الديوان » لبنان » ناصيف اليازجي »

ما بال موسى بلا سمع ولا بصر

عدد الأبيات : 30

طباعة مفضلتي

ما بالُ مُوسَى بلا سَمْعٍ ولا بَصَرِ

فلا يُجيبُ الذي يَدعُوهُ في السَحَرِ

ما بالُهُ مُعرِضاً عَنّا أمِنْ مَلَلٍ

عَراهُ أم شَغَلتْهُ أُهْبَةُ السَّفَرِ

ما بالُهُ اليومَ مغلولَ اليَدينِ وقد

كانتْ يَداهُ كنَصْلِ الصَّارمِ الذَكَرِ

قد كانَ بالأمسِ مُوسَى في مَجالِسِهِ

يُروي صَدَى السَمْعِ أو يجلو صَدا النظرِ

ويَفصِلُ الأمرَ والألبابُ في دَهَشٍ

ويُفصِحُ القولَ والأفواهُ في حَصَرِ

ويلَتقي الوَفْدَ بالتَّرْحابِ مُبتَسِماً

كأنهم وَفَدُوا بالخَيْلِ والبِدَرِ

يا صاحبي زُرْ ثَرَى موسى الكريمِ وقل

يا أكرمَ التُرْبِ هذا أكرمُ البَشَرِ

أظماكَ حَرُّ دُموعٍ قد سُقِيتَ بها

حتى سَقَتْكَ الغَوادي باردَ المَطَرِ

هل كانَ قَبلَكَ من رَمْسٍ برابيةٍ

أضحَى ضَريحاً فأمسَى مَنزِلَ القمَرِ

أتاكَ تابوتُ مُوسى في مَحافلِهِ

يَسعَى كتابوت عَهْدِ اللهِ فاعتبِرِ

من كانَ يعلُو سُروجَ الخيلِ مُذهَبةً

قد زاركَ اليومَ بالألواحِ والدُسُرِ

وباتَ فيكَ فَريداً مَن مَجالِسُهُ

كانَتْ تَضِيقُ عنِ الأخلاطِ والزُّمَرِ

من كانَ أقرَبَ أهلِ الأرضِ مَنفَعةً

وكانَ أبعدَ أهلِ الأرضِ عن ضَرَرِ

وأوسَعَ الناسِ صَدراً في مَضايِقِهِ

وأجمَلَ الناسِ صبراً ساعةَ الضَجَرِ

القائلُ الحقَّ في سِرٍّ وفي عَلَنٍ

والفاعلُ الخيرَ في صَفوٍ وفي كَدَرِ

والمُستزيدُ بجوُدِ اللهِ خَشْيَتَهُ

فكُلَّما ازدادَ أمناً زادَ في الحَذَرِ

وكُلَّما ازدادَ مالاً زادَ مَكرُمةً

كالدَّوحِ ما ازدادَ غُصناً زادَ في الثَمَرِ

وكُلَّما ازدادَ من مَجْدٍ ومن شَرَفٍ

زادَتْ وَداعتُهُ في القَدْرِ والقَدَرِ

قد خُطَّ في قلبهِ ما كانَ مُنتقِشاً

في كَفِّ مُوسى على لَوْحٍ منَ الحَجَرِ

مَشَى على سَنَنِ الخَيراتِ من صِغَرٍ

حتّى استَمرَّ فكانتْ عادةَ الكِبَرِ

ما ذَمَّ قَطُّ ولا ذُمَّتْ خَلائقُهُ

يوماً فماتَ حميدَ العينِ والأثَرِ

كانتْ لنا عِبرةً آدابُ سيرتِهِ

واليومَ ما زالَ في الدُّنيا من العِبَرِ

رُكنٌ تَهدَّمَ في بيروتَ فاندَفَعَتْ

أهوالُ صَعْقَتِهِ في المُدْنِ والجُزُرِ

لَئِن رَثَيناهُ عن خُبْرٍ بمَوضِعِهِ

فكم رَثاهُ بعيدُ الدَّارِ عن خَبَرِ

هَوَى إلى التُرْبِ من أبراجِ عِزّتِهِ

واعتاضَ بالكَفَنِ البالي عن الحِبَرِ

قد كانَ يَقرِي المَلاَ من مالِهِ فغدا

يَقري هَوامَ البِلَى من جِسمِهِ النَضِرِ

هذا الذي تَعِدُ الأُمُّ البَنينَ بهِ

مُنذُ الوِلادةِ قبلَ الرَهْزِ في السُرُرِ

نعيشُ للموتِ إذ كانتْ وِلادتُنا

للموتِ فالعَيشُ في أيَّامنِا الأُخَرِ

لا يَترُكُ البَينُ عيناً غيرَ باكيةٍ

وليسَ يَترُكُ قلباً غيرَ مُنكسرِ

إذا وَرَدْنا حِياضَ العَيْشِ صافيةً

فأقَصرُ الوَقتِ بينَ الوِرْدِ والصَدَرِ

معلومات عن ناصيف اليازجي

ناصيف اليازجي

ناصيف اليازجي

ناصيف بن عبد الله بن ناصيف بن جنبلاط، الشهير باليازجي. شاعر، من كبار الأدباء في عصره. أصله من حمص (بسورية) ومولده في (كفر شيما) بلبنان، ووفاته ببيروت. استخدمه الأمير بشير..

المزيد عن ناصيف اليازجي

تصنيفات القصيدة