الديوان » مصر » صالح الشرنوبي »

هذه دارها وتلك رباها

هذه دارُها وتلك رُباها

نمّ عنها شميمُها وسناها

هذه دارُها تنادى غريباً

عن حماها ما شامها أو رآها

هذه دارُها وقد أمرَ اللي

لُ أخاهُ الشيطانُ أن يرعاها

فأتى دون ناظري فطواه

وأتى دون ظلّها فطواها

هذه دارها وقد كان عهدي

بسواها ألّا نضاعف جهدى

ما لرجليّ تشردان عن النهج

كاني مشرّدٌ يستجدى

ما لكَفَّيَّ أسقطا ويح جدّي

أيُّ دار أذمّها اليوم وحدي

شاه وجه الشيطان مالي أراه

يتلقّى عزيمتي بالتحدي

عجباً هذه مهاةٌ تذوب

في أكفٍّ تسليمُها تشبيب

كلّما دقّ ساقها رقصَ النه

دُ وفاحت من جانبيها الطيوب

وإذا شاقها المنام دهاها

من وراء الحجاب صوتٌ غضوب

اذكرينا أنضاءَ جوعٍ وسهد

وتناسَي أن الطعام ذنوبُ

شغَلَتني بروحها الغلاب

عن حريق يشبُّ في أصلابي

ورَمتني بنظرَة ثم قالت

ما رأينا سواك من هيّاب

هذه الدار لم تهيّأ لغيري

من ضحايا الندمان والأحباب

لا تخيّب رجاء شاة رماها

عاصف الياس في محيط الذئابِ

وإذا بي أجيب كفّاً بكفّ

وأُلَبّي بضمّها صوتَ حتفى

أحسبُ الدار تستحيل عبابا

ثائرَ الموج من ظلامٍ وخوف

أو يبابا تزمزِمُ الجنّ فيه

وترى العين رقصة المتشفّى

وأرى الحائط المغيب في الظلمة

شطّا يبدي الظلام ويخفى

قلت يا هذه أنيري طريقي

جفّ حلقي فما يندّيه ريقي

وإذا همسةٌ ممزّقة الجر

س صداها كهمهمات الغريق

أيّها الطارق الغريب تمهّل

إنّ عهدَ الأيّام غير وثيق

ها هنا قصةٌ يمثّلها البؤ

س على مسرح الهوى والرحيق

ما ترى ذلك الخيالَ الملثّم

غاب في خاطر الدجى وتكتّم

تلك أمّي ولست أعرف أُمّاً

ولَدَتني والدهر بالسر أعلم

عثرت مثل عثرَتي بصخور

فوقها زورق الحياة تحطم

ثم أمسَت ذكرى شباب وحسنٍ

تلهم الدمع أن يذلّ فيسجم

أنا في دارها أعيشُ غريبه

وتراني فيها كأني نسيبه

عقَدَتني بها من الحظّ قُربى

فكلانا من أختها محبوبه

غيرَ أنّي أعولُها وأُرَجّي

لشبابي من الحياة نصيب

قبل أن يذهب الشباب وأبقى

وأنا من سحر الشباب سليبه

حيّها حيّها فقلت سلاما

يا بنة الليل والطّلا والندامى

وتضاحكت مطرق الراس فكراً

في جمال عاف الحياة فناما

يا بنة الليل حدثي لا تراعى

ربما فسر المنام المناما

نحن ألغازَ ساحر عبقري

جعل الموتَ للحياة لزاما

ثورةٌ في جوانحي ليس تهدا

وخيال يفنى الكوارثَ عدّا

أيّ غيبٍ ضمّته تلك التهاويلُ

وايّ اليومَين أطيب وردا

أهو يوم الميلاد ينضح بشرا

أم هو اليوم يطعم الأرض ولدا

ذاك سرٌّ علمته حين راحت

تتعزّى وخِلتُها تتحدى

قال لي صمتها وقلت لصمتي

كيف مالت بك الليالي ومِلت

أي شيء جنيته من لياليك سوى

ضجعةٍ وحلمٍ امشِتّ

اينَ ولّى عنك الصبا وهو سوقٌ

للغواني كسبنَهُ وخسِرتِ

وأتاكِ المشيب وهو جدوبٌ

نفخَت فيك روحه فذبُلتِ

وتمثّلتُ وجهها محرابا

لعيون تحسو الفناءَ شرابا

من بقايا أذنَينِ ملّا الدعابا

وبقايا خدّين عافا الخِضابا

