الديوان » تونس » محمود قابادو »

على مثلها من أنعم يجب الشكر

عدد الأبيات : 70

طباعة مفضلتي

عَلى مِثلِها من أنعُمٍ يجبُ الشكرُ

وَيَبقى الهناءُ المحضُ ما بقيَ الدهرُ

مَغانٍ غدَت بِالأحمديّة أُهّلاً

فَأصبحَ يعشو نَحوَها البدو والحضرُ

قَضَت حقباً والدهرُ مغضٍ جفونهُ

فَأبدل من إغضائها النظرُ الشزرُ

وَعاد لَها والعودُ أحمد منظرٌ

شبابُ البها كهلُ العُلى هائلٌ نضرُ

أَبت أَن تَرى الجوزاءَ توشحُ عِطفها

وَعَن طوقِ نجبٍ شبّ من جيدها عمرُو

سَمت بالجنابِ الأحمديِّ عِمادها

فعَن سمكها اِنحطّ السماكانِ والنسرُ

غَدَت حرماً عن كونِها مُتخطّفاً

وَغيلُ ليوث غابها الأسلُ السمرُ

جُيوشٌ إِذا شبّت لَظى الحربِ والقِرى

تَجيشُ بلاقيهم وأنفالِه القدرُ

حَميّةُ أوطانٍ عَنِ الغدرِ قَد حَمت

وَعزّ نفوسٍ لا يطيبُ لها الغدرُ

لَقد راضَهم خوضُ الحروبِ تمثّلاً

فَما دونَهم عن خدع مَن نازلوا سترُ

وَألّفَ في سلكِ الوفاقِ سوادهم

أهواءَهم تلكَ التعاليمُ والبرُّ

لَهم جدّ رُغبى واِنقباضُ مهابةٍ

وَطاعة ودٍّ أمرُه فيهمُ الأمرُ

فَهُم لأميرِ المُؤمنينَ كنانةٌ

تُوخِّيَ في عيدانها الصلب والمرُّ

إِذا الدولةُ اِستلّت سيوفَ صيالها

فَما منهمُ إلّا لها البطلُ الشمرُ

لَها اللّه واقٍ دولةً أحمديَّةً

لَقد أعتَبَت لِلدهرِ طلعتها البكرُ

عِصاميّة في ظلِّ عصمِ قشاعمٍ

كُهوفُ أكفّ الدارعينَ لها وكرُ

إِذا ما فِرِند البيضِ ماجَ عبابهُ

تُوثِّقهُ منهنّ أشرعة حمرُ

تَجرّ على الماضينَ ذيلَ فخارِها

فيَزهقُ من أجرى بعثيرهِ العثرُ

أَجارت فلم تخفِر وأَولَت فَأَجزلت

وَأمنَت فَلم نمنن وَرامت فَلا كدرُ

وَوافت كَما وافى لذي أرق كرى

وَذي روعةٍ أمن وذي عسرٍ يسرُ

فَيا طيبَ أيّامٍ جَلَتها جَميعها

مَواسمُ مجموعٌ بِها الفطر والنحرُ

تَهشُّ إليها كلّ واعٍ ومبصرٍ

بَشائرُ بادٍ في الوجودِ لها البشرُ

أَعِد ذِكرها لا ذكر نعمانَ ضائعاً

لِترغبَ من دارين دارين ما النشرُ

فَما لِلندى وَالبأسِ والمجدِ والعلا

فَتىً كأبي العبّس غمر الردا ذمرُ

أَليسَ الّذي دانَت لصائِبِ رأيهِ

قلوبٌ مِنَ الإذعانِ في سَمعِها وقرُ

أَليسَ الّذي لَولاهُ كنّا أَغانِما

لَنا باِنكِشافِ الذئبِ والضبع الخفرُ

يَعدُّ عداهُ السلمَ منه غنيمةً

وَمن للبغاثِ أن يُسالِمها الصقرُ

بِكفِّ أبي العبّاسِ يستمطرُ الغِنى

وَيُشفى من الأدوا ويستنجدُ النصرُ

يموجُ بِها بحرا منى ومنيّةٍ

قَدِ اِفتَرقا هذا فرات وذا مرُّ

يَجودُ أبو العبّاسِ والمالُ عابسٌ

وَيَسطو أبو العبّاس والسيفُ يفترُّ

تودُّ الليالي وهوَ بالبيضِ مغرمٌ

وَبالسمرِ مُغرى أنّها البيضُ والسمرُ

وَتُصبِحُ علما أنّ من همّه الوغى

تشنّ على الأعداءِ غاراتها الغرِّ

لَه رَبطُ جأشٍ يحسب الحرب هُدنة

وَحزمٌ يَرى في الهدنة الحرب ينجرُّ

له هِممٌ ما أُشعرَ الدهرُ بعضها

يُكتِّمُها حزمٌ ويُعلنها فخرُ

رُسوخُ وقارٍ في مدى البأسِ والندى

أَبى كشفَ مغزاهُ القطوب أو البشرُ

فَلا يؤمن الدانين رفع حجابهِ

