الديوان » تونس » محمود قابادو »

أعيذ صفاء الود من كدر العتب

عدد الأبيات : 174

طباعة مفضلتي

أُعيذُ صفاءَ الودّ من كدرِ العتبِ

وَوجهَ الرّضى من عثير اللّوم والثربِ

وَأَستودعُ الرحمنَ عهداً مبرءاً

تجنّت له عينُ الجفا وصمة الذنبِ

وَأَشكو إِليه البثّ من معجمٍ عرا

يجرّ لسان المصقع المدره الذربِ

وَإِيّاه أَستَهدي لتسديدِ منطقٍ

تَوجّس أن يُردى بمقتحمٍ صعبِ

تَهيّب أن يُسدي ويلحم مفصِحاً

بِصمّاءَ إن يَستنبها الرأي لا تنبي

فَها أَنا ذا في لجّها متقحّمٌ

عَلى خطرٍ بين السلامةِ والعطبِ

أَقولُ ولم أَملك أعنّة عبرةٍ

سَوابقها تستنّ بالشفر والشهبِ

أيا مُصمياً قلبي بسهمٍ ألوتهُ

لَعمري لقد أبعدتَ مرماكَ عن قربِ

أَتخربُ بيتاً لَستَ تبرح حلّه

وَتُضرِم صدراً ضمَّ ودّك للخلبِ

أَتاني كتابٌ لا أجيز اِعتزاءه

إِليك وإِن حاكى نقوشك في الكتبِ

أتاني بعرفٍ عنبريٍّ مخلّقاً

فقلتُ حديثُ العهد من راحة الحبِّ

وهزّ لفرطِ الإرتياح جوانحاً

تشايعها منّي الجوارح بالهبِّ

وَما خلتُ أنّ المسكَ بالعتب حالمٌ

وَللمسك في عنوانه نفحة تُصبي

وَما راعَني إِلّا اِنحسار لثامهِ

عَنِ المنظرِ الجهمِ المكافح بالرعبِ

فَقضّيتُ منه العجب أنّى تصوّرت

سِفارَته عن مُسفرٍ سافرِ الحجبِ

وَما كدتُ أَقضي العجب حتّى تناومت

جُفوني عسى أَن يَغتدي حُلُم الجلبِ

وَمن يقضاتِ المرءِ ضربٌ يعدّهُ

مِن النومِ في تأويل مرآه بالقلبِ

فيا لك مِن كتب جلا عن كتائبٍ

وَيا لك من خطٍّ تكشَّف عن خطبِ

حَكى سلّة الحاوي فطيُّ رقومهِ

أَراقم لمّا فضّ بادَرنَ للوثبِ

فَوا أسَفي منه على متلمّسٍ

صَحيفة لين فَوق مخشوشنٍ وشبِ

وَوا جَزعي مِنها إذا ما تسرّبت

فَأعيت من الحاوين صارئةَ الدبِّ

وكنتُ أرجّي منه روضاً مفوّفاً

بِكافورةِ القرطاسِ حيّت على غبِّ

فَأرشفُ راحاً من ثغورِ أقاحها

ببردِ الرضابِ العذبِ في اللؤلؤ الرطبِ

وَأوردُ شَوقي مترعاتِ حياضها

فَأُبردهُ بالكرعِ منهنّ والعبِّ

وَأَلثِم خدّ الوردِ يُخضله النّدى

وَقد عمّ نقطُ الخال ديناره الذهبي

وَأهصرُ عطفَ الغصنُ يعطفه الصبا

لِتقبيل خدٍّ خُدَّ من نهرها الصبِّ

وَتَسرحُ أَلحاظي بها في خمائلٍ

فتجني جلاء مِن حَدائِقها الغلبِ

وَيُشهدني مرّ النسيمِ بسروها

ترنّح غيدٍ في غلائِلها القشبِ

وَتنشقُ أَنفاسي عطير شميمهِ

وَقد جرّ فضل البرد في مسكة التربِ

وتُطرب أسماعي سواجعُ أيكِها

ببثّ اللّحونَ العجم في نغمٍ عربِ

وُعوداً أرى الإنجازَ منهنّ مكثباً

بوارقَ مِن صدقِ العيانِ على نصبِ

فَما اِرتدّ عنها الطرف حتّى تضرّمت

بِنارٍ لها شبٌّ بإعصار ذي هبِّ

فَثُبتُ وَقد أملقتُ فيها من الرجا

أقلّب صفر الكفّ واللّحظ والقلبِ

فَوا عجبي للنارِ كيفَ تأجّجت

وما اِحترقَ القرطاس من زفر اللّهبِ

ووا عَجبي للنارِ كيفَ تمدّدت

