الديوان » العصر الأندلسي » عبد الغفار الأخرس »

أجاب ما سألته لما انثنى

أجابَ ما سألتْهُ لما انثنى

يرنو بألحاظ كألحاظ المها

وأثبت الحب له دلائلاً

بصبّه منها النحول والضنى

يا رشاً ملكته حشاشتي

فجار في حكم الغرام واعتدى

رعياً رعاك الله في مستغرم

إن لم تراع ذمَّةً فيك رعى

يا قلب خَفِّضْ لوعةً وجدتها

فربما واصل من كانَ جفا

لا توسعاني بالهوى ملامة

إن الجمال قائدي إلى الهوى

نظرتُ سِرباً بالعقيق نظرة

فأورثتني نظرتي هذا الأسى

حيّ العقيق فاللوى من مربع

نهبت فيه طربي فالمنحنى

زمان لهو صبوة قضيته

ذاك زمان قد تقضّى ومضى

وكلما هب الصبا من نحوهم

زاغ عن الصبر فؤادي وصبا

مالي وللأيام لا كانت فقد

أصمتنيَ الأحداث في سهم الردى

تَخَوَّنَتْني كلَّ يوم نكبةٌ

ضرامها في كل آن تُحتَضا

هل علم الدهر الذي أساءني

أيّ أخي عزم وذي فضل قلى

آه على عمر مضى أكثره

ولم أنل فيه من الدهر المنى

مضى بي العمر وكاد مسرعاً

أن ينجلي صبح المشيب والجلا

وعاند الدهر العبوس مطلبي

إذا جنيت الورد أضحى لي سفا

وإن حلبنا ما نروم دَرّه

كانت عزوزاً لا ترد بالروا

إنَّ اللَّيالي حمَّلتني ثقلاً

تنوء من ثقل به شمُّ الذُّرا

واتَّقدت من الغرام لوعة

كأنما نيرانها نار الفضا

فسعرت من حر أنفاسي بها

لظىً أذاب حرُّه شحم الكلى

يا مانعي المورد من رضابه

ما آن للظمآن ورد من أضا

وروضة يطربني الورق إذا

تَذكَّرَ الإلف لمغداه شدا

كأنَّما الطلّ على أغصانها

قلائد الدر على غيد الطلا

ونسَّمَتْ ريح الصبا عرارها

فهزّ عطفيه لها بانُ النقا

إذا انتشقنا أرجاً من طيبها

كأنْ نشقنا أرجاً من الشذى

أنعِم به مُرْتَبَعاً كأنَّه

بتلكما الغيد محاريب الدُّمى

تعاهدتها من حيّيٍ ماطر

يسقي أهاضيب الحجاز والرُّبا

يا حادي العيس ذميلاً سيره

يهجهج العيس إلى ربع الخلا

تمشي هزيزاً وهزيزاً تارة

إن هزّها حادي الهوينا وحدا

هل أنت موفٍ بالوقوف ساعة

بأربع غيرها خطب البلى

لم يبق إلاَّ سفعة في دمنة

وأرسماً مثل الخيال وجثا

فمسبلاً فيها بقايا أدمع

فناشداً فيها قلوباً وحشا

بالله إنْ عُجت على ربوعها

حي الربوع النازلين في منى

واهاً لصبٍّ كله صبابة

لا يستفيق من تباريح الجوى

يكاد وجداً يتلظَّى وهوىً

وما استقر ساعة ولا سجا

قد حُرِمَ النَّوم على أجفانه

فبات يرعى الفرقدين والسها

أرشفة من ريق من أحبُّه

فتنطفي جذوة وجد في الحشا

وكلَّما نهنهت دمعاً واكفاً

كأنَّما ينصبّ من مزن الحيا

يا عين لا تلوين بي في عبرة

لعلَّ أنْ يبتَلّ بالماء صدى

دعوت دمعي فأجاب طائعاً

ورمت للقلب اصطباراً فعصى

فلا تلمني إنْ بكيت عَنْدَما

فإن دمع العين في العين سرى

إذا رجوتُ مطلباً بادرته

وما عقدت حبوةً على الرَّجا

أعْدَدتُ للبيداء هُوجاً ضُمَّراً

أنْحرُ في أخفافها أدم الفلا

تلوي التليل للحمى تلفتاً

وتسبق الريحَ إذا الريحُ جرى

مهما تحث لمطلب ومقصد

تقاصرت فيها فسيحات الخُطا

وحيث ناويت النوى أنويتها

وكلُّ حَرٍّ أبصر الذل انتوى

وصارم أبيض لو جرّدته

ظننت برقاً لاح علويّ السنا

إذا تصديت به لضربة

فلقت في غراره أمّ الصدى

معتقلاً أسنَّةً خطَّيةً

كأن في طعانها سفع الذكا

إنِّي ومن أنالني من العلى

مراتباً من دونها وخز القنا