وَيؤيس القاصين أن يكشف السترُ

عَليمٌ بترشيحِ الفتى لكمالهِ

فَإن يزوِ برّاً فالّذي فعل البرُّ

لَه سهمُ رأيٍ ليسَ يملك ردّه

وصارمُ علمٍ لا يفلّ له شفرُ

فَذا ضاربٌ من كلّ أمرٍ بنابهِ

وَذاكَ من الأغراض موقعه النحرُ

وَبادرةٌ في راحَةِ الرأي قودها

وَحلمٌ به يُستَجمَعُ العلمُ والنصرُ

وَحذر على أنسٍ وطيب طويّةٍ

وَنجدة حرٍّ حلفها الرأيُ والصبرُ

وَلُطفُ اِحتيالٍ واِحتِمالٌ مباعدٌ

عَنِ الغمرِ من قد رانَ في صدره الغمرُ

وَعصمةُ قلبٍ تحتَ حكمة منطقٍ

ووقرٌ لِعرضٍ دونه يهتك الوفرُ

لَقد وَسِعَ الأيّام خبراً ونجدةً

وَأَجدى مُزينيه النجابة والخبرُ

فَلا أمسُهُ غبنٌ عليه بِما مضى

وَلا غدهُ لبسٌ عليه بما يعرو

مَليكٌ مطاعُ الأمرِ في ملك نفسهِ

وَكَم ملك في طاعةِ النفسِ مضطرُّ

يَروحُ ويغدو بين حكمٍ وحكمةٍ

هَواه له عبدٌ وهمّته حرُّ

يُنازِلُ من ريبِ الزمانِ وقائعاً

عَوارضهُ من نقعها أبداً غبرُ

يَرى الغرُّ أنّ السلم قَد يستنيمهُ

وَفي السلمِ رفهٌ يستنيم له الغرُّ

فكَم ليلةٍ ليلاء نامَ رُعاتها

جَلاها محيّاهُ إلى أَن جلا الفجرُ

تَشفُّ له البيض السوابغ حلّةً

وَيدمثُ متنُ الجدّ لا الفرش الوثرُ

يؤنِّقهُ روضُ المكارِمِ يانعاً

وَأَزهاره شكرٌ وَأَثماره أجرُ

وَما اِنقاد مِن علياء قطّ زمامها

إِلى راحةٍ من راحةٍ حظّها غمرُ

بِمِثل بني المولى الحسينِ تَفاخَرت

مَنابرُهم في أوجها أنجمٌ زهرُ

إِذا أحيَتِ الأنواءُ أرضاً فإنّما

بِأنوائهم تحيى المكارم والفخرُ

مُلوكٌ أبو العبّاس وسطى لعقدهم

فَناهيكَ ما فرع وناهيكَ ما نجرُ

لَقد كانَ مِنهم في النفوسِ جلالةٌ

تنبّأ أن في نفس مجدهم أمرُ

فَلمّا تبدّى أحمد ظَهرت به

سريرةُ مجدٍ كان أَضمرها الدهرُ

سَريرة مجدٍ لَم يَحُم حولَ كشفها الز

زَيارجُ وَالتنجيمُ والرملُ والجفرُ

فِعال أبي العبّاس مثل سميّه

لِموسى النهى في قصّ آثارها حسرُ

مَفاوزُ يُمسي اللّيث فيهنّ ماجراً

وَيغدو ضباباً في مجاهلها الكدرُ

وَفي كونِه للملك عاشرُ وارثٍ

مُشير لأن في ضمن وحدته الكثرُ

وَما العشرُ إلّا واحد جلّ رتبةً

تقدّمها للتسعِ مرتبةً صفرُ

أَبت أَن ترى عينٌ لأحمدَ ثانياً

مَدى الدهرِ إلّا الأعين الحول تزورُّ

فَقَد صارَ هَذا الأبلقُ الفردُ قصرهُ

فَريداً كبانيه البها قصرُ

تَطوّق من تلك الحصونِ بهالةٍ

مجرَّتُها مِن حوله عسكرٌ مجرُ

فَدُم أيّها المولى بسندسِ عرشهِ

يحفّكَ في أرجائه العزُّ والنصرُ

وَدُم فيه شمساً تبهرُ الشمسَ عامراً

مَنازلَ سعدٍ دونها السعد والغفرُ

وَدونك للتاريخ بيتاً إِذا اِبتُلي

فَمَوسومهُ والغفلُ والشطر والشطرُ

بُروج كمالِ الأحمديّةِ أصبَحَت

لأحمدَ دار الملكِ متّعها النصرُ

معلومات عن محمود قابادو

محمود قابادو

محمود قابادو

حمود بن محمد (أبو علي) قابادو التونسي أبو الثناء. شاعر عصره بتونس، ومفتي مالكيتها. أصله من صفاقس. انتقل سلفه إلى تونس، فولد ونشأ بها. وأولع بعلوم البلاغة ثم تصوف، وأكثر..

المزيد عن محمود قابادو

تصنيفات القصيدة