وهنا معبد الشفاه أحالته

سموم الدخان قفراً يبابا

والبلى ناشرٌ جناح غرابٍ

ظنّه الناس شعرَها المنسابا

أيّ كون محجّبُ الأسرار

خلف عينيك يا بنة الأقدار

كم رعيتِ السمار أشباح جنّ

تتخفّى عن واعظِ الأبصار

قبرَ السحر في الجفون وماتت

نظراتُ الإغراءِ للسمّار

قبرَ السحر في الجفون ونامت

فوقَهُنَّ الأهدابُ كالصبار

زوجَ إبليس وهو كالنفس عبدٌ

وإله لأنفس لا تعدُ

حدثيني عنه فقد كان عقلى

يصطفيه إذا جفاني زهد

مثلته أجسادكُنّ جمالاً

فهو فيكنّ شائع لا يحدّ

كلما جاع ملهم أشبعتهُ

قبلات الهوى وروّاه شهد

أي روحٍ ألقت عليّ هداها

حينما خلتُها ستفغرُ فاها

قلت هذا حديثها سوف تحكي

ه وكم في شبابها قد حكاها

يوم كانت ألفاظها تتثنّى

رقةً لم يبلغ رحيقٌ مداها

وإذا باليقين يعصفُ بالشكّ

فتهوى على يدى راحتاها

خفق النور خفقة المرتاع

فعرفتُ الوداعَ قبل الوداع

ملءُ كفّي ورأسُها يتداعى

وعناءٌ عليّ هذا التداعي

إيه يا ربُّ ما عصيتُك جهلا

بل صغالاً من شقوتي واندفاعي

فاجل عني الظلام كيما أرى الم

وت نجاءً من قبضة الأطماع

وعطَت نحو مسمعي بعظام

رُكّبت بين صدرها والهام

وأسرّت إليّ أن حصحصَ الحقّ

وخابت شماتةُ اللوّام

لا حلالٌ ولا حرامٌ ولكن

راحةٌ من متاعب الأيام

فإذا الجسم في طريق التدني

وإذا الروح في طريق التسامى

أشفقت بنت دارها من ذهولي

ورأتني كحظّها المخبول

فنضَت ثوبها وقالت عجيبٌ

أمرُ هذا المتيّم المجهول

ما لكفّيه لا تحسّان كفّي

وهي بعضٌ من حسنى المبذول

ويحها لا تدري الفجيعة إلّا

يوم فقدانها حفيف الذيول

قلت يا من سقطت في الناس قدرا

سخرَ الموتُ من نواياك طرّا

هذه أمّكِ الحبيبة قد ما

تَت فشُقّى لها بصدرك قبرا

فأفاقت من غشية الإثم هونا

وعوَت صرخةً تساقطُ جمرا

فصحبت الظلام طائف ليل

لم تشاهد عيناه من قبلُ فجرا

وتخطّيت ساحة الأجساد

جامدَ العين مُستكين الفؤاد

أيّ ذنب جنَيته أيّ ذنب

حين خلفتها بلا إسعاد

ما تراها تقولُ إذ فقَدتني

خدنَ همٍّ وُرودُه من قتاد

حسبها قاسم الحظوظ وحسبي

بعد حينٍ ندامة الزهّاد

وعرَتني سكينةُ الأموات

ورَثتني مدامع الحسرات

وسمعت الشيطان يلقى بسمعي

طرفاً من آياته الخالدات

لا تلُم من تعيش في كنَفِ العِر

ضِ فقد آدها صراع الحياة

ربّما ضمّ شامخٌ مومِسُ النفس

وفي وجهها حياءُ فتاةِ

معلومات عن صالح الشرنوبي

صالح الشرنوبي

صالح الشرنوبي

صالح بن علي الشرنوبي المصري. شاعر حسن التصوير، مرهف الحس. من أهل "بلطيم" بمصر. ولد ونشأ بها. ودخل المعهد الديني بدسوق، فمعهد القاهرة، فالمعهد الأحمدي بطنطا، ثم كلية الشريعة، فكلية..

المزيد عن صالح الشرنوبي

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة صالح الشرنوبي صنفها القارئ على أنها قصيدة عامه ونوعها عموديه من بحر الطويل


حرف الشاعر

شُعراء مميزون

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس