الديوان » العصر العثماني » جرمانوس فرحات »

قفا نبك نفسا طال منها بسورها

عدد الأبيات : 64

طباعة مفضلتي

قفا نبك نفساً طال منها بُسورُها

وقصَّر عما تشتهيه سرورُها

فإن سكنت يجني عليها سكونُها

وإن أَضمَرت يُفشي بذاك ضميرُها

فتغدو كأن الصبح صلٌّ يروعها

وتَسري كأن الليل لصٌّ يَضيرُها

با حفرٌ مما جناه جَنانها

فأضحت وذاك اليأس فيها خفيرها

فما برحت تستقطر الدمعَ من دمٍ

بنارٍ لها بين الضلوع تثيرها

فراحت ورسمُ الجسم يغرقُهُ دمٌ

بدمعٍ ويحرقْهُ بأخرى سعيرها

ولم يبق منها في العيان سوى إذا

تنادي يُجبْك اَنينُها وزفيرها

إذا كان سكان الديار ترحّلوا

فهل يُجْدِيَنْكُم بعد ليلي قصورها

وكيف أرى فيها سميراً مسامراً

بليلي وقد سُدَّت عليَّ ثغورها

أغالبُ فيها الدهرَ والدهرُ غالبٌ

وهيهات مني قَبْجُها وصُقورها

رعى اللَه أياماً تجلَّت شموسها

علينا كما جلَّت لدينا بدورها

وددتُ أرى منها خيالَ خيالها

وقلتُ عسى أني بوهمٍ أزورها

فقيلَ وطِرفُ الدهر للبين مُسرَجٌ

أمنك رقادٌ كي يراك يَسيرها

فقلتُ وجفني لا يَلُمُّ غِرارُه

فأين لِطَرفي نومةٌ أستعيرها

كفى أرقي أني أبيت وعبرتي

يغيض رُقاها إذ تفيض بحورها

كفى أرقي أرضٌ وطئنا حزونَها

حُفاةً ولم تُسلَك بخيلٍ وُعورها

وعورٌ تَرى عبء الرئسة باهظاً

وقد كلَّ عنها باعها ونصيرها

وناهيك عن عبء يَكِلُّ لثقله

مناكبُ أملاك السما وظهورها

أرى أُحُداً بل طورسينا ويَذبُلاً

أدقَّ وأخفى بل أخفُّ ثَبيرها

لك الويل يا من جئت تبغي إمارةً

فما أنتَ إلّا عبدها لا أميرها

تروح بقلبٍ بالمهمات مولعٍ

وتغدو بكبدٍ لا يَكِفُّ سعيرها

يروقك منها لذةٌ من سيادةٍ

ويعروك بَعداً ظَمئُها وهجيرها

يمجُّ مَنوناً حكمُها وذمامُها

ويسكبُ ناراً عرشُها وسريرها

عدوك من يصليك نارَ عداوةٍ

ألا إنما السادات هذا مصيرها

رويدك لا تَتْسَيطَرَنَّ تبجُّحاً

فما يفسد الأعمالَ إلّا شرورها

سقتكَ رئاستْكَ السيادةَ حلوةً

لك الويل مما قد أجنَّت صدورها

فإن كان مبداها أراكَ حلاوةً

تمهَّل تجد قد مرَّ منها أخيرها

فاقلل بمن ينجو رئيساً مُسلَّطاً

وأيُّ فجاجٍ هان منها وُعورها

ألا إنما خمر الرئاسةِ خمرةٌ

متى لَذَّ موردْها أَمَرَّ صدورها

فيا طالما لَعْبَتْ بروسٍ رؤوسُها

كما لعبت بالمَلْحَمات ذكورها

سقت راغبيها أولاً راحَ راحةٍ

فظنّوا بهذي الراح هذا نَميرها

إلى أن غدوا منها سكارى فما صحوا

صَباحاً إلى أن صاحَ فيهم نذيرها

فهَبُّوا وهم في دار نارٍ أُوارُها

جحيمٌ وآلاتُ التعاذيب سورها

فهذا مماتُ السائدين إذا طغوا

وإن نافقوا فيها فهذا نُشورها

لأنهمُ لم يعدلوا في مَقامهم

ولم يَعدلوا في سيرةٍ ضاء نورها

هَبُوا أنهم سادوا فشادوا رِئاسةً

فأين الأُلَى شادوا وأين أميرها

وأين السيادَةْ ثم أين غنيُّها

وأين مسودٌ ثم أين فقيرها

مضوا يقرعون الصدرَ حبَّ رئاسةٍ

تروعُهمُ أحكامُها وأمورها

وقد صَبَحَتهم حالةٌ لا تُصيبكم

يساوي كبيرَ القوم فيها صغيرها

كأضغاث أحلامٍ مضت مثلما مضت

قرونٌ وضمَّتها لبعثٍ قبورها

يرون جواباً لا جواباً يرونه

كرجع الصدى يرتد عنها صفيرها

فأضحوا كشِلْوٍ والشياطين حوله

كواسرُها تنتاشُهم ونسورها

وما راح عنها ظافراً بسلامةٍ

يجرُّ ذيولَ الفوز إلا غيورها

وأصبح منها في جنابٍ ممنعٍ

يحصن نفساً نمَّقتَها سطورها

سطورٌ تُحصِّنْها بمريم في الورى

وناهيك عن نفسٍ ومريمُ سورها

هي البِكر قد نجَّى الأناسيَّ بِكرُها

وآلاؤه فيهم يُقال عَثورها

حبتني أياديها الأياديَ جمَّةً

وتلك أيادٍ ليس يخفى عبيرها

وما ضر نعماها إذا كنت جاحداً

وهل يَهجُنُ الآلاءَ يوماً كَفورها

إذا نفرت رابَ الثقاتِ نِفارُها

وإن سفرت راب العداةَ سفورها

مدحتُكِ يا عَذْرا لِأُضحي بمدحك ال

رقيق رقيقاً حبّذا لي أَسيرها

فدونكِ يا سلطانةَ الأرض والسما

قلادةَ نظمٍ والدراري نحورها

فأحسِنْ بها إذا أنتِ موضوعُ نظمها

وأنتِ فرائدْها وأنت شُذورها

لك العمرُ وقفٌ والمدائحُ مَوثِقٌ

ولم تكفني أعوامُها وشهورها

علَت وغلَت أوصافُكِ عند قدرِها

فأين فَرَزدَقْها وأين جريرها

وقد طرَّزتها بالمديح مقامةٌ

يعزُّ على ذاك الحريري حريرها

خريدةُ حسنٍ لو رأتها كنانةٌ

قضت أن عُذرةْ لا تلام عُذُورها

أرى كل شعرٍ في سواك شعيرةً

بَهائمُها تجترُّها وحميرها

وكلَّ مديحٍ في سواك مذمةً

لحى اللَهُ أوصافاً حِلاها شرورها

حبوتُك مدحاً رقَّ حتى كأنه

لآلئ هلَّت في الليالي بدورها

بأصدافِ أسدافِ الليالي لآلئٌ

منظَّمةٌ فيها النحورُ بُحورها

تَزيْنُ حِلاها رقَّةٌ حلبيةٌ

كما زيَّن الخودَ الرداحَ فُتورها

منمقةٌ تفترُّ عن ثغر مُرتَضٍ

بمدحك حتى كاد تحكي سطورها

فها أنا والعذراءُ مريم في الورى

ملاذي ويكفيني اهتداءً طُهورها

عليها سلام اللَه واللَهُ شاهدٌ

عليَّ بأنِّي عبدُها وشَكورها

معلومات عن جرمانوس فرحات

جرمانوس فرحات

جرمانوس فرحات

جبرائيل بن فرحات مطر الماروني. أديب سوري، من الرهبان. أصله من حصرون (بلبنان) ومولده ووفاته بحلب. أتقن اللغات العربية والسريانية واللاتينية والإيطالية، ودّرَس علوم اللاهوت، وترهب سنة 1693م ودُعي باسم..

المزيد عن جرمانوس فرحات

تصنيفات القصيدة