عَلى عُمُدِ الأقلامِ عمداً إلى قلبي

فَبتّ لَها في ليلةٍ نابغيّةٍ

وَلكنّ رُقشي حسبُها اللحظ بالسلبِ

تخطّى إلى قلبي كتابُكَ مجملاً

فَما حلّ حتّى حلّ عقراً عن اللحبِ

وجاوَز حُرّاساً من الفضلِ يتّقي

تقحّمها بِاللّحظ ذو الدهيِ والأربِ

كِتابٌ كريمُ المُنتمى غير أنّه

بِغيرِ كريمِ الخلق عُلّق والنسبِ

أَتاني وَما وطّنتُ نَفسي لمثلهِ

وَما جاءَني بِالصاعقاتِ من العتبِ

مَلكتُ له نَفسي وَكانت عصيّةً

وَقلتُ وقَد ريعت رويدك للحبِّ

أَلَم تَعلَمي أنّ الكتاب قَدِ اِنتمى

لِمَن لَيس يَعدو الجفن إلّا إلى القلبِ

لِمَن لَو على الأجفانِ أَوطأ نعلهُ

وَقَد أرّقت قُرّت ببرد كرىً كثبِ

ولو رام إشجائي اِعتراض عتابه

توهّمته السلسالَ من سائغٍ عذبِ

لَه نِسبةٌ تَقضي بِرَعيِ حقوقهِ

وَإن أكذبت فَحواه دعواه في النسبِ

فَقَد يُسفرُ الإدلال عَن فجأةِ الجفا

وَيُسفر سهلُ الدعبِ عن وعرٍ صعبِ

هبي أنّه سهمٌ عنِ الحبّ صادرٌ

إِذا قلتِ جزماً إنّه ليس بالقربِ

وَقولي إِذا إِحدى اليدينِ تخدّشت

بِأظفارِ أخرى حاكت الجذل للجربِ

أَما وَحقوقِ الودّ لولا مهابةٌ

لِمُنشئهِ الإبنِ المغلغل في الحبِّ

لَجال بناني في مطاويه بالقنا

وأَنحى لساني فيه بالصارم العضبِ

وَشُنّت عليه غارةٌ من بلاغةٍ

يَسيرٌ بها أن تُلحق التبر بالتربِ

وَما عثَرات القولِ يوماً مقالة

بِعذر ولا كلم الكلام بذي رأبِ

لَعَمري لقد أوطا اليراعة كاتبٌ

لأحرُفه عشوا من المركب الصعبِ

أَرام عزوب الحلمِ عنّي مزلزلاً

بأرجلِ نمل دبّ راسية الهضبِ

أَم اِستام بالإغضاب أن يَستفزّني

لِبادرةٍ لا تستردّ من العطبِ

مَعاذ الّذي أوعى بصدري علومه

فَجالَت بواع منه مُنفسحٍ وعبِ

معاذاً به من أن تحوم عزائمي

عَلى غيرِ مُرضٍ للصديق وللربِّ

أَأَنكُث حبلَ الودّ بعد توافقٍ

وَلي حيلة في حمل بادرة الصحبِ

يهونُ على الغرم اِنصرام مودّةٍ

لخلّ فَيجزيه بذنبٍ على الذنبِ

وأمّا وتجريبي خبير مصدّقٌ

فإنّ مداراة الصديق من الأربِ

إِذا ظفرت كفّاك يوماً بصاحبٍ

فَأودعه في جفنِ الرعاية والهدبِ

وَمهّد له أكناف برّك وثرةً

فَإن شمتَ منه الخلب فاِكتُمه في الخلبِ

وَأجرِ على الإدلالِ كلّ أمورهِ

وَلا تتعنّته بتنقيرِ ذي رقبِ

وَخُذ منه عفو الفعل والقول واِطّرح

مراءً ولوماً حين ينبو وإذ يُنبي

وحرّره عن رقّ التكاليف تَلفهُ

أخاً مسترقّاً ذا اِنتدابٍ إلى الحبِّ

وَأَنت ترى التكليف جدّ مشقّةٍ

وَلو كان يُفضي للسعادة عن كثبِ

وَإيّاك إن أسديتَ للخلّ منّةً

وَمنّاً فإنّ المنّ كالنار في الحطبِ

إِذا كنت تعلوه يداً فَاِنخفَض له

مقالاً وإلّا اِستبدل الشكر بالثلبِ

وَصن سرّه والعيب واِنشر ثناءه

وَصله دوالاً بالزيارة والكتبِ

بِذا تَستديمُ الودّ من كلّ صاحبٍ

وَتستلّ أعراقَ السخيمةِ من خبِّ