إذا رأيت الذُّلَّ رحَّلْتُ له

أنضاء أسفارٍ وناوحت النوى

نجائباً مثل الظليم ترتمي

لدى الفيافي الغفل أنأى مرتمى

ولم أرِدْ مَوْرِدَ عذبٍ شابَهُ

ضيمٌ رأى تكديره لما صفا

ونازعتني شيمة لا ترتضي

إلاَّ المعالي غايةً ومنتهى

وكم هجرت موطناً من أهله

والدار من سكانها قد تجتوى

وربّ طِرف لا يرى الطرف له

إثْراً إذا الطرف اقتفى

يجتاز بي فدافداً دوية

لا تهتدي لمفحص فيها القطا

أفري أديم القاع في حافره

لما طوى البطنان واجتاز المدى

ضافي السبيب أعوجيٌّ ووأوأٌ

ولم يكن أسفى وما فيه سفا

ولائم جسارتي قلت له

إنَّ القضاء كائن لا يتقى

وكيف أخشى ما قضى الله به

وإنَّما الإنسان أهداف القضا

ولا أبالي والوقار شيمتي

أأحْسَنَ الدهر المسيء أم أسا

يا رُبَّ عزمٍ بالدنا جرَّدتُه

كأنَّه حدّ الحسام المنتضى

وموقف من الوغى شَهِدْتُهُ

ترشح بالموت العوالي والظبا

وإنني كذلك القيل الذي

إذا بدا تأجج الحرب اصطلى

سلّم إليَّ الأمر وانظر باسلاً

لا يخطئ الأغراض يوماً إن رمى

أسطو بماضي الشفرتين أحدبٍ

غراره يبتّ أوداج العدى

وحاسد من غيظه فضائلي

حاكى شؤوني بالنهى وما حكى

وفي سواد القلب كنت جاعلاً

وداده حتَّى بدا لي ما بدا

وخرشفيٍّ لا يوارى عيبه

قطعة لؤم صيغ من طين الخنا

لو كانَ عيناي بأم رأسه

لما درى بنفسه إلاَّ قذى

والظلم واللؤم طباع بالفتى

يكتمه العجز ويفشيه القوى

قابلت أفعالاً له بمثلها

ولا يلين جانبي إذا قسا

وقد تنوَّرت الأنام خبرةً

فزال عن عينيَّ من ذاك العمى

وقد عَلِمْتُ أنَّ قلبي مفعمٌ

بما لقي من أهله وما رأى

من لي بخلٍ إن رأى بي زلةٍ

سامحها وعثرةً قال لعا

وهل صديق يرتجى وفاؤه

هيهات هذا أمَلٌ لا يرتجى

ولست بالغمر الذي ما جرّب ال

دهر ولا ذاق السرور والعنا

بل كل خطب خطر بلوته

حتَّى تروى القلب فيه فارتوى

يا ربة القرطين هل من ليلة

تحكي من الوصل ليالينا الألى

ليلة غاب الواشي عن مَحَلِّنا

فكنت أجلو بالدجى شمس الضحى

حمراء لم تقطب بمزج صرفها

فهي كورد الجلّنار تجتنى

لله أيام قضينا شطرها

منادمي أبلج معسول اللمى

عاطيته مشمولة كريقه

لو جليت في جنح ليل لانجلى

مهفهف يميس تيهاً قدُّه

كأنَّما مال به ريح الصبا

وباللّوى كانَ لنا معاهد

سُقيت صوب المزن يا دار اللوى

مرَّت ليالينا وأوطار بها

كأنها أضغاث أحلام الكرى

أموعد المشتاق في وصاله

إنجازك الوعد لمحتاج متى

هذي عرى الصبر التي عهدتها

قد فُصِمَتْ بالوجد هاتيك العرى

إنَّ الأماني باللّبيب ضَلَّةٌ

وما عسى يجدي لعل وعسى

وإنها لحسرة ما تنقضي

أو إنني أقضي بتصريف القضا

هل عائد لي زمنٌ عبرة بذي الغضا

وهل يريني الدهر ما كنت أرى

ولي بأحوال الزمان عبرة

كفى الزمان عبرة لذي النهى

أخبرني هذا الدنا عن القضا

بفطنة تدني إلينا ما نأى

قد ابتليت وبَلَوْتُ أمْرَها

فلا أبالي بعدها بما أتى

عَهْدُك في هذا الزمان قد مضى

وذلك الغصن الرطيب قد ذوى

سلكت من كلِّ الفجاج وعرها

وذقت منها ما أمر وحلا

قد قذفتني في البلاد غربتي

وقد أرتني كلَّ ما رمت النوى

ما كنتُ أرضى بالعراق مسكناً

لو لم يكن في أرضها أبو الثنا

السيّد المحمود في خلاله

وفائض البحرين علماً وندى

يقول من ناظَرَه في علمه

