الديوان » العصر الأندلسي » الأرجاني »

يا مودع السر درا عند أجفاني

عدد الأبيات : 81

طباعة مفضلتي

يا مُودِعَ السِّرِّ دُرّاً عنْدَ أَجفاني

ومُتْبعَ السِّرِّ إيصاءً بكِتْمانِ

وخاتِماً لي على العَيْنَيْنِ في عَجَلٍ

يومَ الوَداعِ وقد غابَ الرَّقيبان

بخاتِمٍ من عَقيقٍ أَحمرٍ عَجَبٍ

ونَقْشُه باللّآلي البِيضِ سَطْران

أَمِنْتُ إنسانَ عيني أَنْ يَنمَّ به

أَيّامَ ما مِن وفاءٍ عند إنْسان

لم يُغْرِ بي غَيْرُ شانٍ في وِشايته

والنّاس بالبُعْدِ لا يَدْرونَ ما شاني

لم تَحْكِ يا دمعَ عيني عند قاتلتي

غداةَ تَرجمْتَ عن بَثّي وأَشجاني

إلاّ العِبادِيَّ زيْداً عند مَوقفِه

مُترجِماً عند كِسْرَى قَولَ نُعْمان

للهِ بدْرٌ وأطرافُ القنا شُهُبٌ

يَجلوهُ فيهِنَّ من صُدْغَيْهِ لَيْلان

تقولُ للبدرِ في الظَّلماءِ طَلْعتُه

بأَيِّ وجهٍ إذا أقبلتُ تَلْقاني

وجْهُ السّماءِ مِرآة لي أُطالِعُها

والبدرُ وَهْناً خيالي فيه لا قاني

لم أنسَه يومَ أبكاني وأضحكَهُ

وُقوفُنا حيثُ أرعاه ويَرعاني

كلٌّ رأي نفْسَه في عَيْنِ صاحبه

فالحُسْنُ أَضحكَه والحُزْنُ أَبكاني

قد قوَّس القَدَّ توديعاً وقرَّبني

سَهْماً فأبعدَني من حيثُ أدناني

وكنتُ والعِشْقَ مثْلَ الشّمعِ مُعتلِقاً

بالنّارِ أَبقيْتُه جَهلاً فأفناني

يا مَنْ بطَرْفٍ وقَدٍّ منه غادرَني

مُتَعتَماً بينَ مَخْمورٍ وسَكْران

لِمْ فَتْلُ صُدغَيكَ طولَ الدَّهرِ تُلبسُه

أذْنَيْكَ قَيْداً وقلبي عندك العاني

والسّاحران هما العينانِ منك لنا

فلِمْ يُعاقَبُ بالتَّنكيسِ قُرْطان

أخشَى عليك وقد أضَرَرْتَ مُعتدِياً

عُقْبَى جنايةٍ طَرْفٍ منكَ فَتّان

ففي زمانٍ مُغيثُ الدّينِ سائسُهُ

لا يَجسُرُ الدَّهرُ إبقْاءً على جان

أعلى السّلاطينِ في يَوْمَيْ وغىً وندىً

رأياً وأفضلُ في سرٍّ وإعلان

لا يملأُ العينَ منه نظْرةً أحدٌ

ويَملأُ الأرضَ منْ عدلٍ وإحْسان

في القلبِ منه مكانٌ لا يُتَيِّمُه

أجفانُ بيضٍ ولكنْ بِيضُ أجفان

لم يَعْهدوا كمَضاءٍ في صَوارمه

في سَيْفِ غِمْدٍ ولا في سَيْفِ غُمْدان

أَغرُّ تَمتَحُ من قُلْبِ القُلوبِ له

حُمْرَ المياهِ دِراكاً سُمْرُ أشْطان

سُيوفُه البيضُ ما لم تُجْرِ بَحْرَ دمٍ

في عَيْنه كَسرابٍ عند ظَمْآن

تَكِلُّ إن سار عَيْنُ الشّمس عنه سناً

حتّى تَودُّ لو انْصانَتْ بأجفان

لكنْ مِظَلَّتُه تُضْحي مَسَدَّتَها

فَيتّقي نورَها منه بإكْنان

إذا بدا طالعاً في سَرْجِ سابقةٍ

في يومِ هَيْجاءَ أو في يومِ مَيْدان

والطَّرْفُ حاكي رياح أَربع حَملَتْ

قَصراً وفارِسُه حاكي سُلَيمان

مَن خاتِمُ المُلكِ في يُمناهُ صارِمُه

فلا يُخافُ عليه خَطْفُ شَيطان

بل مَتْنُه الدَّهْرَ فيه من سياستهِ

إذا نظرْتَ إليه حَبْسُ جِنّان

يا آخِذَ الأرضِ بأساً ثُمّ مُعطِيَها

جُوداً فللنّاسِ منه الدَّهرَ يومان

مَن لو تَصافنَ ماءَ البحرِ عَسْكرُه

لَما استَتمَّ لهمْ في الشُّرْبِ دَوْران

مَن يَرتدي بحديدِ الهندِ منْ شَرَفٍ

ويُنْعلُ الخيلَ راجيهِ بعِقْيان

لا غرْوَ إنْ وَسَمَتْ أَيدي الجيادِ له

مناكبَ الأرضِ من قاصٍ إلى دان

فأنتِ وُسِّمتِ أَيضاً يا سماءُ له

فما هِلالُكِ إلاّ نونُ سُلْطان

لمّا امتطَى الخيلَ والأفلاكَ لاح له

بالنّارِ والنُّورِ للأبصارِ وَسْمان

يَسترزِقُ الوحْشُ مثلَ الإنْس نائلَه

من كفِّ مطْعامِ خَلْقِ اللهِ مِطْعان

يَقْري الوَليَّ ويُقْرَى بالعدوِّ إذا

ما ضافَهُ جائعاً نَسْرٍ وسِرْحان

كم يَغْتدي كلّما شاءَ القنيصَ له

غُرٌّ على الغُرِّ من خَيلٍ وغِلْمان

وفي الكنائنِ منهمْ والأكفِّ معاً

إلى وُحوشِ الفلا جُنْداً خليطان

من كُلِّ سَهْمٍ وشَهْمٍ طائرٍ بهما

من مُستعارٍ ومَمْلوكٍ جناحان

زُرْقٍ جَوارحَ أَو زُرْقٍ جَوارحَ قد

علِقْنَ منهمْ بأيسارٍ وأَيْمان

وكلُّ مُستَردَفٍ يَعْدو الحصانُ به

مثْلُ السّبايا قُعوداً خلْفَ فُرسان

تَقولُ خاطَتْ له ثوباً رشَتْهُ بهِ

من فأرِ مسْكٍ فتيقٍ أُدْمُ غِزْلان

كأنّ في كلِّ عضْوٍ منه من شَرَهٍ

إلى التَّقنُّصِ مفْتوحاتِ أَعيان

وأَغضفٍ مثلِ نجْم القَذْفِ من سَرَعٍ

إذا عدا لاحقِ الأحشاء طيَّان

تَعودُ في كفِّه حَظْفاً وَسيقتُه

كأنّها قَبْسةٌ في كَفِّ عَجْلان

فاسْألْ يُجِبْكَ خَبيرُ القومِ عن مَلكٍ

يَداهُ والجودُ في الدُّنيا حليفان

ما بالُ تصويرِ أُسْدٍ في سُرادقه

وليس تُملأُ خَوفاً منه عَيْنان

والأُسْدُ إن كان يومَ الصَّيْدِ يُبْصِرُها

يُقَدْنَ قُدّامَه قَوْداً بآذان

هل ذاك إلاّ لأنَّ المُستَجيرَ بهِ

يُعيضُه الدَّهرُ إعزازاً بإهْوان

يا عادلاً عَدْلُه والجودُ في قَرَنٍ

وقائلاً قولُه والفِعْلُ تِرْبان

إنْ كان في عَدْلِ نُوشروانَ مُفتخَرٌ

والنّاسُ في عَهْدِه عُبّادُ نيران

فأنتَ تكْبرُ عن شِبْهٍ تُقاسُ به

لكنْ وزيرُك نُوشروانٌ الثّاني

ليس السّعادةُ إلاّ كالكتابِ ولا

حُسْنُ اخْتيارِ الفَتى إلاّ كعُنوان

فَرغْتَ للدّينِ والدُّنيا تَسوسُهما

وأنت ملآنُ من عُرْفٍ وعِرفان

ذو همّةٍ في سماءِ المجدِ عاليةٍ

من دونِ أقصرِ سَمكَيْها السِّماكان

لا يَهْتدي الفَلَكُ الأعلى لغايتها

فدَوْرُه المُتمادي دَوْرُ حَيران

مَلْكٌ إذا ما توالَتْ نَظْرتانِ له

فَعَدِّ عن ذِكْرِ بِرْجيسٍ وكِيوان

محمودٌ اسْماً وفعْلاً في مَمالكِه

بكلِّ ما ساسَ من رِزْقٍ وحِرْمان

تَقْضي كواكبُ أطرافِ الرّماح له

على المُلوكِ بنَصْرٍ أو بِخذْلان

أضحَتْ علامةُ باللهِ اعتصمتُ له

على فُتوحٍ عَذاريَ مثْلَ بُرهان

كفعلِ مُعْتصمٍ باللهِ قام فلَمْ

يُعهَدْ كفَتْحَيْهِ للإسلامِ فَتحان

في الرُّومِ والخُرَّميّينَ الّذينَ طغَوْا

وسْطَ الممالكِ دَهْراً أيَّ طُغْيان

كذاكَ نرجوكَ للفتْحَيْنِ في نَسَقٍ

وقد تَشبَّه أَزمانٌ بأزمان

يا زائداً عُظْمَ شأنٍ كلّما نظروا

لا زلتَ ذا عُظْمِ شأنٍ يُرغم الشّاني

إذا نظَرْتَ إلى قِرْنٍ قضَى فَرَقاً

فأنت عن سلِّ سَيْفٍ للعدا غان

تقبيلُ كفِّكَ وهْيَ البحرُ غوصُ فمي

للقول فيك على دُرٍّ ومَرْجان

حَتّام كَفِّيَ مَلأْى من لُها مَلكٍ

وسَمْعُه من ثنائي غَيْرُ ملآْن

إنْ كان في النّاسِ مَنْ كُفرانُ أنعُمه

كُفْرٌ فكُفرانُ مَوْلَى الأرضِ كُفْران

إلى كَنيِّ النّبيِّ ابْنِ السَّميِّ له

من الملوكِ سَرتْ بي كُلُّ مِذْعان

حَرْفٌ تُصرَّفُ في حَلٍّ ومُرتَحَلٍ

تَصريفَ حرْفٍ بتحْريكٍ وإسْكان

فاسْمعْ فدَى العبدُ سَمْعاً دُمتَ مرعيَهُ

فليس خلْفَ المعاني مثْلُ إمعاني

بديعةً تَتلقّاها الرُّواةُ لها

حيثُ انتهَتْ من عِراقٍ أو خُراسان

إنِ لم تكنْ قَبلَ حسّانٍ فرائدُها

فإنّ مُهديَها من جيلِ حَسّان

إذا يَمينُ أميرِ المؤمنينَ غدا

وقد تسوَّرها فالفَخْرُ أغناني

أضحى سريرُك قد حَفَّ الكُفاةُ بهِ

كأنّه البيتُ مَحْفوفاً بأركان

فليس يَنْفكُّ من قُرْبٍ ومن بُعُدٍ

يَحُجُّ أذْراءه عيسٌ برُكبان

فعِشْتَ في ظلِّ مُلْكٍ لا انْحسارَ له

حليفَ جَدٍّ وفيٍّ غيرِ خَوّان

جدَّدْتَ ما أبْلَتِ الأيّامُ من أدَبٍ

فدُمْتَ للمُلْك أو يَبْلَى الجديدان

معلومات عن الأرجاني

الأرجاني

الأرجاني

أحمد بن محمد بن الحسين، أبو بكر، ناصح الدين، الأرجاني. شاعر، في شعره رقة وحكمة. ولي القضاء بتستر وعسكر مكرم وكان في صبه بالمدرسة النظامية بأصبهان. جمع ابنه بعض شعره في..

المزيد عن الأرجاني

تصنيفات القصيدة