وَلا تَستزلنَّ الحبيب شهادةً

ولا تَكُ جاسوساً على الغيبِ بالعيبِ

وَقيّد بلينِ القولِ شاردة الرضا

وأكّد بفرطِ الإحترام عرى الحبِّ

وَأَخجل جفوّاً بالمداراة واِطّرح

رعونة نفسٍ في المكافاة بالريبِ

فَلا راحةٌ إن قوبل الذنبُ بالجفا

وَلا سُؤددٌ إن جُوزي الذنبُ بالذنبِ

وَكُن وسطاً بينَ الشقاق وضدّه

فإنّ نفاقاً أَن توافق عن عقبِ

وَإيّاك والإدلال واِحذر معادهُ

وَلا تأمَنن وشك التقلّب من قلبِ

نصائح جاريتُ الكتاب ببثّها

مُجاراة مغضٍ مغمضِ الطرف عن رجبِ

فدونك نُصحاً في عتابٍ ومدحةً

تُؤلّف بين الشاةِ في اللطفِ والذئبِ

فأدمجتُ فيه المدح ثمّ مَحَضتهُ

كما صيغَ تبراً غمد ذي زخرفٍ عضبِ

فإن يكُ قبل اليومِ خامرك اِمترا

فقد برح اليوم الخفاءُ بلا حجبِ

حَباكَ لسانُ المجدِ خالصةَ الثنا

وَأَولتك أبصار العلى غاية الرجبِ

وغيرُك من تُبدي الجفاء طباعه

ويعدل في جدٍّ وهزلٍ عن اللحبِ

وَلُطفك يأبى أن تروع موالياً

وَيستأثر السرّاء فيك عن الصحبِ

فَلا تَكسفَن بالعتبِ نظرة ودّهِ

فإنّ مثار العتب مربدة الحبِّ

وإن قلتُ إلّا أنّها عمد زلّة

فَهل لك إلّا الصفح عن زلّة تكبي

فدىً لك من ناوى الّذين يودّهم

ولو قلت من ناواك رعت ذوي الحبِّ

ولو جاز في الفادين أنّك حائزٌ

لأعمارهم أدخلتُ نفسي في الحسبِ

لَئن كانَ ما يُرضيك يَمنعُني الكرا

فَجافى الكرا جنبي وأنبى الوطا جنبي

وَإن كانَ ما يُرضيك يمنعني الروا

عَلى ظمأٍ عفتُ الورود من الشربِ

لِيهنيك أنّي قد حسوتُ مراره

ولا زال منه بي مساورة الرعبِ

وَيُهنيك أنّي لا أزالُ لوقعها

وَمن نزعها ألقى الأليم من الكربِ

وَهب أنّها كانت كضربةِ لازبٍ

فهلّا على حسن التلطّف في الربِّ

فضنّ بمن جرّبته وهو مغضبٌ

فَألفَيته في البعدِ خلّاً وفي القربِ

وخصّصه بالودّ الّذي أنت أهلهُ

وَأَعلن لَه فضل المزيّة في الصحبِ

تَجد منه حرّاً للصنيعة شاكراً

وفيّاً ولو جرّ الوفاء إلى العطبِ

أَضاع عبيرّ الودّ إضرامُ صدرهِ

وَكشّف عن إبريزه عاشي الحبِّ

فَكم قَرع الأقوامُ من قبل مروتي

فشحّت ولم تطب بسقطٍ ولا شكبِ

فأمّا وفي يمناك قد هزّت العصا

فقد فجّرت منها ينابيع كالثعبِ

وَأَفضت سَجاياهم لأبناءِ فكرتي

سحاباً ليستعلمن منقطع النسبِ

وظنّي وفوقَ الظنّ عهدك أن ترى

شَحيحاً بعرض الخلّ من ماضغ الصحبِ

وَعاينتُ إذ عهدي بكفّك لجّةً

مِنَ الآيِ تَسجيرُ البحارِ من الزعبِ

فإن أتّهم فيك العيان فبالحرى

وإلّا فما لي في البقا بعد من أربِ

أحاشيك أن ألوي بعهدك زلّةً

وَأكبر أن تستنزل الحرّ بالثلبِ

أَما في كريم العهدِ والودّ شافعٌ

لذنبي إنّ الذنب يَمنع من ثربي

أَما في جريِّ الرأيِ والعزمِ والحِجا

مِن الرفق ما يبقي على ذمّةِ الحبِّ

أيا جيرةً جاروا عليَّ بذلّةٍ

إِليّ منهم أستنيم إلى حبِّ

حَنانيكمُ بعد الجفاء وإن يكن

بِعيشي لكم رأيٌ فعندكمُ طبّي

أحاول منّي بعث ودٍّ بحربةٍ

وَمِن عبثٍ بعث المودّة بالحربِ

أَدرتم لنا كأسَ العتاب مريرةً

فَعودوا مِن العتبى بنقل لها عذبِ

أَما إنّه واللّه لولا اِقتفاؤكم

لضلّ مُريد الوصل من مسلكٍ صعبِ

فَلي رامحُ الأقلام لَيس يطيشهُ

تهيّبُ ذي بأسٍ إذا جال في حربِ

بِراحته ريّانُ يقذف أريهُ

عَلى أنّه النضناض عضّ على قشبِ

هو الرمحُ إلّا أنّه غير راعشٍ

هو السّهم لكن لا يَطيشُ ولا يجبي

ردينيّ أخطارٍ شَروعٌ مثقّفٌ

بريٌّ نفوذٌ شدّ رائشة الندبِ

يُجلّي البياضَ المحضَ من خرصِ أخرسٍ

وَيَجلو قذى الأجفانِ بالقذذ النشبِ

يُقيمُ مِنَ المزورّ مذرى اِزوراره

وَمِن ذي صغى للعجب صاغية العجبِ

ويُصمي من الصمّاء مخرت سمّها

وَمن خطبِ شكلٍ عصل شاكلة الخطبِ

كأنّ عيوناً رانياتٍ إِذا جرى

تُحابيه مكنون السواد على رقبِ

نَعم وقلوباً هامياتٍ تودّ لو

سُويداؤُها كانت له صبغةَ الخضبِ

إِذا رمتَ مِنه اللّهو ناغاك بلبلاً

وَإِن تدعُهُ العلياء كان من الشهبِ

تَرى ذنبَ الطاووسِ سهّم طرسه

يُحاكي بها منقاره الندف في العطبِ

يُغادر طرف البرقِ في الجوّ ضالعاً

وَيفضحُ وشيَ الودقِ في صفحةِ الهضبِ

هوَ الذابِلُ الذاوي الّذي إن ترشّحت

لَه نُطفةٌ في الطرسِ أورق بالخصبِ

هو السابقُ المُذكي عدا أنّ سبقهُ

لِمُجريهِ يُعزى ما له فيه من شعبِ

تخيّر من جُردٍ عتاقٍ ضوامرٍ

مَراوحَ لا تذني سوابح لا تكبي

مُعوّدةً ما إن تغبّ عنِ الونى

ولا تَنثني يوماً وصايا من اللغبِ

تَوجّس إذا أَعطته يوماً يمينهُ

لِموقفةِ الألبابِ في ساحة العجبِ

وَأيقِن بأنّ البحر يطمو عبابهُ

فحدِّث عنِ البحرِ الغطمطم ذي العبِّ

بِما شئتَ مِن حليٍ يُطوّق لبّةً

وَما شئتَ مِن لجٍّ وما شئت من سحبِ

وَما شئتَ مِن روضٍ يكلّله الحيا

وَتصدحُ منهُ الورق في فنن رطبِ

وَما شئت من نهرٍ قد اِطّردت به

مُفاضة ماذيٍّ على صفحة العضبِ

وَإِلّا فَما يُرضي الممالك من سطا

وَمِن غارةٍ شعواءَ في مأزقٍ صعبِ

وَمن غُررٍ وضّاحةٍ ما تطلّعت

عَلى الخطب إلّا اِنجاب محلولك الخطبِ

وَمن فلِّ حدِّ الباترات بأبترٍ

وَقصفِ العوالي بالمطاعن عن وربِ

وَحسبكَ في عزٍّ يماريك عوزهُ

بِقرملةٍ من طمّ منفجرِ الثعبِ

أَلم يدرِ ذاك الغرّ كنه مكانةٍ

عَلى حسنِ رأيٍ للوزير به تنبي

رَعى اللّه من ذاك الوزير فراسةً

وَلُطفَ تهدٍّ بالقوابل للعقبِ

تَوسّم سقطاً من ذكاءٍ وَرَت به

مَخائِله فَاِستضرم السقط بالشبِّ

ضَواه لإِنشاءِ الكتابة فَاِعتزت

لَه رتبةُ الإنشا اِعتزاء القطا السربِ

فَما كذبت أَن فاخرت بِاِنتمائها

إِليه وَجادت منه بالشاهد الحسبِ

فَلَيس لها كفؤٌ سواه وإنّه

لَفارسُ ميدانِ التكتّب والكتبِ

يمدّ يراع الخطّ سلسالُ طبعهِ

بِأندى على الأكبادِ من بارد السكبِ

وَيخطرُ إعطافاً فيبدي نثاره

بِأنضرَ مِن وشي الأزاهر في القضبِ

فَتلقطُ درّاً ساقَطَته حروفهُ

بِسمعك من نطق ولحظكَ من كتبِ

فللّه في بُردَي شبابٍ وعفّةٍ

مُحيّا يواري البدر في هالَتي عجبِ

وَللّه محضا عزّةٍ وتواضعٍ

يُنتّجه حصنُ المجادة واللبِّ

قَرين النديّين السماحةِ والتقى

مُعدٌّ من الفوزين في الحالِ والعقبِ

لَه في سَوادِ العين والقلب منزلٌ

وَإِن كانَ لا يأوي سوى منزل القلبِ

تَبوّأ من نفس الوزير مكانةً

تُنافسهُ في نيلها أعينُ الشهبِ

وَما هو إِلّا أهلُها وكفيؤها

وَأهلٌ لما عنه من الإِعتلا تنبي

أَلا أيّها الصهميمُ والأوحد الّذي

محضتُ له مَدحي وَأَخلصته حبّي

وَمن كلّما مرّت بذكري صفاته

تهلّل وجه الدهر لي بعدما قطبِ

وَمن كلّما سمتُ القوافيَ مدحهُ

أَجابَ لها نطقي ولبّى لها لبّي

إصاخة إقبالٍ عليّ فإنّه

بريقِ سلسالِ الحياةِ همى سكبي

وَإِصغاء إذعانٍ إليّ فإنّما

لإلقاءِ إكسيرِ الكلامِ سما لهبي

وَدونك عذراء البلاغةِ أَقبَلت

تحيّي على اِستحيا وتغضي على رجبِ

تَشوبُ بحرّ النصحِ بردَ مَديحها

كَما شبّ ومض البرق في صيّبٍ رضبِ

وَتُفرغ من تبرِ الثنا غمد مرهفٍ

سَجاياك تستنضيهِ من دلّها المُصبي

لَها منطقٌ يستوقفُ الشهب عن سرى

فَما تَستبين الشرق من موقع الغربِ

أَرقُّ من اللّحظ الفتون فتورهُ

دَعا لِلهوى صبّاً بإيماءةِ الهدبِ

وَأسحرُ من ثغر يُناغيك باسماً

بمنثورِ منضود من اللّؤلؤ الرطبِ

وَأَوقع في الأسماعِ من لحن مطربٍ

بشجوٍ ومِن وعدٍ من الحبِّ للصبِّ

وَأَندى على الأكبادِ من مسعفِ المنى

وَأعذبُ في الأفواه من رشفة الضربِ

وَأَفعل في الألباب من خمرِ بابلٍ

وأعجبُ للمرتادِ من موقع الخصبِ

فَأوسِع لها عُذراً فإنّي اِرتَجَلتها

ولبّي بخطبِ العتبِ ينقف في خطبِ

وَلَم أَستَجِز إرجاءها لتأنّقٍ

عَلى وفق ما أرضى لمدحك من نحبِ

أَتيتُ بها في نحوِ حسوة طائرٍ

وَعدتُ عَليها بالزيادة والهذبِ

فَجئتُ بنزرٍ منه عقداً منضّداً

أجادَ بِجيدٍ لم يغصّ ولم يربِ

وَإِن كان ذاك الجيد قد شبّ عمره

عَن الطوقِ فاِجعله التميمة للحجبِ

فَلو ساجَلَتها المذهباتُ لأصبَحت

بِها مذهباتٍ من قلوب ومن كتبِ

عَلى أنّها عتبُ الجنانِ تدفّقَت

تدفّق يعبوبٍ لمنحدرٍ ثعبِ

فَظنّ بها عَن أن تدار كؤوسها

على غير ذي شكرٍ لموقعها ندبِ

وَكرّر بها سُكراً حلالاً وسكّراً

حَلا لا يملّ الدهر ذائقه اللبّي

وَدم يا قريع المجدِ والفخرِ راقياً

مدارج عزّ فوق مرقية الشهبِ

معلومات عن محمود قابادو

محمود قابادو

محمود قابادو

حمود بن محمد (أبو علي) قابادو التونسي أبو الثناء. شاعر عصره بتونس، ومفتي مالكيتها. أصله من صفاقس. انتقل سلفه إلى تونس، فولد ونشأ بها. وأولع بعلوم البلاغة ثم تصوف، وأكثر..

المزيد عن محمود قابادو

تصنيفات القصيدة