ما بعد هذا غايةٌ ومنتهى

لا هو بالفظِّ الغليظ قلبه

وبالوغى أشدّ من صمّ الصفا

تخاله حين تراه ضاحكاً

كروضة باكرها قطر النّدى

غمر الرّواء لم تزل راحته

منهلَّةً لمن نأى ومن دنا

المقتني الحمد الطويل ذكره

والحمد للإنسان أسنى مقتنى

شهم الجنان لوذعيٌّ فاضِلٌ

أشمّ عرنين العلى عالي الذرا

فاق الأنام بالتقى وبالحجى

وزينة المرء التقى مع الحجى

وزينة الإنسان بل وفخره

إمَّا بأفضالٍ وإما بتقى

سعى إلى الفضل فنال ما ابتغى

وليس للإنسان إلاَّ ما سعى

مكارم الأخلاق فيها مولع

ما اعتام شيئاً غيرها ولا انتضى

ما زال يرقى بالحجى وبالنهى

حتَّى رقى بالعلم أعلى مرتقى

لا يختشي في الله لوم لائم

أفتى على الحقّ وبالحقّ قضى

يقذف من فيه الجمان لفظه

بحر ولكن بالعلوم قد طمى

ما انقبضت راحته عن سائل

وما سمعنا منه هجراً ولغا

تدرّع البأس الشديد قلبه

وفي رداء الفضل والتقوى ارتدى

إلى ذُرا جرثومةٍ طيبةٍ

إذ ينتمي القرم ولمّا ينتمى

ألْهَمَهُ الله علوماً بعضها

لو نشرت سَدَّ بها رحب الفضا

قريحة مثل الركام سيلها

أو هي كالنار إذا اشتدَّت صلا

تجري بما يطلب منها غيثها

وليس بالبدع من الغيث الجدى

فكم أبان من خفايا علمه

حتَّى الذي عنَّا اختفى فيه خفا

فأفحم الجاهل في عبارة

أوضح فيها ما انطوى وما انشرى

وألقَمَ الجاحد منهم حجراً

فبان فعل السيف منا والعصا

تَبَيَّن الرشد من الغيّ به

وزال إظلام الضلال بالهوى

فهل له في ذا الورى مشابهٌ

هيهات ما بين الثريا والثرى

لو كانَ في العالم مثل علمه

لفاخرت جميع أقطار الورى

أزال سقم الشك في تحقيقه

فكم صدور في معانيها شفى

دوَّن ما أجاب في مجلِّدٍ

تذكرة لمن روى ومن وعى

مشتملاً على العلوم كلّها

وحاز فيه كل فضل وحوى

أرسلها إليهم فأيقنوا

أنَّ ببغداد الكمال قد ثوى

وراح للسلطان أيضاً مثله

فحاز إذ ذاك السرور والهنا

لدى أمير المؤمنين والذي

صيَّره الله على الخلق ذُرا

حامي حمى الإسلام والغوث الذي

يغاث فيه المستغيث إذ دعا

خليفة الله على عباده

وذروة فيه الخطوب تتقى

لو كانَ في البحر ندى يمينه

لا نساغ ما البحر عذباً في اللها

والنصر والإقبال بعض جنده

إذا سطا أو إن رمى أو إن غزا

وهادم الكفر بسيف باتر

حتَّى ترى عمادها العالي هوى

لاذت سلاطين الورى ببابه

ترجو مراضيه وتأبى إن أبى

وإنَّ هذا الدينَ في أيَّامه

أعاده من المشيب للصِّبا

طاعته فرض علينا واجبٌ

ويل لمن عن أمره السامي عتا

إذا أتاه بطشه استبلّ لا

يعرف إلاَّ عفوه من ملتجا

أمَدَّ من همَّته وعزمه

ظِلاًّ على الإسلام منه قد ضفا

خلافة جاءت له وراثة

عن جدّه عن النبيّ المصطفى

إنَّ علينا أكبر الفرض بأنْ

ندعو له بالنصر في طول المدى

إذ نظم الملك وشاد سمكه

وقد أباد من طغى ومن بغى

لما عليه عرضت أسئلة

وردّها إلى معاليه أتى

فكان عالي أمره بطبعه

ونشره في كل أقطار الملا

ليستفيد الناس من علومه

ويهتدى فيه وفيه يقتدى

وراكبٍ من المعالي سابقاً

ما عثر الجدّ به ولا كبا

لو ظلَّ مني أملٌ أنشِدُه

إليك من دون الأنام لاهتدى

مفتي العراقين ومولاي الذي

ألوذُ فيه حيث ما أمري وهى

مأوى أولي الفضل وشمس عزهم

والملتجى والمقتفى والمنتدى

والضّيف تغدو عن معالي فضله

شاكرة من فضله حسن القرى

تضرب في دسيعة مائدة

مما عليها من جذور يشتوى

ما تشتهي الأنفس فيها مائدة

يذهب عند مسّها مسّ الطوى

ما علمت بأنَّ في عراقنا

سوابقاً بالعلم تعدو المرطى

نحن وشكراً للذي صيّرنا

ينابع العلم وأعلام الهدى

إذا أتانا جاحدٌ مُباحثٌ

راح وفي فيه اغتذى عفر الثرى

أقْسِمُ بالربِّ العظيم شأنه

ومن على العرش تجلَّى واستوى

ما لَكَ في الدنيا نظيرٌ في ندىً

ولا حجىً ولا نهىً ولا عُلى

لو كانَ يدري الشرك ما حويته

من العلوم الغامضات لبكى

عذراً لحُسَّادك فيما جحدوا

لا تدرك الجونةُ أبصار السخا

مقالة المنصف فيك جهرة لا

شك كل الصيد في جوف الفرا

ذو جدوة هاطلة إذا اجتدى

ونخوة عالية إذا انتخى

درى أمير المؤمنين بالذي

أظهَرْتَه وفي سواه ما درى

ولو رآك طرفه لما ارتضى

إلاَّ بأنْ تسمو إلى أوج السما

قد سر فيك قلبه من سمعه

ولا يفيد الأذْنَ تصوير الرؤى

لله ما هذا الوزير إنَّه

عليٌّ المولى حباك بالرضا

مُعَمِّرٌ بغداد في إحسانه

من بعد ما أبادها ريب الوبا

وراض أهل البغي بالقتل فلن

تسمع في ديارهم إلاَّ الوعى

إذ يختلي الأعناق ضرب سيفه

كأنها العيس وقد لسَّت خلا

إذا امتطى العزم وصال صولة

قدّ الرؤوس جازلاً مع المطا

لو نالت المزن نوال كفه

لما اشتكى الظمآن من عيم الظما

لو كانَ للّيل سنا آرائه

أضاء من صباحها وما عسا

وعارف بالناس ذو فراسة

أخفت له ما قد توارى واختفى

أعلاك أعلى رتبة ومنصب

ذاقت أياديك به طعم الشرا

تقدّ فيك المعضلات كلها

لأنت سيف ولك الفضل جلا

تلقى هزبراً نابه حسامه

إبّان حُمَّ الأمر وانشقت عصا

الثابت الجأش الوقور جانباً

ما ارتاع من حادثة ولا انثنى

ولست منهم إن نأوا وإن دنوا

وهل يقال الدرّ من هذا الحصى

أنَّى لهم بما به أكمدتهم

وباعهم مع طول باعيك ورا

فدتك نفسي من هزبر باسل

وقلَّ من نفسي لعلياك الفدا

وقف على العافين ما تملكت

يمينه مما علا وما غلا

هل العلى إلاَّ يد مبسوطة

يؤمها لوِردها من اعتفى

وصارم مجرَّد مرهفة

مجوهر الإفرند محدود الشبا

وحسن خلقٍ وأحاديث عُلىً

لو أنس العاشق فيه لسلا

يهتزّ عِطف سامعيها طرباً

كأنَّما ذاق المدام فانتشى

وعزة بالدين بل ورفعة

وغيرة يحمى لها ويحتمى

وكلّ ما ذكرته وقلته

فيك على رغم العدى قد انطوى

من ذا يهنِّي العلم في سميذع

أصبحَ بعد الهدم في أسمى البنا

قد كانَ مخفياً فلما جاءه

محمود ذو المجد ابتدا وأنفا

إليك منِّي سيِّدي قصيدةً

فأنت حسبي من غناء وكفى

قصّرت يا مولاي في مقصورة

مضمونها الشكر عليك والثنا

فإن تنل منك الرضا جائزة

فهو الثراء للفقير والغنى

لو أنَّ هذا العيد أضحى ألسناً

تتلو لك الشكر الجميل ما وفى

معلومات عن عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار بن عبد الواحد بن وهب. شاعر من فحول المتأخرين. ولد في الموصل، ونشأ ببغداد، وتوفى في البصرة. ارتفعت شهرته وتناقل الناس شعره. ولقب بالأخرس لحبسة كانت في لسانه. له..

المزيد عن عبد الغفار الأخرس

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة عبد الغفار الأخرس صنفها القارئ على أنها قصيدة عامه ونوعها عموديه من بحر الرجز


حرف الشاعر

شُعراء مميزون

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس