبلُ اللَّهُ إلّا الصَّعْبَ قُربانا

فهوَ الطّريقُ إِلى سُكْنى الجِنان فقلْ

فيما يُصيّرنا في الخُلدِ سُكّانا

لَمّا رَكِبناهُ أخرَجْنا على شَغَفٍ

من الصُّدور أهالينا ودُنيانا

ثمَّ اِستَوى فيه في أمنٍ وفي حَذَرٍ

عَدلاً منَ اللَّه أَدْنانا وأقصانا

فَكم لَقينا عظيماً مرَّ جانبنا

وكم مُنِينا بمكروهٍ تخطّانا

وكم رمانا الرّدى عن قوسِ مَعْطَبَةٍ

فَصدّه اللَّهُ أن يُصمي فَأَشوانا

وكم طلبنا مَراماً عزّ مطلبُهُ

لَمّا اِنثَنينا بيَأسٍ عنه واتانا

وَمشمخرّ الذُّرا تَهفو الوُعولُ به

تخاله من تمامِ الخَلْقِ بُنيانا

يستحسرُ الطّرف عن إدراك ذُروتِهِ

حتّى يكرَّ إلى راميهِ حيرانا

جُبْناهُ لا نَهتدي إِلّا بِساريةٍ

مِن أَنْجمِ اللّيلِ مَسْراها كمسْرانا

نَنجو سِراعاً كأنَّ البُعدَ غلَّ لنا

أَو اِمتَطينا بِذاك الدَّوِّ ظُلْمانا

إِذا دَنا الفجرُ منّا قالَ قائِلنا

يا بُعدَ مَصبحنا من حيثُ مَمْسانا

وَالعِيسُ طاويةُ الأحشاء ضامرةٌ

لولا الرِّحالُ لخلناهنّ أشطانا

إذا أتتْ بلداً عن غِبِّ مَتْلَفَةٍ

رَمى بِها البلدُ المأتيُّ بلدانا

تهوي بشُعْثٍ شَرَوْا بالأجر أنفسهمْ

وقلّ ما أخذوا عنهنّ أثمانا

لمّا دُعُوا من نواحي مكّةَ اِبتدروا

ظهرَ الرّكائب إيماناً وإيقانا

يا أَرضَ نَجدٍ سقاك اللَّهُ مُنبعقاً

من الغمامِ غزيرَ الماءِ ملآنا

إذا تضاحك منه البرقُ مُلْتَمِعاً

في حافَتَيْهِ أَرَنَّ الرّعدُ إرْنانا

أرضٌ ترى وحشَها الآرامَ مُطْفِلَةً

وفي منابتها القَيْصُومَ والبانا

وإنْ تُجِلْ في ثراها طَرْفَ مُختبرٍ

لا تَلقَ إلّا حَديقاتٍ وغُدرانا

ذَكرتُ فيها أعاصيرَ الصّبا طَرَباً

وَاِستأنفتْ لِيَ في اللّذّاتِ رَيْعانا

أيّامَ لم تُمِلِ الأيّامُ من غُصُنِي

ولم يُطِرْ عن شَواتي الشّيبُ غُربانا

أيّامَ ترمي الغَواني إنْ خَطَرْتُ وإنْ

نطقتُ نحوِيَ أحداقاً وآذانا

أَيّامَ لم تُلْفِنِي إلّا على كَثَبٍ

من موعدٍ أتقاضاه إذا حانا

أيّامَ كان مَكاني للصِّبا وَطَناً

وكان عَصرِيَ للّذّاتِ إبّانا

أمّا اِبنُ حَمْدٍ فَقَد أوفى بذمّتِهِ

لَمّا اِصطَحَبنا ولكنْ خان مَن خانا

وَما تَغيّر لي وَالقومُ إنْ جَهَدوا

حالوا وإنْ كرمُوا في النّاس ألوانا

وَلا قُذيتُ بعوراءٍ لَهُ مَرَقَتْ

سرّاً ودافع عنها النّاسُ إعلانا

وَلا تَكرّر طَرْفي في خَلائقِهِ

إلّا اِنثَني غانماً حُسناً وإحسانا

أَظما فَيورِدُني مِن عذبِ منطقِهِ

راحاً ومن نفحاتٍ منه ريحانا

كَأنّني منهُ في خَضراءَ أوسعها

نَوْءُ السّماكين تَهْطالاً وتَهْتانا

معلومات عن الشريف المرتضى

الشريف المرتضى

الشريف المرتضى

علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم، أبو القاسم، من أحفاد الحسين بن علي بن أبي طالب. نقيب الطالبيين، وأحد الأئمة في علم الكلام والأدب والشعر. يقول بالاعتزال...

المزيد عن الشريف المرتضى